هيأ الإسلام أصولًا علمية عالية، وقرر قواعد منهجية غالية؛ لحماية السنة النبوية ونقلها وتدوينها؛ كما خرجت من فيّ النبي ومنها: أولا: تحريم الكذب: قال الله - تعالى -: ﴿إنَّا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾ (النحل: ١٠٥). وقال -تعالى -: ﴿قُلْ إِنََّا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللّهِ وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأنْ تَقُولُوا عَلَّى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣). عن أبي هريرة عن النبي وَ لَّه قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان))(١). وعن أبي هريرة رَضْ لَهُ قال: قال رسول الله ◌َظُلَّهِ: ((من كذب علي متعمدًا ؛ فليتبوأ مقعده من النار))(٢). وعن أنس بن مالك رَيْالفتنة أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرًا: أن النبي وَدخُلّه قال: ((من تعمد علي كذبًا؛ فليتبوأ مقعده من النار))(٣). عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ◌َِّّ، كما يحدث فلان وفلان، ٤. (٣) البخاري (١٠٨)، ومسلم (٣).

قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: ((من كذب علي؛ فليتبوأ مقعده من النار))٤.

ثانيًا: رفض رواية الفاسق وردّها والتحذير من قبولها: لقد أمر الله -سبحانه وتعالى -: برةّ رواية الفاسق، وحذر من قبولها، فقال -تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنٍَ فَتَبَيِّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦). والخبر إذا كان نكرة في سياق الشرط؛ فيعم كل خبر سواء أخبر به عن رسول الله ◌َّله أو عن غيره، بل الخبر المتعلق برسول الله ◌َّله من باب أولى؛ لما يترتب على الكذب عليه مَّله من طمس معالم الإسلام، وإضلال الأمة، ولذلك قال وَلّ: ((إن كذبًا علي ليس ككذب علي أحد، فمن كذب علي متعمدًا ؛ فليتبوأ مقعده من النار)). قال أبو بكر ابن العربي: ((من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعًا؛ لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة تبطلها)) ٥. وقال جلال الدين السيوطي: ((في الآية رد خبر الفاسق، واشتراط العدالة في المخبر، راويًا كان أو شاهدًا أو مفتيًا))٦. وقال السعدي: ((الواجب عند خبر الفاسق: التثبت والتبين: فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه؛ عمل به وصدق، وإن دلت علي كذبه؛ كذب ولم يعمل به، ففيه دليل علي أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب مردود،

«الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الكبائر والكذب له كالكذب عليه ولا فرق» الانسان: ء

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذبًا: أن يحدث بكل ما سمع))١٠. قال القرطبي: ((ومعنى الحديث: أن من حدَّث بكل ما سمع : حصل له الحظ الكافي من الكذب؛ فإن الإنسان يسمع الغث والسمين، والصحيح والسقيم، فإذا حدث بكل ذلك حدث بالسقيم وبالكذب، ثم يحمل عنه ؛ فيكذب في نفسه، أو يكذب بسببه))١١. قال عمر بن الخطاب رضي اللَةُ عنه: ((بحسب المرء من الكذب: أن يحدث بكل ما سمع))١٢. وقال مالك: ((اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل

٧. ٩.

وخبر الفاسق متوقف فيه)) ٧. وقد جاء التحذير من قبول رواية الفاسق؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) ٨ ثالثًا: التثبت من كلّ قضية: قال -تعالى -: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦). قال قتادة: ((لا تقل: رأيت، ولم تر، وسمعت، ولم تسمع، وعلمت، ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله)٩.

رابعًا: النهي عن التحديث بكل ما سمع

ما سمع، ولا يكون إمامًا أبدًا وهو يحدث بكل ما سمع))(١٣). فقول مالك (ولا يكون إمامًا أبدًا))؛ أي: إذا وجد الكذب في روايته ، لا يأخذون يوثق بحديثه، وكان ذلك جرحًا ؛ فلا يصلح، ليقتدى به أحد ولو كان عالمًا فلو بيَّن الصحيح من السقيم، والصادق من الكاذب؛ سلم من ذلك، وتقصي عن عهدة ما يجب عليه من النصيحة الدينية)) ١٤. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ((لا يكون الرجل إمامًا يقتدي به حتي يمسك عن بعض ما سمع))١٥. وعن سفيان بن حسين قال: سألني إياس بن معاوية فقال: إني أراك قد كلفت بعلم القرآن ؛ فاقرأ علي سورة، وفسر حتى انظر فيما علمت قال ففعلت، فقال لي: احفظ علي ما أقول لك: إياك والشناعة في الحديث، فإنه قلما حملها أحد إلا ذل في نفسه وكذب في حديثه))(١٦).

خامسًا: التحذير من قبول رواية الضعفاء وأهل البدع والأهواء: قال ◌َ له: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون؛ يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم ؛ لا يضلونكم، ولا يفتنونكم»(١٧). وقد بوَّب الأمام النووي على الحديث ولغيره من الآثار بقوله: ((باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها)). وقد أدرك الصحابة ومن بعدهم هذا الأمر؛ فاحتاطوا

(١٣) أخرجه مسلم في ((مقدمة صحيحه)) ١٠. ١٢. (١٦) أخرجه مسلم في ((مقدمة صحيحة)» (١٣).

«كان السلف الصالح

العلم إلا عن ثقة، ولا يحدثون إلا عن ثبت»

في الرواية، وأمروا غيرهم بالاحتياط. قال ابن سيرين - رحمه الله -: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دینکم(١٨). قال القرطبي: ((لما كان مرجع الدين إلى الكتاب والسنة، والسنة لا تؤخذ عن كل أحد، تعين النظر في حال النقلة واتصال روايتهم، ولولا ذلك ؛ لاختلط الصادق بالكاذب، والحق بالباطل، ولما وجب الفرق بينهما وجب النظر في الأسانيد، وهو أمر واضح الوجوب لا يختلف فيه، وقال عقبة بن نافع لبنيه: يا بني! لا تقبلوا الحديث إلا من ثقة، وقال ابن معين: كان فيما أوصي به صهيب بنيه أن قال: يا بني! لا تقبلوا الحديث عن رسول الله وَلَه إلا من ثقة. وقال سليمان بن موسي: قلت لطاووس: إن فلانا حدثني بكذا وكذا، فقال: إن كان مثبتًا ؛ فخذ عنه))١٩. وجاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله وَّ له، قال رسول الله وَ لَه، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ◌َ لاه ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله وَّله ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)) ٢٠. وقوله: ((فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)) هذا مثل، وأصله في الإبل، ومعناه: أن الناس تسامحوا في الحديث عن رسول اللّه ◌َدله واجترؤوا عليه، فتحدثوا بالمرضي عنه، الذي مثله بالذلول من الإِبل، وبالمنكر منه الممثل بالصعب من الإبل)) (٢١). (١٨) أخرجه مسلم في ((مقدمة صحيحة)) (٢٦). (٢١). (٢١) ((المفهم)) (١٢٤/١).

سادسًا: الكتابة في العصر النبوي: انتشرت الكتابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حث القرآن الكريم على التعلم، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم واجبًا؛ فكثر المتعلمون الكاتبون، فالوحي يحتاج على كتاب، فكان للرسول كتاب الوحي. ولكن السنة لم تكتب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يفعل بالقرآن حين يتنزل عليه، ولم يتخذ النبي وَّلَه لنفسه كتابًا يملي عليهم حديثه وسنته؛ كما كان يتخذ لنفسه كتابًا يدعوهم لكتابة القرآن حال نزوله عليه مبالغة منه في تسجليه وتقييده، وفيهم: أبو بكر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، وأبان بن سعيد، وخالد بن الوليد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وثابت بن قيس؛ فكانوا يكتبون القرآن على ما يتوافر لديهم: من العسب واللخاف، والرقاع، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع؛ لكن بعض الصحابة كان يستعين بالكتابة لتقييد السنة، وبعضهم استأذن النبي في الكتابة، منهم:

١- عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- كنت أكتب كل شيء

أسمعه من رسول الله وعليّ أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله مَ لل بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ◌َّله؛ فأوماً بأصبعه إلى فيه؛ فقال: ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق)) (٢٢).

٢ - علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكتب كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد سأله أبوجحيفة: هل عندكم كتاب؟ قال: ((لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة))، قال: فما في هذه الصحيفة؟ قال: ((العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر))(٢٣). ولرسول الله صلى الله عليه وسلم له رسائل ومكاتبات كان يرسلها إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام. وهذه الكتب التي كان رسول الله يبعث بها إلى الملوك يدعوهم، فيها إلى الإسلام، ويبلغهم دين الله جمع معظمها محمد بن سعد في ((الطبقات الكبرى)) وهي دالة على كتابة السنة في عصر الرسول وَلآت.