الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد المرسل رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، وعلى آله وأصحابه الذين حملوا كتاب ربهم سبحانه، وسنة نبيهم وقَالّ إلى من بعدهم، بغاية الأمانة والإتقان، والحفظ التام للمعاني والألفاظ رضي الله عنهم وأرضاهم وجعلنا من
أتباعهم بإحسان.
أما بعد: فقد أجمع العلماء قديمًا وحديثًا على أن الأصول المعتبرة في إثبات الأحكام، وبيان الحلال والحرام: كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة رسول الله - عليه الصلاة والسلام- الذي لا ينطق عن
الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ثم إجماع علماء الأمة.
واختلف العلماء في أصول أخرى أهمها القياس، وجمهور أهل العلم على أنه حجة إذا استوفى شروطه المعتبرة، والأدلة على هذه الأصول أكثر من أن تحصر
وأشهر من أن تذكر:
أما الأصل الأول: فهو كتاب الله العزيز، وقد دلّ کلام ربنا -عز وجل- في مواضع من كتابه على وجوب اتباع هذا الكتاب والتمسك به، والوقوف عند حدوده، قال -تعالى -: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَبِعُوا مِنْ دُونِهِ أُوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣)، قال-تعالى -: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أُنْزَلْنَاهُ مُبَارَكْ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٥)، وقالٍ -تعالى -: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللّهَ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبْلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَّى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِ يهِمْ إِلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة:
١٥-١٦). وقال - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ، لَا يَأْتِهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيدٍ﴾(فصلت:
٤١-٤٢) وقال -تعالى -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأَنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩). وقال-تعالى -: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (إبراهيم: ٥٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد جاءت الأحاديث الصحاح عن رسول الله وقدظله آمرة بالتمسك بالقرآن والاعتصام به، دالة على أن من تمسك به كان
على الهدى، ومن تركه كان على الضلال، ومن ذلك ما ثبت عنه إذا كانت سنته لا يحتج بها، أو كانت كلها غير محفوظة، وعلى
وَّ له أنه قال في خطبته في حجة الوداع: ((إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به کتاب الله)) رواه مسلم في صحيحه، وفي صحيح مسلم - أيضًا - عن زيد بن أرقم رَضِ القَهُ أن النبيِ وَلَّه قال: ((إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، وتمسكوا به)) فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: ((وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) وفي لفظ قال: في القرآن: ((هو حبل الله من تسمك به كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلال)). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي إجماع أهل العلم والإيمان من الصحابة ومن بعدهم على وجوب التمسك بكتاب الله والحكم به والتحاكم إليه، مع سنة رسول الله ◌َ له ما يكفي ويشفي عن الإطالة في ذكر الأدلة الواردة في هذا الشأن. أما الأصل الثاني من الأصول الثلاثة المجمع عليها: فهو ما صح عن رسول الله مَّله وأصحاب النبي وَّله ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان، يؤمنون بهذا الأصل الأصيل، ويحتجون به ويعلمونه الأمة، وقد ألفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة، وأوضحوا ذلك في كتب أصول الفقه والمصطلح، والأدلة على
ذلك لا تحصى كثرة، فمن ذلك ما جاء في كتاب الله العزيز من لها، أو لا يعتمد عليها، وقال -عز وجل -: ﴿فَلْيَحْذَرِ
الأمر باتباعه وطاعته، وذلك موجه إلى أهل عصره ومن بعدهم؛ لانه رسول الله إلى الجميع، ولانهم مأمورون باتباعه وطاعته حتى تقوم الساعة، ولأنه عليه الصلاة والسلام هو المفسر لكتاب الله، والمبين لما أجمل فيه بأقواله وأفعاله وتقريره، ولولا السنة لم يعرف المسلمون عدد ركعات الصلوات وصفاتها وما يجب فيها، ولم يعرفوا تفصيل أحكام الصيام، والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمحرمات، وما أوجب الله بها من حدود وعقوبات. ومما ورد في ذلك من الآيات قوله -تعالى -: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(آل عمران: ١٣٢)، وقوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأولي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩)، وقال -تعالى -: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء: ٨٠)، وكيف تمکن طاعته ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله،
هذا القول يكون الله قد أحال عباده إلى شيء لا وجود له، وهذا من أبطل الباطل، ومن أعظم الكفر بالله وسوء الظن به، وقال-عز وجل -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَ كُرُونَ﴾ (النحل: ٤٤)، وقال: ﴿وَمَا أُنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لُِبَيِّنَ لهم الذي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدَّى وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ﴾(النحل: (٦٤)، فكيف يكل الله -سبحانه- إلى رسوله وَظله تبيين المنزل إليهم، وسنته لا وجود لها أو لا حجة فيها، ومثل ذلك قوله -تعالى -: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلَاغُ المُبِينُ﴾ (النور: ٥٤)، وقال - تعالى -: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور: ٥٦). وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولُ اللَّهِإِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاٍ هُوَ يُحْبِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأَمّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) وفي هذه الآيات الدلالة الواضحة على أن الهداية والرحمة في اتباعه -عليه الصلاة والسلام-، وكيف يمكن ذلك مع عدم العمل بسنته، أو القول بأنه لا صحة
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمِ﴾ (النور: ٦٣)، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلّها تدل على وجوب طاعته -عليه الصلاة والسلام-، واتباع ما جاء به، كما سبقت الأدلة على وجوب اتباع كتاب الله، والتمسك به وطاعة أوامره ونواهيه، وهما أصلان متلازمان، من جحد واحدًا منهما؛ فقد جحد الآخر و كذب به، وذلك كفر وضلال، وخروج عن دائرة الإسلام بإجماع أهل العلم والإيمان، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ێ في وجوب طاعته، واتباع ما جاء به، وتحريم معصيته، وذلك في حق من كان في عصره، وفي حق من يأتي بعده إلى يوم القيامة، ومن ذلك ما ثبت عنه في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رَضَِّهُ أن النبيِ وَلَّه قال: ((من أطاعني؛ فقد أطاع الله، ومن عصاني؛ فقد عصى الله))، وفي ((صحيح البخاري)) عنه رَضُّهُ أن النبيِ وَّه قال: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)) قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال ((من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني؛ فقد أبى))، وخرج أحمد وأبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي کرب عن رسول الله چل انه قال: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه؛ ألا يوشك رجل شبعان على اریکته يقول: علیکم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال؛ فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام؛ فحرموه)). وخرج أبو داود وابن ماجه بسند صحيح: عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي وَ لَّه قال: ((لا ألفين أحدكم متكنًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)). وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله وحّ له بأنه كان يوصي أصحابه في خطبته: أن يبلغ شاهدهم غائبهم، ويقول لهم: ((رب مبلغ أوعى من سامع))، ومن ذلك ما في ((الصحيحين)) أن النبي وَ الّ لما خطب الناس في حجة الوداع في يوم عرفة وفي يوم النحر قال لهم: ((فليبلغ الشاهد الغائب، فرب من يبلغه أوعى له ممن سمعه)) فلولا أن سنته حجة على من سمعها وعلى من بلغته، ولولا أنها باقية إلى يوم القيامة، لم يأمرهم بتبليغها، فعلم بذلك أن الحجة
وجاءت الجدة إلى الصديق رَضِلُنَّهُ تسأله عن ميراثها، فقال لها:
بالسنة قائمة على من سمعها من فيه -عليه الصلاة والسلام- ليس لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم أن رسول الله وقَ الَّه قضى
وعلى من نقلت إليه بالأسانيد الصحيحة. وقد حفظ أصحاب رسول الله وعَظِلّه سنته عليه الصلاة والسلام القولية والفعلية، وبلغوها من بعدهم من التابعين، ثم
بلغها التابعون من بعدهم، وهكذا نقلها العلماء الثقات جيلا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، وجمعوها في كتبهم، وأوضحوا صحيحها من سقيمها، ووضعوا لمعرفة ذلك قوانين وضوابط معلومة بينهم، يعلم بها صحيح السنة من ضعيفها، وقد تداول أهل العلم كتب السنة من الصحيحين وغيرهما، وحفظوها حفظًا تامًا، كما حفظ الله كتابه العزيز من عبث العابثين، وإلحاد الملحدين، وتحريف المبطلين، تحقيقًا لما دل عليه قوله -سبحانه -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)، ولا شك أن سنة رسول اللّه ◌َلَّه وحي منزل، فقد حفظها الله كما حفظ كتابه، وقيض الله لها علماء نقادًا، ينفون عنها تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويذبون عنها كل ما ألصقه بها الجاهلون والكذابون والملحدون؛ لأن الله - سبحانه- جعلها تفسيرًا لكتابه الكريم، وبيانًا لما أجمل فيه من الأحكام، وضمنها أحكامًا أخرى، لم ينص عليها الكتاب العزيز، كتفصيل أحكام الرضاع، وبعض أحكام المواريث، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، إلى غير ذلك من الأحكام التي جاءت بها السنة الصحيحة ولم تذكر في كتاب الله العزيز. في «الصحيحين)) عن أبي هريرة رَضِ لَّهُ قال: لما توفي رسول اللّه ◌َلّه وارتد من ارتد من العرب، قال أبو بكر الصديق رَضِالْنَهُ: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فقال له عمر رَضِاللَّهُ: كيف تقاتلهم وقد قال النبي وَله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟)) فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها؟ والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله وَلَّه لقاتلتهم على منعها. فقال عمر رَضِالْنَةُ: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وقد تابعه الصحابة -رضي الله عنهم- على ذلك، فقاتلوا أهل الردة حتى ردوهم إلى الإسلام، وقتلوا من أصر على ردته، وفي هذه القصة أوضح دليل على تعظيم السنة، ووجوب العمل بها.
لك بشيء، وسأسأل الناس. ثم سأل رَضِاللَّهُ الصحابة: فشهد عنده بعضهم بأن النبي ◌َظله أعطى الجدة السدس، فقضى لها بذلك. وكان عمر رَضِلُّلَهُ يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب [email protected]
الله وسنة رسول الله وح ظله، ولما أشكل عليه حكم إملاص المرأة، وهو: إسقاطها جنينًا ميتًا؛ بسبب تعدي أحد عليها، سأل الصحابة -رضي الله عنهم- عن ذلك، فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة - رضي الله عنهما -: بأن النبي وَ لَه قضى في ذلك بغرة عبد أو أمة؛ فقضى بذلك رَضِ لَّهُ. ولما أشكل على عثمان رَضِ لَُّهُ حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها، وأخبرته فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد -رضي الله عنهما -: أن النبي وَ له أمرها بعد وفاة زوجها: أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله؛ قضى بذلك رَضِلُّنَةُ. وهكذا قضى بالسنة في إقامة حدِّ الشرب على الوليد بن عقبة. ولما بلغ عليًا رَضِلُُّ - أن عثمان رَضِلُّهُ ينهى عن متعة الحج أهلٌ علي رَضِلَُّهُ بالحج والعمرة جميعًا، وقال: لا أدع سنة رسول الله وَ ظله لقول أحد من الناس. ولما احتج بعض الناس على ابن عباس -رضي الله عنهما- في متعة الحج، بقول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما- في تحبيذ إفراد الحج، قال ابن عباس : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء !! أقول: قال رسول الله وَّجله وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟. فإذا كان من خالف السنة لقول أبي بكر وعمر تخشى عليه
العقوبة فكيف بحال من خالفهما لقول من دونهما، أو لمجرد وصحته عن رسول الله وَ له، يذهبون إلى رأي سفيان، والله
رأيه واجتهاده؟! ولما نازع بعض الناس عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في بعض السنة، قال له عبد الله: هل نحن مأمورون باتباع عمر أو باتباع السنة؟ ولما قال رجل لعمران بن حصين - رضي الله عنهما -: حدثنا عن كتاب الله. وهو يحدثهم عن السنة، غضب رَضِلُنَّهُ وقال: إن السنة هي تفسير كتاب الله. ولولا السنة لم نعرف أن الظهر أربع، والمغرب ثلاث، والفجر ركعتان، ولم نعرف تفصيل أحكام الزكاة إلى غير ذلك، مما جاءت به السنة من تفصيل الأحكام، والآثار عن الصحابة -رضي الله عنهم- في تعظيم السنة ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًا.
وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني التابعي الجليل، أنه قال: وقول رسول الله وَّله حجة، لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن؛ الله بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره)).
فاعلم أنه ضال. وأخرج البيهقي عن عامر الشعبي - رحمه الله - أنه قال لبعض الناس: إنما هلكتم في حين تركتم الآثار. يعني بذلك الأحاديث الصحيحة. وأخرج البيهقي - أيضًا- عن الأوزاعي - رحمه الله - أنه قال لبعض أصحابه: إذا بلغك عن رسول الله حديث؛ فإياك أن تقول بغيره، فإن رسول الله ◌َّ اله كان مبلغًا عن الله -تعالى -. وأخرج البيهقي عن الإمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري -رحمه الله - أنه قال: إنما العلم كله، العلم بالآثار. وقال مالك -رحمه الله -: ما منا إلا رادّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر. وأشار إلى قبر رسول الله وَ ظله. وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا جاء الحديث عن رسول الله وَّ اله، فعلى الرأس والعين. وقال الشافعي -رحمه الله -: متى رويت عن رسول الله وحد اله حديثًا صحيحًا فلم آخذ به، فأشهد كم أن عقلي قد ذهب. وقال أيضا - رحمه الله -: إذا قلت قولًا وجاء الحديث عن رسول الله وَّله بخلافه، فاضربوا بقولي الحائط. وقال الإمام أحمد - رحمه الله -: عجبت لقوم عرفوا الإسناد -سبحانه - يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) ثم قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله {عّ له، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل -رحمه الله - أنه قال في قوله -سبحانه -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: ٥٩) قال: الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى السنة. وأخرج البيهقي عن الزهري -رحمه الله- أنه قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة. وقال موفق الدين ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه ((روضة الناظر)) ما نصه: ((والأصل الثاني من الأدلة: سنة رسول الله وَّله
وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣)؛ أي: عن أمر رسول الله وَ لَّه وهو سبيله ومنهاجه وطريقته، وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه؛ فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، كما ثبت في ((الصحيحين)) وغيرهما عن رسول الله وَلَه أنه قال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا؟ فهو رد))؛ أي: فليخش وليحذر من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيِمْ﴾؛ أي: في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك. كما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ◌َله: ((مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها؛ جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها». وقال السيوطي - رحمه الله - في رسالته المسماة: ((مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة)) ما نصه: ((اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر أن كون حديث النبي ◌ّله قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة؛ كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة)). والآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة، ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًا، وأرجو أن يكون في ما ذكرنا من الآيات والأحاديث والآثار كفاية ومقنع لطالب الحق، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه، والسلامة من أسباب غضبه، وأن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.