قسم البحوث والدراسات
من محاسن دين الإسلام، ومقاصد الشريعة العظام: تقديم المصالح، ودرء المفاسد والقبائح. ومن ذلك: ما استفاض في السنة الصحيحة الغراء من الصبر على جور الأئمة وظلم ولاة الأمر، وعدم منازعتهم سلطانهم ودنياهم.
أولاً: الأحاديث الصحيحة الواردة في كيفية التعامل مع أئمة الجور.
رسول اللّه ◌َّ اله:
رأي من أميره شيئاً يكرهه فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً، فمات؛ فميتة جاهلية))(١).
كلمة مضيئة
قال: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها)). قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟
وبين يديك أخي القارئ جملة طيبة من أحاديث قال: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي ١- عن عبد الله بن عباس ويّّ أن النبي_مَ لّه قال: «من ٣- وعن أسيد بن حضير رَضِاللَّهُ أن رجلاً من الأنصار خلا
لكم))٢.
برسول الله ◌َله فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ فقال: ((إنكم ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ((وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم - يعني: أئمة الجور - بتأويل سائغ أو غير سائغ؛ فلا يجوز أن يُزال لما فيه من ظلم وجور؛ كما هو عادة أكثر النفوس، تزيل الشربما هو شر منه، وتزيل العدوان بما هو أعدى منه؛ فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم؛ فيُصبر عليه، كما يُصبر عند الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي - في مواضع كثيرة- كقوله تعالى: ﴿وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك﴾ [لقمان: ١٧]، وقوله: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم وهذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية، إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؛ فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى؛ وذلك لأن مصلحة الأمر والنهى لا تتم إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب، ويندرج في ذلك ولاة الأمور، فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك؛ فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها إذا لم تتم المصلحة إلا بذلك، إذ كان تركه يفضي إلى فساد أكثر منه: فكذلك يجب على الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم إذا لم يكن في ترك الصبر مفسدة راجحة)).
من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ [الطور: ٤٨]. به في ذات الله، كما يصبر المجاهدون على ما يصاب من أنفسهم وأموالهم.
وفي رواية لمسلم: ((من كره من أميره شيئاً، فليصبر عليه؛ فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً، فمات عليه؛ إلا مات ميتة جاهلية)).
٢- وعن عبد الله بن مسعود رَضِلُلَّهُ أن رسول الله ◌َله (١) أخرجه البخاري ومسلم في ((صحيحيهما).
[((مجموع الفتاوى)) (١٧٩/٢٨)]
تلقوني على الحوض))٣.
٤- وعن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت رَضِلُّهُ وهو مريض؛ قلنا: أصلحك الله،
حَدِّث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي ◌َِّ. قال: دعانا النبي ◌َّ؛ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله؛ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ٤.
٥- وعن عمر بن الخطاب رَضِلَّّةُ مرفوعاً، قال: «أتاني جبريل، فقال: إن أمتك مفتتة من بعدك، فقلت: من أين؟ فقال: من قبل أمرائهم، وقرائهم، يمنع الأمراء الناس الحقوق، فيطلبون حقوقهم، فيفتنون، ويتبع القراء هؤلاء الأمراء فيفتنون.
قلت: فكيف يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، على تحريم الخروج على ولاة الأمر وإن جاروا، وهذا
إن أعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوه تركوه))٥.
ثانياً: الآثار سلفنا الصالح الواردة في كيفية التعامل مع أئمة الجور: وقد استقر هذا الأصل في منهج الصحابة الكرام ◌ٌ فكانت كلماتهم تطبيقاً رصيناً وحياتهم توثيقاً أميناً لهذه الأحاديث الشريفة، ودونك نبذة عطرة من أقوالهم ونصائحهم:
١- عن سويد بن غفلة قال: قال لي عمر بن الخطاب رَضِلَّةُ: ((يا أبا أمية! إني لا أدري لعلي لا ألقاك بعد عامي هذا، فإن أُمّرَ عليك عبد حبشي مجدع؛ فاسمع له وأطع، وإن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن أراد أمراً ينقض دينك؛ فقل: سمعٌ وطاعة؛ دمي دون ديني، ولا تفارق الجماعة)٦.
٢- وعن محمد بن المنكدر، قال: لما بويع يزيد بن معاوية، [email protected]
٣- وعن كعب الأحبار، أنه قال: ((السلطان ظل الله في الأرض، فإذا عمل بطاعة الله، كان له الأجر وعليكم الشكر، وإذا عمل بمعصية الله، كان عليه الوزر وعليكم الصبر، ولا يحملنك حبه على أن تدخل في معصية الله، ولا بغضه على أن تخرج من طاعته))٨.
ثالثاً: تقريرات علماء السلف الصالح في التحذير من الخروج على أئمة الجور. لقد دلّت هذه الأحاديث النبوية وتلك الآثار السلفية
ما قرره علماء الأمة، وقرره فقهاء الملة، ونطق به أعيان السلف الصالح على مدار العصور، حتى يومنا هذا.
١- قال الإمام الآجري: ((قد ذكرت من التحذير من مذهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله -تعالى- عن مذاهب الخوارج، ولم ير رأيهم؛ فصبر على جور الأئمة، وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسأل الله - تعالى - كشف الظلم عنه وعن المسلمين، ودعا للولاة بالصلاح وحج معهم، وجاهد معهم كلّ عدو للمسلمين، وصلى خلفهم الجمعة والعیدین، وإن أمروه بطاعة فأمكنه أطاعهم، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم، وإن أمروه بمعصية لم يُطعهم، وإذا دارت الفتن بينهم لزم بيته، و کفّ لسانه ويده، و لم يَهْوَ ما هم فيه، ولم يُعِنْ على فتنة، فمن كان هذا وصفه كان على الصراط المستقيم - إن شاء الله-))(٩).
٢- قال ابن القاسم - رحمه الله-؛ سمعت مالكاً يقول: (٩) («الشريعة)) (٣٧١/١-٣٧٢).
(إن أقواماً ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم، فخرجوا على أمة محمد قليلة بأسيافهم، ولو اتبعوا العلم لحجزهم عن ذلك)) ١٠.
٣- قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: ((ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين- وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه كان؛ بالرضا أو بالغلبة - فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ◌َّةٍ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة الجاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك؛ فهو مبتدع على غير السنة والطريق)١١.
٤- قيل لسهل بن عبد الله التستري: متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ فقال - رحمه الله -: إذا علم من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة، ولا يسب أصحاب النبي وَلّ، ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف، ولا يكذّب بالقدر، ولا يشكّ في الإيمان، ولا يماري في الدين، ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب، ولا يترك المسح على الخفين، ولا يترك الجماعة خلف كلّ والٍ جَارَ أو عَدَلَ))١٢.
٥- وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : ((أن الأمر قد استقر على المنع من الخروج))١٣.
رابعاً: نقل الإجماع على عدم الخروج على أئمة الجور. ولذلك نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على عدم الخروج على أئمة الجور، منهم:
١- البخاري -رحمه الله-؛ فقد ذكر هذه العقيدة (أي: ترك الخروج على الولاة)؛ وقال: ((لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كرات، قرناً بعد قرن، ثم قرناً بعد قرن، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي أهل [email protected]
خراسان منهم ... واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصراً، وأن لا يطول ذلك، فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء))١٤. ٢و٣ - وكذلك الإمامان الجليلان وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان- رحمهما الله-، فقد قررا هذه العقيدة؛ وقالا: (أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً ... )) ١٥.
٤- ابن بطة العكبري - رحمه الله -: ((ثم من بعد ذلك الكف والقعود في الفتنة، ولا تخرج بالسيف على الأئمة وإن ظلموا))(١٦). (١٦) «الشرح والإبانة)» (ص٢٧٦ -٢٧٧). [email protected]
قاله بعد قوله: ((ونحن الآن ذاكرون شرح السنة ووضعها وما هي في نفسها، وما الذي إذا تمسك به العبد ودان الله به سمي بها؛ واستحق الدخول في جملة أهلها، وما إن خالفه أو شيئاً منه دخل فى جملة ما عبناه وذكرناه، وحذر من أهل البدع والزيغ، مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة، مذ بعث الله نبيه ◌َّ إلى وقتنا هذا))١٧.
٥- المزني صاحب الشافعي -رحمهما الله: ((ترك الخروج عند تعدّبهم وجورهم، والتوبة إلى الله -عز وجل-؛ كيما يعطف بهم على رعيتهم))١٨. ثم ذكر إجماع الأئمة على هذا، فقال: ((هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضى، وجانبوا التكلف فيما كفوا، فَسُدِّدوا بعون الله وَؤُفّقوا، ولم يرغبوا عن الاتباع فيقصروا، ولم يتجاوزوه تزَّيداً فيعتدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوكلون، وإليه في اتباع آثارهم راغبون))١٩.
٦- ذكر النووي -رحمه الله -: ((وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين؛ وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق)٢٠.
٧- الطيبي: ((وأما الخروج عليهم ومنازعهم فمحرم بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وأجمع أهل السنة على أن السلطان لا ينعزل بالفسق؛ لتهيج الفتن في عزله، وإراقة الدماء، وتفرق ذات البين؛
فتكون المفسدة في عزلة أكثر منها في بقائه))(٢١).
٨- ابن المنذر - رحمه الله: ((كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه))٢٢. هكذا نقل العلماء الإجماع القطعي على عدم الخروج على ولاة الأمر وأئمة الجور، مما يدل أن الأمة المحمدية المرحومة لا تجتمع على ضلالة، كما صح عن الصادق والمصدوق ◌َِّه.
خامساً: من آثار الحروج على أئمة الجور. وذلك أن الخروج على الأئمة يفضي إلى إراقة دماء المسلمين، ومن ثم ضعفهم، وشماتة أعدائهم فيهم. قال هشام بن حسان: ((أخْصَوْا ما قتل الحجاج صبراً؛ فبلغ مائة وعشرين ألف قتيل))٢٣.
سادساً: مما يجب من حقوق الراعي على الرعية ما يلي.
١- السمع والطاعة لهم في غير معصية؛ فإن أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لهم، ولكن لا ننزع يداً من طاعتهم. وقد نقل الإجماع على وجوب السمع والطاعة الإمام حرب الكرماني -صاحب الإمام أحمد - حيث قال في (العقيدة)) التي نقلها عن جميع السلف -رحمهم الله -: ((والانقياد لمن ولاه الله -عز وجل - أمركم، لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه، حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطیع، ولا تنکث بیعته، فمن فعل ذلك؛ فهو مبتدع مخالف للجماعة))(٢٤). (٢١) ((الكاشف عن حقائق السنن)» (١٨١/٧-١٨٢). (٢٤) نقلها الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله - في كتابه المستطاب (حادي الأرواح)) (ص ٣٩٩ - ٤٠٦). (٢٦) أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن لغيره.
ولذلك قال الحسن البصري - رحمه الله -: ((وهؤلاء - يعني: الأمراء والحكام- وإن رقصت بهم المهاليج، ووطئ الناس أعقابهم، فإن ذل المعصية في قلوبهم، إلا أن الحق ألزمنا طاعتهم، ومنعنا من الخروج عليهم، وأمرنا أن نستدفع بالتوبة والدعاء مضرتهم، فمن أراد به خيراً لزم ذلك، وعمل به، ولم يخالفه))(٢٥).
٢- عدم الإنكار على ولاة الأمور جهراً، وإنما تكون النصيحة فیما بینك وبینه، إن استطعت ذلك، وإلا بالكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء المخلصین الذین یجتمعون به. عن شريح بن عبيد الحضرمي -وغيره-، قال: جلد عياض بن غنم صاحب (دارا) حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حکیم القول حتی غضب عیاض، ثم مکث لیالي، فأتاه هشام بن حکیم، فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي وَ له يقول: ((إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس)». فقال عیاض بن غنم: یا هشام بن حکیم! قد سمعنا ما سمعت، ورأينا ما رأيت أو لم تسمع رسول الله ◌َله يقول: ((من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدي الذي علیه له)) وإنك يا هشام لأنت الجريء، إذ تجترئ على سلطان الله فهلا خشيت أن يقتلك السلطان، فتكون قتيل سلطان الله - تبارك وتعالى-)) (٢٦). وهذا الحديث أصل في إخفاء نصيحة السلطان، وأن الناصح إذا قام بالنصح على هذا الوجه، فقد برئ وخلت ذمته من التبعة. قال ابن النحاس: ((فليس لأحد منعه بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً؛ لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشير، وإذهاباً لهيبة (٢٥) انظر ((آداب الحسن البصري)» لابن الجوزي (ص ١٢١).
السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم السلف أنه دعا لسلطان ظالم، فقيل له: أتدعو له وهو
على الخروج عليه وتخريب البلاد، وغير ذلك مما لا ظالم؟ يخفى))(٢٧). ولذلك قال الإمام أحمد - رحمه الله -: ((لا يتعرض مما يدفع بزواله (٣١). للسلطان، فإن سيفه مسلول)) ٢٨. قال الإمام ابن مفلح: ((ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره. والمراد: وإن يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط و کان حكم ذلك كغيره. والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين: التخويف والوعظ فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء. قال: والذي أراه المنع من ذلك))(٢٩).
٣- عدم سبهم وغشهم.
فقال: إي - والله - أدعو له، إن ما يدفع الله ببقائه أعظم
عن أبي عثمان سعيد بن إسماعيل الواعظ الزاهد أنه قال : - بعد روايته لحديث تميم الداري -مرفوعاً -: ((الدين النصيحة))، قال: ((فانصح للسلطان، وأكثر له من الدعاء بالصلاح والرشاد، بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم. وإياك أن تدعو عليهم باللعنة، فيزدادوا شراً، ويزداد البلاء على المسلمين، ولكن أدعو لهم بالتوبة، فيتركوا الشر، فیرتفع البلاء عن المؤمنين)) (٣٢).
سابعاً: نماذج من معاملة علماء السلف لأئمة الجور. وقد مارس علماء السلف الصالح هذه العقيدة المستقيمة عملياً، وطبقوا هذا السلوك القويم واقعياً، فنالوا ثمرته في الدنيا والآخرة، وأصبحوا على مر التاريخ أئمة يدعون إلى الخير، وهداة يستضاء بنورهم حتى قيام الساعة. عن سليمان بن علي الربعي، قال: ((لما كانت الفتنة فتنة ابن الأشعث، إذ قاتل الحجاج بن يوسف، انطلق عقبة بن عبد الغافر وأبو الجوزاء وعبد الله بن غالب في نفر من
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: نهانا كبراؤنا نظرائهم، فدخلوا على الحسن فقالوا: يا أبا سعيد ما تقول عن أصحاب رسول الله ◌َّيهِ، قال: ((لا تسبوا أمراءكم، في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال
ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا؛ فإن الأمر قريب))٣٠.
٤- الدعاء لهم بالصلاح. ذكر ابن المنير المالكي - رحمه الله - : أنه نقل عن بعض (٢٧) (تنبيه الغافلين)) (ص ٤٦).
الحرام، وترك الصلاة، وفعل، وفعل .. ؟ قال: وذكروا من فعل الحجاج ... قال: فقال الحسن: أرى أن لا تقاتلوه؛ فإنها إن تكن عقوبة (٣٣) من الله فما أنتم برادي عقوبة الله (٣١) ((الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال)) (١٠٦/٤). (٣٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٩/١٣). (٣٣) لقد كان الحسن- رحمه الله- يرى أن الله ما سلط الحجاج إلا عقوبة، ففي رواية: (يا أيها الناس - إنه والله - ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا الله بالسيف، ولكن عليكم بالسكينة والتضرع». أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (١٦٤/٧)، وابن أبي الدنيا في ((العقوبات)) (٥٢) وسنده صحيح.
بأسيافكم، وإن يكن بلاء؛ فاصبروا حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين. قال: فخرجوا من عنده، وهم يقولون: نطيع هذا العِلْجَ؟! قال: وهم قوم عرب! قال: خرجوا مع ابن الأشعث، قال: فقتلوا جميعاً))٣٤. ولقد سأل أبو الحارث الصائغ٣٥ الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله- عن أمر حدث في بغداد، وهمّ قوم بالخروج ! فقال له: ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟! فأنكر ذلك عليهم، وجعل يقول: ((سبحان الله! الدماء .. الدماء .. لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة؛ يسفك فيها الدماء، ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان للناس فيه- يعني: أيام الفتنة-؟! قلت: والناس اليوم .. أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟! قال: وإن كان؛ فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل. الصبر على هذا، ويسلم لك دينك: خير لك)).
ثامناً: الخاتمة. وبهذا يظهر لذي عينين، ويتضح لمن ألقى السمع وهو شهيد: أن النجاة من ظلم ولاة الأمر، والسلامة من جور الأئمة، واستئثارهم بالدنيا؛ هو: الصبر، والنصيحة، والتواصل معهم؛ لدعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وجمع قلوب الرعية على طاعتهم في طاعة الله، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إن أمروا بمعصية الله، والدعاء
قال بعض السلف الصالح: ((إمام عادل خير من مطر وابل، وإمام ظلوم خير من فتنة تدوم)).
لهم بالهداية والصلاح، والحرص على اتخاذ بطانة صالحة من أهل العلم المخلصين، والدعاة الصادقين، والارتباط الوثيق بشعوبهم، وعونهم على أن يكونوا رعية صالحة: تحبهم ويحبونهم، ويدعون لهم، وعدم اتخاذ بطانة من المنافقين والمحرضين الذين لم يعرفوا بعلم، أو دعوة على منهج أهل السنة والجماعة، وعدم موالاة الكافرين، ولا يكون ذلك على وجهة الأكمل مقامه الأمثل، إلا بنصر الشريعة، ونشر القرآن والسنة، وتحكيمهما؛ فإنهما العدل ولا عدل في غيرها. والعدل أساس الملك، وسر دوامه، ومصدر الأمان والأمن؛ ولذلك صدق شيخ الإسلام عندما قرر هذه السنة الإلهية، وهذا القانون الاجتماعي: أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ويخذل الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة !!. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون [email protected]
القرآنيون وموقفهم من السنة النبوية سماحة الإمام عبد الله بن عبد العزيز بن باز -رحمه الله- السعودية