لا شك أن السنة هي الحياة والنور اللذان بهما سعادة العبد وهداه، ولكن ما هي هذه السنة التي يجب اتباعها ويحمد أهلها، ويذمّ من خالفها؟ هي سنة المصطفى - عليه الصلاة والسلام- الهدي الذي كان عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه: علمًا، واعتقادًا، وقولًا، وعملًا، وأخلاقًا، وسلوكًا ... إلخ.

ما قام الدليل الشرعي عليه؛ بأنه طاعة لله ورسوله سواء فعله الله اتبعناه)(٥). رسول اللّه ◌َ له أو فُعِل في زمانه، أو لم يفعله ولم يفعل على زمانه، لعدم المقتضى حينئذٍ لفعله، أو وجود المانع منه»(١). قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: ((والسنة هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه صلّى الله عليه وسلّم هو وخلفاؤه الراشدون: من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة))(٢). وبهذا المعنى تكون السنة: ((اتباع آثار رسول اللّه ◌َد له، باطنًا وظاهرًا، وإتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار))(٣). ولا يشك العاقل أن القرآن والسنة هما مصدر الأول في التشريع الإسلامي إلا أن القرآن مقدم على السنة بأن لفظه من عند الله -عز وجل-، متعبد بتلاوته، معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله بخلافها فهی دونه منزلة فى هذه النواحي، ولكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من حيث الحجية : بأن تكون مرتبتها التأخر عن الكتاب فى الاعتبار والاحتجاج، فتهدر ويعمل به وحده. وعلى هذا فالسنة المطهرة مساوية للقرآن من هذه الناحية؛ فإنها وحي مثله؛ فيجب القول بعدم تأخرها عنه في الاعتبار. والدليل على ذلك قوله ◌َله: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم السنة))(٩). بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال؛ فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام؛ فحرموه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل: كما حرم الله)) (٤). وقوله ◌َُّلّ: ((لعل أحدكم يأتيه حديث من حديثي، وهو (١) ((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣١٧/٢١-٣١٨).

ومن أقوال السلف في ذلك:

١- عن الحسن البصري: أن عمران بن حصين كان جالسًا ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: ألا تحدثونا بالقرآن، قال: فقال له: أدن، فدنا، فقال: ((أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعًا، وصلاة العصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا تقرأ في اثنتين؟ أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف سبعًا، والطواف بالصفا والمروة كذلك؟ ثم قال: أي قوم خذوا عنا؛ فإنكم والله إن لا تفعلوا؛ لتضلّنّ))(٦).

٢- وعن أيوب السختياني: أن رجلًا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: ((لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: إنا والله ما نريد بالقرآن بدلًا، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا))(٧). أي: السنة ٣- وقال أيوب السختياني: ((إذا حدث الرجل بالسنة، فقال أحد: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضَالٌ مضلّ))(٨).

٤- قال الأوزاعي، ومكحول، وحيى بن أبي كثير وغيرهم: ((القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، والسنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضيًا على

وبهذه الأدلة يظهر جليًا أن كلا من القرآن والسنة معضد للآخر، ومساوله: في أنه وحي من عند الله، وفي (٥) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (ص ٤٢)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٨٩/٢) بسند صحيح من حديث جابر بن عبد الله رَضِ الْنَهُ.

قوة الاحتجاج به، وأنه لا يؤثر في ذلك نزول لفظ الكتاب الفقهاء والأصول والمحدثين ويعتمدون عليه، وهو حديث ولا إعجازه، ولا التعبد بتلاوته، ولا أنه قد ورد فيه ما يفيد ضعيف بإجماع أهل النقل))(١٢).

حجيتها.

وقال ابن حزم: ((وادَّعى بعضهم: أن هذا الحديث

ويكفى في ذلك دليلًا أنه لم تثبت سورة في القرآن إلا متواتر، وهذا كذب، بل هو ضد التواتر؛ لأنه ما رواه أحد بقوله ◌َ لّ: ((هذا كلام الله ضعوه في سورة كذا ... ))، وكتب غير أبي عون عن الحارث، فكيف يكون متواترًا، وقد قال

التفسير أعظم شاهد على ذلك. ثم أجمع فقهاء المسلمين قديمًا وحديثًا من لدن الصحابة

عبدالحق: لا يسند ولا يوجد من وجه صحيح. وقال ابن طاهر في تصنيف له مفرد في الكلام على هذا

-رضوان الله عليهم- إلى يومنا هذا إلا من شدّ من بعض الحديث: ((اعلم أني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الطوائف على الاحتجاج بها وعدّها مصدرًا مساويًا للدين الكبار والصغار وسألت عنه من لقيته من أهل العلم بالنقل،

مع القرآن الكريم، فيجب اتباعها، وتحرم مخالفتها. وقد تضافرت الأدلة القطعية على ذلك، فأوجب الله -سبحانه- على الناس طاعة رسوله وَّ له وبيَّنَ أنّه ◌َّ ◌َلَّه هو المبين لما أنزل من القرآن، وذلك بعد أن عصمه من الخطأ والهوى في كل أمر من الأمور (١٠). وأما من استدل عن تأخر السنة بعد القرآن في الاحتجاج والاعتبار، فأدلتهم أوهى من بيت العنكبوت، ومنبأ هذا الفكر ناشئة من غلاة الشيعة، والخوارج، والروافض، والمستشرقين، وبعض المتكلمين حديثًا ممن يتكلمون بلغتنا وينتسبون إلى أمتنا(١١). واستدلوا في ذلك بحديث معاذ بن جبل رَضِلُّنَةُ أن النبي وَّه قال له حين أرسله إلى اليمن: ((بم تحكم؟))، قال: بكتاب الله. قال: ((فإن لم تجد؟)). قال: بسنة رسول الله قال: ((فإن لم تجد؟)). قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله» فسند هذا الحديث ضعيف جدًا، فقد ضعفه الترمذي، وابن عدي، والدار قطني، وابن حزم، والعقيلي، وابن القطان الفاسي. قال ابن الملقن: ((هذا الحديث كثيرًا ما يتكرّر في كتب (١٠) انظر ((شبهات القرآنيين حول السنة النبوية)» للدكتور محمود محمد مزروعة (ص ٣٢). (١١) انظر ((منزلة السنة)) للدكتور محمد سعيد منصور (ص ٤٦٩-٤٧٠). ء

فلم أجد له غير طريقين، أحدهما طريق شعبة، والأخرى عن محمد بن جابر، عن أشعت بن أبي الشّعناء، عن رجل من ثقيف، عن معاذ، وكلاهما لا يصحّ))(١٣). وقد بين نكارته سندًا ومتنًا شيخنا الإمام الألباني -رحمه الله- في ((السلسلة الضعيفة)) (٢٨٥/٢-٢٨٦) ومما قاله: ((كل هؤلاء - وغيرهم ممن لا نستحضرهم - قد ضعفوا هذا الحديث، ولم يضل بإذن الله من اهتدى بهديهم، كيف وهم أولى الناس بالقول المأثور: «هم القوم لا يشقى جليسهم)». هذا ولما أنكر ابن الجوزي صحة الحديث أتبع ذلك بقوله: ((وإن كان معناه صحيحًا)). فأقول: هو صحيح المعنى فيما يتعلق بالاجتهاد عند فقدان النص، وهذا مما لا خلاف فيه، ولكنه ليس صحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن وإنزاله إياها معه منزلة الاجتهاد منهما. فكما أنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة، فكذلك لا يؤخذ بالسنة إلا إذا لم يجد في الكتاب. وهذا التفريق بينهما مما لا يقول به مسلم، بل الواجب النظر في الكتاب والسنة معًا وعدم التفريق بينهما؛ لما علم من أن السنة تبين مجمل القرآن، وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه كما هو معلوم)).

الهِجْرَة غادر الرسول صلى الله عليه وسلم غار ثور يوم الإثنين أول يوم من ربيع الأول ودخل المدينة النبوية يوم الجمعة اثنتي عشرة منه، الموافق ١٦ تموز ٦٢٢م. فكانت الهجرة: تاريخ أمة. ومبلاد حضارة. وانتصار عقيدة ومنهج. الطريق الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم طريق القوافل آنذاك

المصدر: أطلس السيرة النبوية - للدكتور: شوقي أبو خليل.

ذات الجيش ذو الحليفة (آبار على ٥ ، مثَّل الروحاء . الروينة المنصرف على الصفراء • نوسلم الجداجد مرجع محاج " مولجة حجاج و مولجة لقف ثنية المرة

العتيق المدينة المنوّرة ٥ قباء