الأستاذ عبد الملك بن ظافر الماجوني (كوسوفو) * مشروعيته: يستمد علم الجرح والتعديل مشروعيته من أدلة القرآن، والسنة، والإجماع.
أولًا: أدلة القرآن:
١-قوله -تعالى -: ﴿مَّا كَانَ الله ◌ِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب﴾ (آل عمران: ١٧٩). قال الإمام ابن قيم الجوزية في ((بدائع التفسير)) (٥٣٦/١- ٥٣٧): ((هذه الآية من كنوز القرآن، نبه فيها على حكمته -تعالى -المقتضية تمييز الخبيث من الطيب، وأن ذلك التمييز لا يقع إلا برسله،فاجتبی منهم من شاء،وأرسله إلى عباده؛فيتميز برسالتهم من الطيب، والولي من العدو، ومن يصلح لمجاورته وكرامنته ممن لا يصلح إلا للوقود، وفي هذا تنبيه على الحكمة في إرسال الرسل، وأنه لا بد منه، وأن الله -تعالى - لا يليق به الإخلال وأن من جحد رسله؛ فما قدره حق قدره، ولا عرفه حقّ معرفته، ونسبه إليه ما لا يليق به ... فتأمل هذا الموضع حقّ التأمل، وأعطه حظه من الفكر، فلو لم يكن في هذا الكتاب سواه؛ لكان من أجل ما يستفاد، والله الهادي إلى سبيل الرشاد)).
٢- قوله -تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين﴾ (الحجرات: ٦). وهذه الآية أصل في اعتبار العدالة والضبط في الرواة، كما أنها دليل في وجوب التبين والتثبت من حقيقة خبر الفاسق١. قال ابن تيمية: ((بل هذه دلالة واضحة على أن الإصابة بنبأ العدل الواحد لا يُنهى عنها مطلقًا، وذلك يدل على قبول شهادة العدل الواحد ... )) ٢. وقال أيضًا: ((هذا نص في أن الفاسق الواحد يجب التبين في خبره، وأما الفاسقان فصاعدًا؛ فالدلالة عليه تحتاج إلى مقدمة أخرى ... وإنما أمر بالتثبت عند خبر الفاسق الواحد، ولم يأمر به عند خبر الفاسقين؛ فإن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه خبر الواحد))٣.
٣-قوله -تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ نَفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾(الأنعام: ٥٥). أي: نوضحها ونبينها، ونميّز بين طريق الهدى من الضلال، والغي والرشاد؛ ليهتدي بذلك المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ الموصلة إلى سخط الله وعذابه، فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت؛ أمكن اجتنابها، والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل٤. والواجب على أهل العلم، تمييز الحق، وإظهار الحق؛ ليهتدي بذلك المهتدون، ويرجع الضالون، وتقوم الحجة على المعاندين؛ لأن الله فصل آياته وأوضح بيناته، ليميز الحق من الباطل؛ ولتستبين سبيل المهتدين من سبيل المجرمين، فمن عمل بهذا من أهل العلم، فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم، ومن لبس الحق بالباطل، فلم يميز هذا من هذا، مع علمه بذلك، وكتم الحق الذي يعلمه، وأمر بإظهاره، فهو من دعاة جهنم؛ لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم ٥.
٤ - قوله -تعالى -: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلِ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلهِ﴾ (الطلاق: ٢)، وقوله -تعالى -: ﴿یَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (المائدة: ٩٥). ففي الآية الأولى يأمر الله - تعالى - بالتثبت في الأخبار، وفي الآيات الأخرى يطلب الله -تعالى - العدل والرضى في الشهود. ومعلوم أن الأمر بالتثبت في الأخبار في الآية الأولى عام، فالأخبار التي تنقل عن الله ورسوله تدخل فيها دخولًا أوليًا. وطلب الرضى والعدل في حديث النبي ټګ الذي هو دین للأمة وتشريع لها، وهو أولى من أن يطلب في الشهادة (٦). أدلة السنة:
١- حديث عائشة -رضي الله عنها -: أنَّ رجلًا استأذن على النَّبِيِّ ◌َلَه فقال النَّبِي وَلَهُ: ((بئس أخو العشيرة)). فلمَّا دخل انبسط إليه رسول الله وحّيّ وكلَّمه فلمًا خرج، قلت: يا رسول الله! لمّا استأذن قلت: ((بئس أخو العشيرة)). فلمّا دخل انبسطت إليه، فقال: (يا عائشة متى عهدتني فحّاشًا إِنَّ شرَّ النَّاس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه النَّاس اتّقاء شرّە))٧ . - وجه الدلالة من الحديث
فيهما؛ لتحقق المصلحة وهي المشورة على المستشير بالأصلح له، ولذلك قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ((انكحي أسامة)) ١٠. - إجماع أئمة الحديث: فقد أجمع أئمة الحديث قاطبة على أن جرح الرواة، وأهل الأهواء البدع والفساق لا يعد من الغيبة المحرمة؛ بل هو واجب على الكفاية. ومن هؤلاء الأئمة الذين صرحوا بذلك، وقاموا بهذا الواجب ما يلي:
٤ - عبد الله بن المبارك (ت ١٨١ هـ) ١٤.
٥- يحيى بن سعيد القطان (ت١٩٨ هـ)١٥.
٦- عبد الرحمن بن مهدي (ت١٨٩ هـ).
٧- یحیی بن معین (ت٢٣٣ هـ).
٨- علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) ١٦.
٩- أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ)١٧.
١٠- محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ)١٨.
١١- مسلم بن الحجاج النيسابوري (٢٦١هـ)١٩.
أن النبي ◌َّ لَه تكلم في ذلك الرجل على وجه الذَّمّ لما كان ١٢ - أبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤هـ). في ذلك مصلحة شرعية، وهي التنبيه إلى سوء خلقه؛ ليحذره ١٣ - أبو داود السجستاني (ت ٢٧٥ هـ).
السامع٨.
٢- حديث فاطمة بنت قيسٍ: أنّ أبا عمرو بن حفصٍ طلّقها ١٥ - النسائي (ت٣٠٣هـ) ٢٠.
١٦- ابن أبي حاتم (ت٣٢٧ هـ)(٢١ ١٧ - ابن حبان (٣٥٤ هـ)(٢٢). (٢٢) («المجروحين» (١٥/١-١٧).
البّة ... فقال لها النّبيُّ ◌َِّلّ: ((فإذا حللت فآذنيني)). قالت: فلمّا حللت ذكرت له أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني. فقال رسول الله وَ له: ((أمّا أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمّا معاوية؛ فصعلوكٌ لا مال له، انكحي أسامة بن زيدٍ ... ))٩. - وجه الدلالة من الحديث أن النبي ◌َّ ذكر معاوية وأبا جهم- رضي الله عنهما- بما (٦) ((الخلاصة في علم الجرح والتعديل)» لعلي بن نايف الشهود (ص ١٨) بتصرف يسير.
١٤ - أبو حاتم الرازي (ت٢٧٧ هـ).
١٩- أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) ٢٤.
٢٠ - الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) (٢٥).
٢١ - النووي (ت٦٧٦هـ) ٢٦.
٢٢ - الذهبي (٧٤٨هـ) ٢٧.
٢٣ - العراقي (ت ٨٠٦هـ)٢٨.
٢٤ - ابن حجر (ت٨٥٢هـ)٢٩.
٢٥ - السخاوي (ت ٩٠١هـ)٣٠.
وغيرهم من العلماء حتى وصل إلى الإمام الألباني -رحمه ٧ - اكتساب الخبرة بالرجوع إلى أهل الرواية والدراية في
الله- ومن سار على طريقه كالشيخ مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله -.
ولا تزال بضاعته رائجة، وسوقه قائمة وأهله متوافرون ٨- أن الصحابة - رضي الله عنهم- يُرجع إليهم الفضل
بحمد الله ومنته. ولعلم الجرح والتعديل فوائد كثيرة، وثمار طيبة، منها:
١- معرفة ما وقعت من رواية الرواة ممن يجب قبول خبره، وممن يجب رده، و وممن يجب التوقف فيه.
٢- معرفة ما صحت من الوقائع التارخية، بسبب غلبة التساهل ١٠- منهج الصحابة عدم التساهل في قبول الأخبار؛ لدرجة
في نقلها.
٣- الحث على المطالبة بالشاهد والبينة والبرهان، ومن ثم استخدام منهج التحري والتثبت.
٤ - رد خبر الفاسق، والكذاب، و الكافر من باب أولى.
٥- الحث على الاهتمام بتبليغ أمور الدين بسند صحيح متصل.
٦- حرير العقل من سلطان العادة، والتقليد، والوهم، ومن ثَم دعوته إلى التفكر والتأمل والنظر والبحث.
تحرير المسائل، فكل علم يُسأل عنه أهله أينما كانوا، وحيثما وحدوا.
في بدء علم الجرح والتعديل.
٩- معرفة بعض الوقائع المتعلقة ببعض الصحابة مما ينطوي عليه الحكم بما لا يليق بهم مما وضعه أهل البدع من الرافضة والزنادقة والشعوبية.
طلب اليمين والبينة، فَسَنّوا بالتالي للناس سنة التثبت والتبين.
١١- جرح رواة الأحاديث، وتخريج أهل الأهواء والبدع والفساق ليس من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة، ولا فرق.