المستشرفين 1 3 من السنة

الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري (العراق)

أدرك المستشرقون أهمية السنة النبوية بالنسبة للإسلام بعامة والقرآن الكريم بخاصة، ولذلك عمدوا إلى الطعن في حجيتها، والتشكيك في ثبوتها. قال المستشرق الأمريكي جب: ((إن الإسلام مبني على الأحاديث أكثر مما هو مبني على القرآن الكريم، ولكننا إذا حذفنا الأحاديث الكاذبة لم يبق من الإسلام شيء، وصار شبه صبيرة طومسون)). وطومسون هذا رجل أمريكي جاء إلى لبنان، فقدمت له صبيرة، فحاول أن ينقيها من البذر، فلما نقى منها كل بذورها لم يبق في يده شيءٍ(١). (١) انظر: ((التبشير والاستعمار)» للدكتور مصطفى خالد والدكتور عمر فروخ (ص ٩٨).

ومن أفضل من بين مجمل موقف المستشرقين من السنة الدكتور أكرم ضياء العمري في ((موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية)): لم يفرد المستشرقون القدامى السنة بدراسات مستقلة؛ بل ركزوا على العقيدة، والقرآن، والسيرة، والتاريخ. في نهاية القرن السابع عشر كتب هربلو -وهو فرنسي (١٦٣٥ - ١٦٩٥ م)، صاحب المكتبة الشرقية وهي دائرة معارف عن الشرق نشرت ١٧٣٨ م - بحثًا في (حديث، قصة، خبر مسموع مقول، أحاديث الرسول، حديث عن أشياء قالها الرسول الزائف وقد نقل من فم إلى فم ومن شخص إلى آخر). وخلاصة رأيه: أن جملة الأحاديث التي في الكتب الستة، والموطأ، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي، والسيوطي، مأخوذة إلى حد کبیر من التلمود . ويلاحظ: أنه يفرق بين السنة التى التزم المسلمون بتطبيق أحكامها وبين الحديث الذي هو مجرد خبر تاريخي غير موثوق !!. كذلك يلاحظ في دراسة هربلو: التكذيب للرسول وَلِلّه واتهامه بالزيف والألقاب الأخرى الشائنة. والزعم بأن المحمدية مستقاة من التلمود، واليهود الذين دخلوا في الإسلام، مما سيتطور فيما بعد إلى الاستقاء من عدة ديانات وحضارات كانت على صلة بجزيرة العرب . وكذلك اتهام المسلمين بعدم التمييز في دراسة

أصول شريعتهم، مما تبناه ((جولد تسيهر)) و((شاخت)) وهما أبرز من تناول موضوع السنة من المستشرقين . وقد جعل الزهري أول من جمع الحديث مما يولد فجوة تاريخية بين مرحلة النطق بالأحاديث وتدوينها مما يشكك في إمكانية الثقة بها . وفي القرن الثامن عشر قسم المستشرقون حقول الدراسات الشرقية بصورة موضوعية، وفي نهاية القرن برز الأمير كايتاني (١٨٦٩ - ١٩٢٦ م) وميورت (١٩٠٥ م)، وشبر نجر Sprenger (ت ١٨٩٣ م)، وكانوا مهتمين بتاريخ السنة، واعتقدوا الشك في صحة الأحاديث، وسعوا للكشف عما أسموه: ((المادة الأصلية للحديث)). أفاد من الثلاثة أحد المتضلعين بأصول اللغات السامية والتاريخ الإسلامي هو إجناس جولد تسيهر (١٨٥٠ - ١٩٢١م) الذي درس بالأزهر، وهو مجري الجنسية يهودي الديانة، وقد اعتبره المستشرقون -ومن تأثر بهم- الرائد الأول في دراسة الحديث ونقده بالاستعانة منهج النقد التاريخي، حيث توصل إلى فكرة تطور الأسانيد والمتون في الفكر الإسلامي، ولا شك في أهمية تأثيره على سير الدراسات الاستشراقية في حقل السنة، ويرى أن وضع الحديث بدأ في جيل الصحابه المبكر، وإن كان يثبت وجود مادة أصلية، فهو يعترف بوجود أحاديث مكتوبة في الصحف في أيدي الصحابة، لكنه رغم ذلك يرى أن التدوين للسنة لم يبدأ إلا في القرن الثاني، وأن معظم الأحاديث - في رأي جولد تسيهر - وضعتها الفرق السياسية الكلامية والمذهبية في القرنين

الاستشراق لم يستنفد أغراضه فمازالت المطابع تدفع إلى الأسواق آلاف الدوريات والكتب من تأليف الباحثين الغربيين !!

الثاني والثالث، لذلك هي تعكس تطور المسلمين السياسي والفكري خلال القرنين، ولا تمت غالبًا إلى القرن الأول بصلة، ويركز على الصراع بين الأمويين الذين يصورهم بصورة الطغاة الجهلة وبين العلماء الأتقياء وأنصار أهل البيت، ويتهم الزهري بوضع حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وقد عزا جولد تسیھر أصول الإسلام إلى اليهودية والنصرانية، وأكد على تأثير الهلينية في تطور الإِسلام، وتأثير القانون الروماني في نمو التشريع الإسلامي. لقد صارت دراساته دستورًا للمستشرقین من بعده، وقليل منهم انتقد بعض آرائه أو عدَّل فيها مثل فيوك Fueck (ت ١٩٣٩ م) وهو ر و فتس Horovitz (ت ١٩٣١ م)، أما الأكثرية الساحقة فاكتفوا بتعميق آرائه بإضافة براهين جديدة، أو تعميمها على حقول جديدة مثل کیوم، ونيكلسون، وهاملتون کب، وواط، وفنسنك (ت ١٩٣٩ م). وقد ركز فنسنك على أحاديث العقيدة في كتابه: ((العقيدة الإسلامية))، في حين ركز جوزيف شاخت (ولد ١٩٠٢ م) على أحاديث الأحكام في كتابه: ((أصول الشريعة المحمدية)) وكتابه الآخر: ((مقدمة في الفقه الإسلامي)»، وهو يهودي الديانة، بريطاني الجنسية، وقد أكد شاخت على اختلاق الأحاديث، وأثنى كيب وسافوري على كتابه، واعتبره كيب أساسًا لكافة الدراسات في الحضارة الإسلامية والتشريع الإسلامي في الغرب - على الأقل - في حين عده سافوري من

أكبر علماء الشريعة الإسلامية في العالم. وقد درس شاخت في مؤلفه: ((أصول الشريعة المحمدية)) كتابي (الموطأ) لمالك، و((الأم)) للشافعي، ثم عمم نتائج دراسته على كتب الحديث والفقه الأخرى، فقال بنظرية ((القذف الخلفي)) لتفسير تطور الأسانيد، وتتلخص آراؤه في زعمه: اختلاق الجزء الأكبر من الأسانيد، واعتقاده أن أقدم الأحاديث لا يرقى إلى ما قبل سنة (١٥٠ هـ)، وأن الأحاديث اختلقها الفقهاء وأصحاب الفرق، وأن الشافعي هو الذي استحدث مبدأ حجية السنة، وكان العمل قبله على السنة المذهبية، وقد كان أثره كبيرًا على جيله من المستشرقين . لقد طعن شاخت في سند مالك عن نافع عن ابن عمر: بأن نافعًا مات ومالك صغير، وهذا خطأ؛ فمالك كان صاحب حلقة في مسجد المدينة في حياة نافع. وقد رد روبسون على شاخت في هذا السند في مقاله ((الإسناد في الحديث النبوي)) وفي هذه المقالة عدل عن آرائه التي تابع فيها شاخت عندما نشر بحثه، حيث كان يشك في جملة الأحاديث، ويرى أن ما يمكن عزوه إلى الرسول وَاجِه هو القرآن وحده، والملاحظ أن كيوم وواط وروبسون كلهم من رجال الكنيسة . وقد ظهر توجه نحو دراسة موارد الحدیث ونقد بعض وثائقه عند روبسون (ولد ١٨٩٠ م) الأستاذ في مانشستر منذ سنة (١٩٤٩م)، وقد أثبت أن ثمة مادة أصلية من الأحاديث خلافًا لما ذهب إليه شاخت، ومن قبله جولد تسيهر، كما أنه لم يوافق كايتاني

قال الإمام المجاهد عبدالله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد؛ لقال من شاء ما شاء.

وشبر نجر (١٨١٣ - ١٨٩٣ م) في القول بأن أسانيد عروة بن الزبير (ت ٩٣ هـ) مختلقة ألصقها به المصنفون المتأخرون. لقد أشار شبر نجر (ت ١٨٩٣ م) إلى تعاسة نظام الإسناد وأن اعتبار الحديث شيئًا كاملًا سندًا ومتنا قد سبَّب ضررًا كثيرًا وفوضى عظيمة، وأن أسانيد عروة مختلقة ألصقها به المصنفون المتأخرون . وكذلك مقاله ((أصول تدوين الوثائق عند المسلمين)). ولكنه أثبت تدوين الحديث في عهد النبي ◌ُّ له بالاعتماد على کتاب (تقیید العلم)) للخطيب، وهذا ما خالفه فيه جولد تسيهر فيما بعد. أما ميور معاصر شبر نجر فينتقد طريقة اعتماد الأسانيد في تصحيح الحديث، لاحتمال الدس في سلسلة الرواة، ورغم أنه مثل شبرنجر أقر بأن ثمة مادة أصلية في الحديث؛ لكنه اعتبر نصف أحاديث صحيح البخاري ليست أصلية ولا يوثق بها . وأما كايتاني (ت ١٩٢٦ م) فقد ذكر في ((حولياته)) أن الأسانيد أضيفت إلى المتون فيما بعد بتأثير خارجي؛ لأن العرب لا يعرفون الإسناد، وأنها استعملت مابين عروة وابن اسحق، وأن عروة لم يستعمل الإسناد مطلقًا، وابن إسحق استعملها بصورة ليست كاملة . وقد أثبت هوروفتس (١٨٧٤ - ١٩٣١ م) معرفة عروة للإسناد، وأن الإسناد دخل في الحديث منذ الثلث الأخير من القرن الأول. وألمح إلى الإسناد الجمعي عند الزهري، حيث يفيد وقوفه على عدة أسانيد للمتن الواحد. ولكن هوروفتس يرى أن العرب أخذوا فكرة الإسناد عن المدارس التلمودية عند اليهود . ويرى - ويوافقه كيوم - تشابه المسلمين واليهود في نسبة شرائعهما إلى نبییهما. ورد فيوك Fueck (ت ١٩٣٩ م) على جولد

تسيهر؛ فبرأ المحدثين والفقهاء من تهمة وضع الأحاديث، وكشف عن منهج جولد تسيهر في التعامل مع الإسلام وأنه يستخدم المذهب المادي لنقد التاريخ، ومنهج الشك، فانتهى إلى أن كل أحاديث الأحكام تعتبر زائفة حتى يثبت العكس . أما مرجليوث المعاصر لجولد تسيهر (١٨٥٨ - ١٩٤٠ م) فقد تابع جولد تسيهر بل ذهب إلى أن الرسول وَله لم يترك أوامر ولا أحكامًا سوى القرآن !! ويرى كيوم أنه لا يمكن إثبات صحة نسبة الأحاديث في الكتب الستة إلى الصحابة ولكن لعل بعضها تسلم نسبته . ويفسر كيوم قول الزهري: ((إن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث ((تفسيرًا خاطئًا؛ ليدلل على وضعه للأحاديث وهو فهم جولد تسيهر من قبله . ويتشبث نيكلسون بقول أبي عاصم النبيل : ((ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث)). فذهب إلى أن شواهده في ((دراسات محمدية)) جولد تسيهر وأن أتقى العلماء كان يستعمل الغش في الحديث؛ لتأييد أغراض سياسية ومذهبية. وقد بين الإمام مسلم أن الكذب يجري على لسانهم ولا يتعمدونه. وقال يحيى بن سعيد القطان: ((ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد)) والكذب هنا -على لغة أهل الحجاز- وهو: مطلق الخطأ. ويرى كولسون وكيوم: أن المحدثين يبحثون في الأسانيد شكليًا بدون الاهتمام بنقد المتون . يقول كولسون : ((إذا كانت سلسلة الإسناد متصلة، وكان كل فرد من أفراده عدلًا - من وجهة نظرهم - فحينئذ قبلوا الحديث وصار شرعًا واجبًا، ولا يمكن بسبب الإِيمان السؤال عن متن الحديث؛ لأنه وحي إلهي فلا يقبل أي نقد تاريخي)).