إنها دعوة لاجتناب فتنة الفرقة الخروج عليه وإن جار، بل جاء ردًّا على | وشر التشرذم حتى في غياب الجماعة وهي فَرَضٌ مستبعد في كل الأحوال ((فلا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم -أو من خذلهم - إلى يوم القيامة))(٢)، و ((الجهاد ماض إلى يوم القيامة لا يضره عدل عادل ولا جور جائر))(٣). إن الجماعة هي الوحدة، وهي مرتكز الوجود والاستمرارية الذي يجمع الأمة ولا يفرقها، أما السنة فهي المفهوم الذي يعطي للأمة امتدادها التاريخي حين يصلها بالنبوة الخاتمة ويعطيها بعدها المنهجي للاستمرار في | زالت تطوف بقاع المسلمين في كل زمان ومكان؛ ممن نذروا أنفسهم

وجوب طاعته ما لم يأمر بمعصية وعدم

سعي الحكام لاحتكار الدين ومحاولتهم فرض تصورهم الاعتقادي على عموم الأمة كما فعل المأمون وعدد من الخلفاء العباسيين الذين تبنوا اعتقاد المعتزلة وحاولوا فرضه على الأمة، كما كان تأكيدًا -في الوقت نفسه- على انفصال العلماء عن سيطرة السلطة ومشروعها. أهل السنة والجماعة يلتزمون الطاعة للسلطة ليس انحيازًا لها أو خضوعًا، فالذين صاغوا هذا المعتقد - كما في حالة أحمد بن حنبل- كانوا أول من تصدى للسلطة وأكثر من نالهم بطشها، وإنما يلتزمون طاعتها حرصًا على الجماعة | الحاضر والمستقبل.

المشروع الغربي يستهدف إيجاد شرق أوسط جديد خال من النفوذ السني ومحكوم بنفوذ شيعي، برضا يهودي، وهو ما برزت إرهاصاته وظهرت معالمه، وما يحدث

((فلا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة))، وهي طاعة مشروطة في المعروف. والطاعة واجبة ما وجدت الإمامة؛ فإن غابت فليس البديل الخروج والتشرذم وتفتيت الأمة، بل اجتناب الفتنة ((فإن لم تكن جماعة ولا إمام؛ فاعتزل تلك الفرق ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك))(١). (١) جزء من حديث حذيفة بن اليمان رَضَّ اللَّهُ عَنْهُ في الصحيحين.

الآن في العالم الإسلامي خير دليل وأصدق برهان.

إنه الاستمرار الشرعي غير المنقطع الذي يصل الأمة كلها عبر مراحلها التاريخية المختلفة بالنبي وَّة والسلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين دونما انقطاع. لذلك لم يكن التصور الجمعي السنى طائفيًّا يومًا ما، ولم ير أهل السنة والجماعة أنفسهم طائفة بإزاء طوائف أخرى، ولا ينتابهم إحساس الأقلية (٢) حديث متواتر. (٣) أخرجه أبو داود وغيره.

ولو صادف أن كانوا أقلية عددية في مکان ما، بل دائمًا هم الأصل، بل الأمة ذاتها؛ فتراهم دائمًا ما ينتدبون أنفسهم لقضایاها الكلية، وینفرون لمعار کها دون أن يسألوا عن المذهب أو الطائفة، إذ يكفيهم أن يندبهم إليها أخ لهم في الأمة: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا

تجد ذلك لدى عامة المسلمين ممن تتعلق أعينهم بهموم الأمة في كل مكان دونما مجرد تفكير، وتجده في قوافل المجاهدين التي ظلت وما

للدفاع عن الأمة وكل منهم (ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ويطير على متنه، كلما سمع هيعة- صيحة استغاثة - طار عليه))(٤) ... فأهل السنة والجماعة دائمًا فوق المذهب وأعلى من الطائفة وأبعد من السلطة وحسابات السياسة؛ لأنهم الأمة المتراحمة المرحومة المحفوظة الناجية المنصورة. ■

(٤) أخرجه مسلم.

المَدَارَقَة IP

الشارقة ١٤

عن عبد اللّه بن عمر رَضّ اللّهُ عَنْهُمَا أن النبي ◌َّ قال: ((بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء؛ خسف

به؛ فهو يتجلجل فى الأرض إلى يوم القيامة)) متفق عليه.

وعن أبي هريرة رَّ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي ◌َّ؛ قال: ((بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل جمته؛ إذ خسف اللّه به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة)).

غريب الحديث:

الخيلاء: الكبر والتعاظم.

يتجلجل: يغوص في الأرض مع اضطراب شديد أثناء الخسف، والجلجلة؛ هو: الصوت الذي يصدر من الأرض

أثناء ذلك.

مرجل جمته: تمشيط الشعر، والجمة: هي: الشعر المتدلي من الرأس إلى المنكبين.

حلة: هما ثوبان أحدهما فوق الآخر، وقيل: إزار ورداء، وهو الأشهر.

تفاصيل القصة: الكبر مفتاح باب الشر؛ لأنه يحمل الإنسان فعل كل قبيح، ويؤدي به إلى التعالي والغرور، ويمنعه من قبول الحق واحترام أهله: ومصداق ذلك في تاريخ الأمم والدعوات؛ فالمتكبرون أول من يكذب الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، ويقفون عائقًا أمام الإصلاح والمصلحين. والمتكبر يرى نفسه بعين الكمال، وينظر إلى غيره بعين النقص والاحتقار: فربما اغتر بما حباه الله من رفعة في النسب، أو وفرة في المال، أو مكانة في المجتمع، أو كثرة الأتباع. وقد أعد الله لهذا المتعالي في نفسه، المتطاول على بني جنسه: مقتًا، وغضبًا، ونكالًا في الدنيا قبل الآخرة. وفي هذه الأحاديث يخبر الرسول ولة عن نهاية سيئة لأحد المتكبرين الذين يزخر بهم الواقع، نفث الشيطان هي منخاره الكبر والخيلاء، فإذا به يتعاظم في المجالس، ويتعالى على الخلق، ويختال في مشيته؛ كأنه ليس على الأرض غيره. فكان عقابه وهو يمشي متبخترًا

كعادته إذا بالأرض تخسف من تحت قدميه حتى تبتلعه، ثم تبدأ حياته البرزخية التي يلقى فيها ألواناً من العذاب الأليم جزاء تطاوله وغطرسته. أما الخزي الأكبر؛ ففي يوم القيامة حين يحشره الله جل جلاله مع أشباهه من المتكبرين، فيكونون صغارًا كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم؛ كما قال المصطفى وَلجيه : ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس؛ يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، فتعلوهم النار، ويسقون من طينة الخبال -عصارة أهل النار-)) رواه الترمذي وصححه الإمام الألباني. فوائد الحديث:

١- تضمن الحديث تنبيهًا وتحذيرًا من الكبر والاستعلاء؛ لأنه منبع الشرور ومجتمع الرذائل، وحسبك أنه أول معصية عصي الله بها؛ فإبليس لعنه الله استكبر عن السجود لآدم عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ كما قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلِكَةِ اسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].

٢- وفي الحديث إشارة إلى النهي عن إسبال الثياب؛ لأنها مظهرًا من مظاهر الاستكبار والغرور.

٣- بيان أن العقوبة قد تعجل للبعض في الدنيا.

٤ - ومنها إثبات عذاب القبر وحياة البرزخ.

٥- وحقيقة أن الجزاء من جنس العمل.

٦- بيان إلى فضل التواضع والانكسار بين يدي الخالق سبحانه وتعالى. ■

الشارقة 10

17