مستقبل

الاسلام

سماحة الشيخ الإمام المجدد محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله- (بلاد الشام)

لقد کان شيخنا الإمام الألباني -رحمه الله- من أشد الناس تفاؤلًا في النصر والتمكين لهذا الدين؛ لأن التفاؤل تقوية للعزم، وباعث على الجد، ومعونة على بلوغ الهدف، ومؤنة لبلوغ المنزل، رغم ما يدركه من عقبات، وعقابيل، وعراقيل توضع في طريق أمة الإسلام؛ بيّن ذلك في محاضراته ودروسه، و کتبه، وسجله في رسائله، فقد بدأ سلسلته الذهبية ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) بعنوان: ((المستقبل للإسلام)». وافتحها بتأصيل هذه المسألة؛ فقال:

((المستقبل للإسلام. قال الله-عز وجل -: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣). تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته، وظهوره، وحكمه على الأديان كلها، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده چیٍ، وعهد الخلفاء الراشدین، والملوك الصالحين، وليس كذلك، فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا الوعد الصادق؛ كما أشار إلى ذلك النبي ◌ّ ﴾ بقوله:

١- «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى))، فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْخَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تامًا. قال: ((إنّه سيكون مِن ذلك ما شاءَ الله)).

وقد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام ومدی انتشاره، بحيث لا يدع مجالاً للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله و توفيقه. وها أنا أسوق ما تيسر من هذه الأحاديث، عسى أن تكون سببًا لشحذ همم العاملين للإسلام، وحجة على اليائسين المتواكلين.

٢ - ((إنّ الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ أمّتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)». وأوضح منه و أعم الحديث:

٣- «ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ اللّيل والنّهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ، ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين؛ بعزّ عزيزٍ، أو بذل ذليلٍ، عزَّا يعزّ الله به الإِسلام، وذلاّ يذلّ به الكفر)). ومما لا شك فيه: أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم؛ حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان، و هذا ما یبشرنا به الحدیث:

٤- عن أبي قبيل؛ قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل: أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق؛ قال: فأخرج منه كتابًا؛ قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ◌َلا نکتب؛ إذ ستل رسول الله وَالمية: أي المدينتين تفتح أولًا: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله مَلة: ((مدينة هرقل تفتح أولًا))، يعني: قسطنطينية. و(رومية): هي روما، وهي: عاصمة إيطاليا اليوم. وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني؛ كما هو معروف، وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي لة بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني بإذن الله -تعالى- ولابد، ولتعلمن نبأه بعد حين. ولا شك أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة المسلمة، وهذا مما يبشرنا به وله بقوله في الحديث:

٥- «تكون النّبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرِفعها، ثمّ تكون خلافةٌ على منهاج النبوّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمّ تكون [email protected]

ملگًا عاضًا؛ فیکون ما شاء الله ان تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثمّ تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمّ تكون خلافةٌ على منها ج النّبوّة، ثمّ سكت)). ومن البعید عندي حمل الحديث على عمر بن عبد العزيز؛ لأن خلافته كانت قريبة العهد بالخلافة الراشدة، ولم تكن بعد ملکین: ملك عاض، وملك جبرية، والله أعلم. هذا، وإن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين، واستثمارهم الأرض استثمارًا يساعدهم على تحقيق الغرض، وتنبىء عن أن لهم مستقبلًا باهرًا، حتى من الناحية الاقتصادية والزراعية: قوله چل﴾:

٦- ((لا تقوم الساعة؛ حتّى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا)). هذا، ومما يجب أن يعلم بهذه المناسبة أن قوله وَيّ: ((لا يأتي عليكم زمانٌ إلاّ والذي بعده شرّ منه حتى تلقوا ربّكم)). فهذا الحديث ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث المتقدمة وغيرها؛ مثل أحاديث المهدي، ونزول عيسى -عليه السلام-؛ فإنها تدل على أن هذا الحديث ليس على عمومه؛ بل هو من العام المخصوص؛ فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه؛ فيقعوا في اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن؛ ﴿إِنَّهُ لا يَنْسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ أسأل الله أن يجعلنا مؤمنين به حقًّا. - حض الإسلام على استثمار الأرض وزرعها: فيه أحاديث كثيرة؛ اذکر ما تيسر منها:

وقد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب، بما أفاض الله عليها من خيرات وبركات وآلات ناضحات تستنبط الماء الغزير من بطن أرض الصحراء، وهناك فكرة بجر نهر الفرات إلى الجزيرة؛ كنا قرأناها في بعض الجرائد المحلية، فلعلها تخرج إلى حيز الوجود، وإن غدًا لناظره قريب.

٧- عن أنس: قال النبي ((ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طيرٌ، أو إنسانٌ، أَو بهيمة إلا كان له به صدقةٍ)).

٨- عن جابر مرفوعًا: ((ما من مسلم يغرس غرسًا؛ إلاّ كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السّبع منه، فهو له صدقة، وما أكلت الطير، فهو له صدقةٌ، ولا يرزؤه أحدٌ إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة)).

٩- عن أنس رَو ◌ْتَهُ عن النبي ◌َثِ قال: ((إن قامت السّاعة وفي يد أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع أن لا تقوم حتّى يغرسها؛ فليغرسها)). الفسيلة: هي النخلة الصغيرة. ولا أدل على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة، لاسيما الحديث الأخير منها؛ فإن فيه ترغيبًا عظيمًا على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع ما ينتفع به الناس بعد موته؛ فيجري له أجره، وتكتب له صدقته إلى يوم القيامة. وقد ترجم الإمام البخاري في ((الأدب المفرد)) لهذا الحديث بقوله: ((باب اصطناع المال)). ثم روى عن الحارث بن لقيط قال: ((كان الرجل منا تنتج فرسه؛ فینحرها، فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه؟ فجاءنا كتاب عمر: أن أصلحوا ما رزقكم الله؛ فإن في الأمر تنفسًا)). وسنده صحيح.

وروى بسند صحيح عن داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: ((إن سمعت بالدجال قد خرج، وأنت على ودية تغرسها؛ فلا تعجل أن تصلحه، فإن للناس بعد ذلك عیشًا)). وروى ابن جرير، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدًا. فقال له عمر: ((أعزم عليك لتغرسنها. فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي)). ولذلك عدّ بعض الصحابة الرجل يعمل في إصلاح أرضه عاملاً من عمَّال الله-عز وجل -. فروى البخاري في ((الأدب المفرد)) عن نافع بن عاصم أنه سمع عبد الله ابن عمرو قال لابن أخ له خرج من (الوهط): ((أيعمل عمالك؟)). قال: لا أدري. قال: ((أما لو كنت ثقفيًا لعلمت ما يعمل عمالك))، ثم التفت إلينا فقال: ((إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره (وقال الراوي مرة: في ماله)؛ كان عاملًا من عمال الله -عز وجل-)). وسنده حسن إن شاء الله - تعالى -. و(الوهط) في اللغة: هو البستان، وهي أرض عظيمة كانت لعمرو بن العاص بالطائف على ثلاثة أميال من (وج)؛ يبدو أنه خلفها لأولاده. وقد روى ابن عساكر في(تاريخه)) بسند صحيح عن عمرو بن دينار قال: ((دخل عمرو بن العاص في حائط له بالطائف يقال له: الوهط، فيه ألف ألف خشبة، اشترى كل خشبة بدرهم)). يعني: يقيم بها الأعناب. وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)) للحديثين الأولين بقوله:

هذه بعض ما أثمرته تلك الأحاديث في جملتها من السلف الصالح - رضي الله عنهم -. - ((باب فضل الزرع إذا أكل منه)). قال ابن المنير: ((أشار البخاري إلى إباحة الزرع، وأن من نهى عنه؛ كما ورد عن عمر؛ فمحله ما إذا شغل الحرث عن الحرب، ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحمل حديث أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده)). - التکالب علی الدنیا یورث الذل: ذكرت بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض، مما لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام شرع ذلك للمسلمين، ورغبهم فيه أيما ترغيب. والآن نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة، أو القلوب المريضة: أنها معارضة للأحاديث المتقدمة، وهي في الحقيقة غير منافية له، إذا ما أحسن فهمها، وخلت النفس من اتباع هواها!

١٠ - عن أبي أمامة الباهلي قال، ورأى سكة، وشيئًا من آلة الحرث؛ فقال: سمعت رسول الله ◌َ ل# يقول: ((لا يدخل هذا بيت قوم؛ إلا أدخله الله الذّلّ)). وقد وفق العلماء بين هذا الحديث، والأحاديث المتقدمة في المقال المشار إليه بوجهين اثنين:

الأول: أن المراد بالذل ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من خراج أو عشر، فمن أدخل نفسه في ذلك؛ فقد عرضها للذل. قال المناوي في ((الفيض)): ((وليس هذا ذمًا للزراعة؛ فإنها محمودة مثاب عليها؛ لكثرة أكل العوافي(١) منها، إذ لا تلازم بين ذل الدنيا، (١) جمع (عافية). قال في ((النهاية)).

وحرمان ثواب البعض)». ولهذا قال ابن التين: ((هذا من أخباره ◌َ ل بالمغيبات؛ لأن المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث)).

الثاني: أنه محمول على من شغله الحرث، والزرع عن القيام بالواجبات؛ كالحرب ونحوه، وإلى هذا ذهب البخاري حيث ترجم للحديث بقوله: - ((باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به)). فإن من المعلوم أن الغلو في السعي وراء الكسب: يلهي صاحبه عن الواجب، ويحمله على التكالب على الدنيا، والإخلاد إلى الأرض، والإعراض عن الجهاد؛ كما هو مشاهد من الكثيرين من الأغنياء. ويؤيد هذا الوجه قوله {قله:

١١ - ((إذا تبايعتم بالعينة(٢)، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بِالزّرع، وتركتم الجهاد سَلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم)). فتأمل كيف بيَّن هذا الحديث ما أجمل في حديث أبي أمامة المتقدم قبله، فذكر أن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث؛ بل لما اقترن به من الإخلاد إليه، والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله، فهذا هو المراد بالحديث، وأما الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك، فهو المراد بالأحاديث المرغبة في الحرث فلا تعارض بينها ولا إشكال. (تنبيه): من البواعث على كتابة هذا المقال: أن مستشرقًا ألمانيا زعم لَأحد الطلاب المسلمين السوريين هناك: أن الإسلام يحذّر من تعاطي أسباب استثمار الأرض! واحتج بهذا الحديث، وقال: إنه في البخاري؛ ((العافية والعافي: كل طالب رزق؛ من إنسان، او بهيمة، او طائرة)». (٢) (العينة): أن يبيع شيئًا من غيره بثمن مؤجل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن أقل من ذلك القدر يدفعه نقدًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين؛ لأنها حيلة)).

متعاميًا عن المعنى الذي ذكره البخاري نفسه في ترجمته للحديث السابق.

١٣- ((لا تتخذوا الضّيعة فترغبوا في الدّنيا)». قال القرطبي: یجمع بینه وبین حديث الباب بحمله على الاستكثار، والاشتغال به عن أمر الدين، وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل توابعها)). قلت: ومما يؤيد هذا الجمع: اللفظ الثاني من حديث ابن مسعود، فإن (التبقر) في حديث عبد الله بن مسعود: التكثر والتوسع. والله أعلم. واعلم أن هذا التكثر المفضي إلى الانصراف عن القيام بالواجبات التي منها الجهاد في سبيل الله؛ هو المراد بالتهلكة المذكورة في قوله -تعالى -: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وفي ذلك نزلت الآية خلافًا لما يظن كثير من الناس! فقد قال أسلم أبو عمران:

١٤- ((غزونا من المدينة، نريد القسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلی الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل منًّا على العدو؛ فقال الناس: مه مه! لا إله إلا الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب الأنصاري: إنما تأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة، أو يبلي من نفسه! إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا خفيًا من رسول الله ◌َ له: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهْلُكَةِ﴾؛ فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقیم في أموالنا، ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله؛ حتى دفن بالقسطنطينية)).