واحة السنة أهمية الحرص على السنة والعمل بها والدعوة إلى ذلك فضيلة الشيخ الدكتور عبدالسلام برجس - رحمه الله- (السعودية) فإن أحق ما اعتنى به المسلم: العمل على اقتفاء آثار النبي ◌َّةٍ، وتجسيدها في حياته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وذلك؛ لأن الغاية التي يسعى المسلم لاجلها؛ إنما هي: تحصيل الهداية التي توصله إلى دار السعادة. قال الله -عز وجل -: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال -تعالى -: ﴿وَاتِّعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال -تعالى -: ﴿لَقَدْ كَانَّ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةْ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَّ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمِّ الْآخِرَ﴾. وهذه الآية أصل كبير في التأسي بالرسول وَ له : بأقواله وأفعاله، وجميع أحواله وحركاته وسكناته، وهذه الأسوة إنما يسلكها ويوفق إليها من كان يرجو الله واليوم الآخر، فإن مامعه من الإيمان وخوف الله ورجاء ثوابه وخوف عقابه يحثه على التأسي برسول الله ◌َ ل. وشرف المؤمن ومنزلته إنما تقاس باتباعه؛ فكلما كان تحريه للسنة أكثر كان بالدرجات العلى أحق وأولى، ولذا كان السلف السابقون من التابعين - رحمة الله -تعالى - عليهم - يجعلون معيار الذي يؤخذ عنه العلم تمسكه بالسنة، كما قال إبراهيم النخعي: ((كانوا إذا أتو الرجل؛ ليأخذوا عنه العلم نظروا إلى اشياء، نظروا إلى صلاته، نظروا إلى سننه، وإلى هيئته، ثم يأخذون عنه)). ويقول أحد العلماء: ((إن من علامات المحب لله-عز وجل - متابعة حبيب الله ◌َطّ في أخلاقه وأفعاله، وأوامره وسننه، وهذا حق مأخوذ من كتاب الله -سبحانه وتعالى: فيقول الله -عز وجل -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَفَاتَّبِعُونِي يُحْيِّكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْلَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾)). وقال الحسن البصري أو غيره في هذه الآية: ((جعل الله علامة حبهم إياه: إتباعهم سنة رسوله ێ)). ولقد توافرت النصوص من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين علي الترغيب في العمل بالسنة والحث على التمسك بها، ومن أشهر الأحاديث حديث العرباض بن سارية الصحيح أنه قال: ((وعظنا رسول الله شهية موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب؛ فقلنا: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع؛ فأوصنا، قال:
كان السلف -رحمة الله - تعالى - عليهم - يشدّدون في ترك بعض السننِ، ويلومون تاركها مطلقا؛ لانه قد يتناوله عموم قوله وَ الّ: ((فمن رغب عن سنتي فليسٍ مني))؛ ولذلك قال الإمام احمد: ((إن من ترك الوتر رجل سوء لا ينبغي أن تقبل شهادته)).
((عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ)). وقوله ◌ِيّ: ((فعليكم بسنتي))؛ أي: طريقتي التي أنا عليها مما فصلته لكم من الأحكام سواء أكان اعتقادية أو عملية، واجبة أو مندوبة، واما تخصيص الأصوليين للسنة بأنها المطلوب طلباغير جازم؛ هذا اصطلاح طارئ، إنما قصدوا به التمييز بينها وبين الفرض أو الواجب، فالسنة بلفظ الشارع إذا أطلقت يراد بها الطريقة الشرعية التي كان عليها النبي ◌ِّلٍ في عباداته، ومعاملاته، واخلاقه، وحر كاته، وسكناته، يقول عروة بن الزبير: ((السنن السنن -أي: الزموا السنن - فإن السنن قوام الدين)). وكان ابن عمر رَضِ فَةُ يتبع أمر رسول الله الزائد وآثاره وحاله، ويهتم به حتى كان خيف على عقله من اهتمامه بذلك. ويقول الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: ((الإعتصام بالسنة نجاة)). وللاهتمام بالسنة فوائد كثيرة لا تحصى منها: تحصيل الملتزم بها درجة المحبوبية التي قال الله -عز وجل- فيها كما في الحديث القدسي: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته؛ كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله الذي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لاعيذنه)). ومنها: أنها تجبر الفرائض؛ لقول النبي ◌َّلة: ((إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم؛ الصلاة فيقول الله - تعالى - للملائكة: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم أنقصها، فإن كانت نقص منها شيء قال الله : انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه)». ومنها: أن للمتمسك بالسنة في آخر الزمان أجرًا كبيرًا؛ لحديث عتبة بن عزوان أن النبي ◌ِلٍ قال: ((إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم))، قالوا: يا نبي الله أو منهم قال: ((بل منكم)).
خطورة ترك السنة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- قال: ((لا تجد أحدًا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئاً من السنة: ((ما ابتدع قوم بدعة؛ إلا تركوا من السنة مثلها))، قال -تعالى -: ﴿فَنَسُوْا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (المائدة: ١٤)، فلما تركوا حظًا مما ذُكِّروا به اعتاضوا بغيره فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال -تعالى -: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: ٣٦)؛ أي: عن الذكر الذي أنزله الرحمن، وقال تعال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمَى﴾ (طه: ١٢٤)، وقال: ﴿اتَّبِعوا ما أَنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَبِعوا مِنْ دونِهِ أَوْلِيَاءَ قَليلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣)؛ فأمر باتباع ما أنزل، ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه، فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر، ولهذا قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلٍ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: ١١٥)، قال العلماء: من لم يكن متبعًا سبيلهم كان متبعًا غير سبيلهم؛ فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب؛ فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه. وكذلك من لم يفعل المأمور فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور لم يفعل جميع المأمور؛ فلا يمكن الإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض ما حظر، ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر، فإن ترك ما حظر من جملة ما أُمر به فهو مأمور؛ ومن المحظور ترك المأمور؛ فكل ما شغله عن الواجب فهو محرم، وكل ما لا يمكن فعل الواجب إلا به؛ فعليه فعله، ولهذا كان لفظ ((الأمر)) إذا أطلق يتناول النهي، وإذا قيد بالنهي كان النهي نظير ما تقدم))، (مجموع الفتاوى)) (١٧٣/٧-١٧٤).
هل في الدين بدعة حسنة ؟ الشيخ المجاهد عبد الحميد بن باديس - رحمه الله -
قال في ((الآثار)) (٥٧٢/٣): ((إن الذي ابتدع مثل هذه البدعة التي هي تقرب فيما لم يكن قربة كأنه يرى أن طاعة الله تنقص هذه الشريعة؛ فهو يستدركها، وأن محمد ◌َّ له خفيت عليه قربة هو اهتدى إليها، أو لم تخف عليه ولكنه كتمها، وهذه كلها مهلكات لصاحبها، فلا يكون ما أوقعه فيها من ابتداع تلك التي يحسبها قربة إلا محرمًا، وقد قال مالك - رحمه الله - فيما سمعه منه ابن الماجشون: ((من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أن محمدًا وَّلِّ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿اليَوْمَ أُكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فما لم يكن يومئذ دينًا فليس اليوم دينًا)) وهذا من جهة النظر المؤيد بكلام مالك -رحمه الله -،
وأما من جهة الأثر.
فقد جاء في ((صحيح مسلم)) عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ◌َّ له كان يقول في خطبته: ((أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد حقّ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)). وفيه عن أبي هريرة ركزوافته قال: قال رسول الله عَليهِ: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص
ذلك من آثامهم شيئًا».
ووجه الدليل من الحديثين؛ أنه سمى في الحديث الأول البدعة: شرًا وضلالًا؛ فعم ولم يخص، وأثبت الإِثم لمرتكب الضلالة والداعي إليها، والإِثم لا يكون إلا في الحرام، فيكون النظر هكذا: كلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة يؤثم صاحبها، فكل بدعة يؤثم صاحبها، وكل ما يؤثم عليه؛ فهو حرام؛ فكل بدعة حرام)). وقال - رحمه الله - في ((الآثار))(٥٦/٢): «وكثيرًا ما يرتكبون البدع؛ كدعاء المخلوقات، وكالحج إلى الأضرحة، وإيقاد الشموع عليها، والنذر لها، وضرب الدّفّ في بيوت الله، وغير هذا من أنواع البدع
والمنكرات ويتوكؤون في ذلك كله على: ((إنما الأعمال بالنيات)).
كلا !! ليس بأمانيكم، ولا أماني أهل الكتاب، فإن البدع كلها من قسم المخالفات، والمخالفات
لا تنقلب طاعات بالنيات)).