قبسات معتصرة، ولطائف مختصرة من كتاب ((جامع العلوم والحكم))، حيث لخص فيه الحافظ ابن رجب الحنبلي رَحِمَةُ اللَّهُ منهج السلف رَحِمَهُم ◌ْللَّهُ في فقه السؤال؛ فقال:

عن قتادة عن أنس رَضِاللَّهُ عَنْهُ؛ قال: سألوا رسول الله ﴾ حتى أحفوه في المسألة، فغضب، فصعد المنبر، فقال: ((لا تسألوني عن شيء إلا بيّنته))، فقام رجل كان إذا لاحى الرجال دعي إلى غير أبيه، فقال: يا رسول الله! من أبي؟ قال: ((أبوك حذافة)). ثم أنشأ عمر؛ فقال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا، نعوذ بالله من الفتن. وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ وَإِن تَسْتَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَ انُ تُدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَاُ وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ [المائدة: ١٠١] ١. ١ أخرجه: البخاري (١٧٢/١١ -١٧٣ -فتح)، ومسلم (٢٣٥٩) (١٣٧).

١٠١

نها هم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة، فأصبحوابها كافرين، فنهى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن ذلك، ولكن انظروا، فإذا نزل القرآن؛ فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه. فدلت هذه الأحاديث: على النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه ما يسوء السائل جوابه؛ مثل سؤال السائل : هل هو في النار أو في الجنة؟ وهل أبوه ما ينسب إليه أو غيره؟ وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت؛ والعبث والاستهزاء؛ كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم. وقريب من ذلك سؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت، كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب.

?

ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه الله عن عباده، ولم يطلعهم عليه؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح. وَدَلَّت - أيضًا- على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكون السؤال سببًا لنزول التشديد فيه؛ كالسؤال عن الحج؛ هل يجب كل عام أم لا؟ عن سعد بن أبي وقاص رَضِ اللَّهُ عَنْهُ عن النَّبِيِّ وَّ؛ قال: ((إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم؛ فحرم من أجل مسألته))١. ولم يكن النَّبيُّ وَلّ يرخص في المسائل إلا للأعراب ونحوهم من الوفود القادمين عليه يتألفهم بذلك، فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم؛ فنهوا عن المسألة. عن النواس بن سمعان رَضِ اللَّهُعَنْهُ؛ قال: أقمت مع رسول الله وَالخلال بالمدينة ما يمنعني

?

?

?

2 ١ أخرجه: البخاري (٨٧٢٦)، ومسلم (٢٣٥٨).

?

?

من الهجرة إلا المسألة؛ كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي وَال﴾١. عن أنس رضياللهُعنهُ؛ قال: نهینا أن نسأل رسول الله ◌َّ عن شيء، فكان يعجبنا: أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع ٢. وكان أصحاب النَّبِيِّ وَّ أحيانًا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها؛ لكن للعمل بها عند وقوعها؛ كما قالوا له: إنا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب٣؟ وسألوه عن الأمراء: الذين أخبر عنهم بعده وعن طاعتهم وقتالهم، وسأله حذيفة عن الفتن وما یصنع فیھا ٤. فالذي يُتَعَيَّنُّ على المسلم الاعتناء به والاهتمام: أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ◌َّة، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، فتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى

?

?

?

?

غيره، وهكذا كان حال أصحاب النَّبِيِّ وَّ والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة. فأما إن كانت همّة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع؛ فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجدِّ في متابعة الأمر. وقد سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر، فقال له: رأيت النبي ◌َّ يستلمه ويقبله. فقال له الرجل: أرأيت إن غُلبت عنه؟ أرأيت إن زوحمت؟ فقال له ابن عمر: اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله وَل يستلمه ويقبله١. ومراد ابن عمر: أن لا يكون لك هَمٌّ إلا في الاقتداء وَله بالنَّبيِّ، ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه؛ فإنه يفتر العزم على التصميم عن المتابعة؛ فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال. ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، ولا يجيبون عن ذلك. قال عمرو بن مرة: خرج عمر على الناس، فقال: أُحرِّج عليكم ١ أخرجه البخاري (١٦١١).

أن تسألونا عما لم يكن؛ فإن لنا فيما كان شغلًا. وعن ابن عمر رضي الله عنه؛ قال: لا تسألوا عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر العن السائل عما لم یکن. وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن شيء يقول: كان هذا؟ فإن قالوا: لا: قال: دعوه حتى يكون. وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمان: فمن اتباع أهل الحديث من سدَّ باب المسائل؛ حتى قلَّ فهمُه وعلمه لحدود ما أنزل الله على ورسوله، وصار حامل فقه غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسع من توليد المسائل قبل وقوعها: ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلُّف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه؛ حتى يتولَّدَ من ذلك افتراق القلوب، ويستقرَّ فيها بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيرًا بنيّة المغالبة، وطلب العلوِّ والمباهاة، وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمَّه العلماء الربانيون، ودلَّت السنَّة على قبحه وتحريمه.

وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به؛ فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنَّة رسول الله وَّله، ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وفهمهما، والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والدقائق وغير ذلك. وهذا هو طريق الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال، وكثرة القيل والقال. وكان الإمام أحمد كثيرًا إذا سئل عن شيء من المسائل المحدثة المتولِّدات التي لا تقع يقول: دعونا من هذه المسائل المحدثة. وما أحسن ما قاله يونس بن سليمان السقطي: نظرت في الأمر، فإذا هو الحديث والرأي: فوجدت في الحديث ذِكْرَ الرِبِّ جَلَّجَلَالُهُ، وإجلالهَ، وعظمتَه، وَذِكْرَ العرش، وصفة الجنة والنار، وذكر النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحثَّ على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي؛ فإذا فيه المكر والغدر والحيل، وقطيعة الأرحام، وجماع الشَّرِّ فيه. وقال أحمد بن شبويه: من أراد علم القبر؛

فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخبر؛ فعليه بالرأي. ومن سلك طريقة لطلب العلم على ما ذكرناه؛ تَكَّنَ من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا؛ لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها، ولا بدَّ أن يكون سلوك هذا الطريق خلاف أئمة أهل الدین المجمع على هدایتهم ودرایتهم، کالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، ومن سلك مسلكهم؛ فإن من ادعى سلوك هذا الطريق علی غیر طريقهم وقع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، وترك ما يجب العمل به. وملاك الأمر كلِّه: أن يقصد بذلك وجه الله جَلَّ جَالُهُ، والتقُّبَ إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إلیه. ومن كان كذلك؛ وفقه الله وسدده وألهمه رشده وعلمه ذما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِالْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]، ومن الراسخين في العلم. قال نافع بن زيد: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، والمتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم، ويشهد لهذا قول النبي ◌ُّ: ((أتاكم أهل اليمن؛ هم: أبر قلوبًا، وأرق أفئدة، الإيمان يَمَانٍ، والفقه يَمَانٍ، والحكمة يمانية))١. ١ أخرجه البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم (٥٢) من حديث أبي هريرة رَضِاللَّهُ عَنْهُ.

وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري رَضِ اللَّهُ عَنْهُ ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن، ثم إلى مثل أبي إدريس الخولاني، وأويس القرني، وطاووس، ووهب بن منبه، وغيرهم من علماء أهل اليمن، وكلِّ هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين من الله، فكّلهم علماء بالله: يخشونه، ويخافونه، وبعضهم أوسع علمًا بأحكام الله وشرائع دينه من بعض، ولم يكن تمييزهم عن الناس بكثرة قيل وقال، ولا بحث، ولا جدال. وكذلك معاذ بن جبل رَضٌّللَّهُ عَنْهُ أعلم الناس بالحلال والحرام، وهو الذي يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة، ولم یکن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها، وإنما كان عالمًا بالله، وعالمًا بأصول دينه. وقد قيل للإمام أحمد: من نسأل بعدك؟ قال: عبدالوهاب الوراق. قيل له: إنه ليس له اتساع في العلم. قال: إنه رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق. وسئل عن معروف الكرخي، فقال: كان معه أصل العلم: خشية الله. وهذا يرجع إلى قول بعض السلف: كفى بخشية الله علمًا، و کفی بالاغترار بالله جهلًا. وهذا باب واسع، يطول استقصاؤه. ولذلك من لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا يوجد مثلها في كتاب الله ولا سنة رسول ◌َلآ،

بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله، وقصده بذلك امتثال الأوامر، واجتناب النواهي؛ فهو من امتثل أمر الله ورسوله وَليلةٍ، ومن لم يكن اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسله، واشتغل بكثرة توليد المسائل التي قد تقع وقد لا تقع، وتكلّف أجوبتها بمجرد الرأي؛ خُشي عليه أن یکون مرتكبًا لنھیه، تاركًا لأمره. واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنما هو من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، فلو أن من أراد أن يعمل عملًا سأل عما شرعه الله في ذلك العمل؛ فامتثله، وعما نهى عنه؛ فاجتنبه؛ وقعت الحوادث مقيدة بالکتاب والسنة، وإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله، وربما عسر ردّها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها. وفي الجملة؛ فمن امتثل ما أمر الله ورسوله وَّه وانتهى عمَّا نُهِيَ عنه، وكان مشتغلا بذلك عن غيره؛ حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك، واشتغل بخواطره وما يستحسنه؛ وقع فيما حذَّر منه النَّبيُّ ◌ٍَّ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا؛ بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم)»■

جريج العابد