الإمام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- بلاد الشام

وما هو الضابط في التفريق بين أفعال الرسول إن الضابط يحتاج إلى شيء من العلم بالنسبة للذي يريد أن يفرق بين سنة العبادة وسنة العادة: فمن المقطوع به: أن هناك أفعالًا للنبي وَّ كانت تصدر منه تقربًا إلى الله بقصد العبادة؛ فهذا بلا شك من سنن العبادة. ويقابله قسم آخر - أيضًا - من المقطوع به: أن النبي ◌ِّه تصدر من أفعالًا ليس بحكم العبادة، وإنما بحكم العادة، أو بحكم أمر يعود إلى رغبة الإنسان التي لا علاقة لها بالعبادة. هذا القسم منه ما هو واضح: أنه ليس له علاقة بالعبادة؛ فيكون من قسم العادة. وبين القسمين أمور مشتبهات: فإذا نظر إليها من زاوية معينة قد يميل الإنسان إلى إلحاقها بالعبادة، وإذا نظر إليها من زاوية أخرى إلحاقها بقسم العادة، وبحسب طالب العلم أن يقف عنده. مثال: كان لرسول الله وَله نعلان لهما قبالان.

فلا يبدو لطالب العلم: أن كون النعل له قبال واحد؛ هو: خلاف السنة، وأن السنة: أن يكون له قبالان، فلا يبدو أن هذه لها علاقة بالعبادة، وإنما هي عادة عربية كانوا يلبسون هذا النوع من النعال، ولا يلبسون أحذية كأحذية هذا الزمان. ونجد أن بعض العلماء اتفقوا على أمور أنها من سنن العادة، ولكن اختلفوا في مفردات منها هل هي من سنن العادة أو العبادة؟ ومن ذلك: ما يتعلق بالحج؛ فقد جاء أن النبي وقّ نزل في البطحاء، فقال بعض أحد الصحابة: ليس التحصيب بالسنة، وإنما اتفق أن النبي وقّ نصبت له الخيمة هناك؛ فنزل؛ لكن بعض العلماء يظنون أن النزول بالبطحاء هو من تمام مناسك الحج. فهنا قد يقع خلاف؛، لأن المسألة تحتاج إلى شيء واضح جدًا؛ لنلحقها بالعادة أو بالعبادة. ولنضرب - الآن - بعض الأمثلة الواقعية: تقصير الثوب هل هو عادة أم عبادة؟. لو نظرنا إلى فعل الرسول وقال﴾ منفصلًا عن بعض أقواله لربما ترددنا في إلحاق هذه السنة العملية بالعادة أو بالعبادة. ولكن لما جاءت أحاديث من قوله ◌َلله؛ منها: ((لا تسبن أحدًا، ولا تحقرن شيئًا من المعروف، ولو أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك؛ فإن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه)). و: ((الإزار إلى نصف الساق)). فلما رأى شدة ذلك على المسلمين؛ قال: ((إلى الكعبين، لا خير فيما أسفل من ذلك)). فهذه الأحاديث ترفع التردد في إلحاقها بأي القسمين، وتؤكد أنها سنة تعبدية:

يقابل هذا سنة ثابتة عن النبي وَلله؛ وهو: أنه كان له شعر طويل: تارة يبلغ شحمة الأذنين، وتارة: طال؛ فبلغ رؤوس المنكبين، وثبت: أن الرسول وَلّ لما فتح مكة كان له أربع ضفائر. هل هذا الإطالة للشعر أولًا ثم تضفيرها وجعلها ضفائر سنة عبادة أم سنة عادة؟. الجواب: بالنسبة لي ولا داعي هنا للتردد -: أن هذه سنة عادة. لماذا؟، لأن النبي ◌َّ ليس هو الذي سنَّ هذه السنة، وإنما كانت موجودة قَبْلَ الرسول ◌َّه؛ فكانت من عادة العرب، كانوا يربون شعورهم، والشباب في بعض البوادي منهم حتى اليوم يضفرون شعرهم. ليس هناك ما يضطرنا ألا نعتبر هذه السنة سنة عادة بخلاف سنة أخرى - مثلًا؛ وهي: أن الرسول ◌َلّ كان يلبس البياض هل لبس البياض عادة أم عبادة؟ لو لم يرد مثل قوله مَّلة: ((خير ثيابكم البياض؛ فالبسوها أحيائكم، وكفنوا بها موتاكم))؛ لقلنا: هذا ذوق الرسول وله كان يجب البياض؛ كما يحب العسل -مثلاً-، ولا يجب لحم الضب. هذا ذوق لكن لما جاء قوله وَله: ((خير ثيابكم البياض)) ثم لما جاء أمره - أمر استحباب -: ((البسوه أحيائكم، وكفنوا فيها موتاكم)) خرجت هذه السنة عن كونها سنة عادة ودخلت إلى سنة العبادة. وبهذا المعيار وهذا الميزان يجب أن نقيس أفعال الرسول وَلّ: فما سنَّه هو ابتداءً ولم يكن هناك قرينة تجعلنا نؤمن بأنها سنة عادة؛ فهي: سنة عبادة. أما ما فعله وَله انسجامًا منه مع العادات العربية؛ فهذه تبقى عادة لا بأس من فعلها، ولا بأس من تركها. وما فعله وَّله من ذوقه؛ فهذه - أيضًا- ليس لها علاقة بالأمور التعبدية: فقد كان رسول الله والله يحب العسل، لكننا نجد بعض الناس يكرهون العسل؛ فلا نقول: هؤلاء خالفوا

مفاهيم يجب أن تصحح

السنة؛ لأن أكل العسل في أصله ليس عبادة فلو أنه لم يتيسر لإنسان أن يأكل العسل، أو ما رغب أن يأكل العسل؛ فإننا لا نقول: خالف السنة، لكن خالف طبيعة النبي ◌َّه التي كانت تحب العسل. من جهة أخرى: كان رَليّة يكره لحم الضب، والعرب يستسيغونه، ولما وضع على مائدته بَّة، وقيل له: هذا لحم ضب؛ أمسك، وكان بین یدیه خالد بن الوليد ينفعه كان يأكل بشهوة عارمة، فلما رأى نبيه وَله لا يأكل؛ قال يا رسول الله: أحرام هو؟! لأنه أصابته صدمة في نفسه: هو يأكل في نهم، ورسول الله لا يمد يده؛ فأجابه رسول الله وَية: ((لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي؛ فأجد نفسي تعافه)). فلا نقول لمن يحب لحم الضب: أنت خالفت السنة؛ لان الرسول وَله كره لحم الضب، ولا نقول لمن يأكله: أنت مع السنة. على نحو هذا يجب أن ننظر إلى أفعال الرسول وَّة، ولكن غفلة الناس وبخاصة طلاب العلم في هذا الزمان عن هذا التفصيل وقعوا في شيء من الغلو؛ فتجد بعض الشباب يتقصدون إطالة الشعر بزعم أن هذه سنة الرسول وَله. نعم نقول: إن هذا من فعله وَلَّ، ولكن ليس هناك ما يدل أن هذا هو الأفضل بل قد صرح رسول الله ◌َّ في ((صحيح مسلم)؛ فقال: ((أحلقوه كله أو أتركوه كله)). فإذا إطالة الشعر ليس سنة تعبدية، وإنما هي سنة عادية، فلو ظل الإنسان يحلق رأسه طيلة حياته ما يقال: إنه خالف سنة الرسول وقوله الذي أطال شعره طيلة حياته إلا في الحج أو العمرة؛ فقد كان ◌َ له يحلق شعر رأسه. فإذَا إذا ربى الإنسان شعره كطبيعة تناسبه فلا مانع من ذلك، أما إن يقصد التقرب إلى الله بإطالة شعره، فنقول: إن في هذا مخالفة لسنة النبي وَيَ !. وهنا دقيقه يجب الانتباه لها: الذي يطيل شعره اتباعًا للنبي وَّر الذي أطال شعره، هو يظن أنه اتبع النبي وَاللّ؛ لكني أقول بكل صراحة؛ أنه خالف النبي وَّ: خالفه مخالفة ليست ظاهرة، مخالفته باطنية، والاتباع ظاهر؛ وهو: الإطاله؛ كما فعل النبي وَّ. فما وجه المخالفة؟ المخالفة: أنه يجب أن نلاحظ قول نبينا وَله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل إمرء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)).

2

٧