وتصديق أخباره، وهذا هو الفارق بين المؤمن والكافر، فالكافر لم يصدق الله -عز وجل- فيما أخبر به من الأمور الغيبية، ولم يؤمن بها، لأن عقله لم يتصورها، فلم ينكر كفار قريش البعث والنشور إلا لأن عقولهم لم تتصوره، فإذا رد المؤمن قول الله ورسوله لأن عقله لم يتصوره، فما الفرق بينه وبين هؤلاء؟! قال حماد بن أبي حنيفة: ((أرأيتم من أنكر أن الملك - أي الملائكة - لا يجيء صفا صفا، ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلنا: فكذلك من أنكر أن الله - سبحانه- لا يجيء فهو كافر مكذب))(١). الشبهة السادسة: لقد تکلف القوم في رد حدیث النزول وأولوه بتأويلات لا تستقیما شرعا ولا عقلا: فقالوا المراد بالنزول نزول رحمته أو المراد نزول ملك من الملائكة وهذه التأويلات باطلة ومن وجوه عديدة أكتفي بذكر بعضها في هذا المقام: قوله وَّله: (ينزل ربنا))، فنسب النبي وَّةُ النزول إلى الله -عز وجل- ولم يقل ينزل الملك، ولم يقل تنزل رحمته، وهو

قال أحمد بن سعيد الرباطي: حضرت مجلس ابن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق، فسُئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال إسحاق: نعم، فقال له بعض قواد الأمير عبد الله: كيف ينزل؟ فقال: أثبتْه فوق حتى أصف لك النزول! فقال له الرجل: أثبته فوق! فقال إسحاق: قال الله -تعالى -: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ [الفجر: ٢٢]، فقال ابن طاهر: هذا يا أبا يعقوب يوم القيامة، فقال إسحاق: ومن يجئ يوم القيامة من يمنعه اليوم؟. [«عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص ٤٨)].

أفصح الخلق وأعلمهم بالله -عز وجل -. أن ألفاظ الحديث ترفض هذا التأويل بتاتا ولا تحتمله، ومنها ما جاء من قوله: «أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فاستجيب له ... )) فهل الملائكة تقول هذا؟ وهل الرحمة تقول مثل هذا؟؟. وقوله: ((من ذا الذي يدعوني فاستجيب له)). وقوله: ((لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري)) فهل يستطيع الملك أن يقول هذا أم أن الرحمة هي التي قالت هذا؟ !. أن رحمه الله عز وجل وملائكته لا يزالان ينزلان ليلا ونهارا، ولا يختص نزولهما بالثلث الأخير من الليل فقط كما هو في الحدیث. أن الحديث جاء مخصصا للنزول بأنه للسماء الدنيا فقط، فإذا كانت الملائكة، وكانت الرحمة لا تنزل إلا إلى السماء الدنيا، ثم تصعد ولا تنزل إلى الأرض، فما الفائدة منها ومن نزولها إذا؟. أخيرًا أخي المسلم کریم هو ربنا، ينزل إلى السماء الدنيا لأجل مستغفر يغفر له، أو سائل یعطیه، أو داع يستجيب له، فهنيئا لمن قام بين يدي ربه عند نزوله في الثلث الأخير، مشتاقا لمخاطبته، ومناجته، ودعاءه، ولقاءه قال النبي ◌َّ: ((مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللهَّ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ)) والمحروم من حرم هذا والله المستعان. تنبيه: تم تلخيص الموضوع من الكتب التالية، فمن أراد التوسع في المسألة فعليه بكتاب [الرد على الجهمية للإمام الدارمي]، و[شرح حديث النزول]، و[بيان تلبيس الجهمية] لشيخ الإسلام ابن تيمية، و[مختصر الصواعق المرسلة] لابن القيم، وكتاب [صفة النزول الإلهي ورد الشبهات حولها] لعبد القادر الجعيدي وهو أفضل وأوسع كتاب في بابه، ومعظم البحث مستفاد من هذه الکتب فلتراجع. وصلى الله على محمد وعلى اله وصحبه وسلم. ■