ويقوم الفساد السياسي الذي ينتشر في (أعلى دوائر السلطة السياسية) على المتنفذين من أصحاب القرار، باستعمالهم ونفوذهم؛ لتوطيد مكانتهم وتعزيز ثرواتهم، بتفصيل السياسات والقوانين التي تناسبهم وتستثنيهم، فالقانون الذي يجري على العامة، يتعطل عند عتبة قصورهم!، والعقاب الذي يوضع على الأفراد من (الطبقة الدنيا)، يتلاشى عندما يصلُ إلى أشرافهم !.
وترتيب الأولويات والتشريعات على قياسهم، وبحسب مصالحهم. هذه الفئة عندها أخطر أنواع الفساد، وأكثره تعقيدًا وتأثيرًا على المجتمعات والدول، وأكثرها صعوبة في المعالجة، بسبب سلطتهم على القرار، وتسلطهم على الناس.
الفساد الإداري .. (أصحاب المناصب الكبيرة!) وهذه الفئة إما أن تكون ذات سلطة في الجهات الحكومية أو الخاصة، وكونهم في جهة حكومية، فضررهم على المال العام أكبر، وعلى بالاقتصاد الوطني أخطر، ويؤثر على مستويات التنمية والتطوير، وتقديم الخدمات العامة.
وأصحاب هذه المناصب العليا، يستغلون ثقة الدولة فيهم، بأن أعطتهم حق القرار فيما تجريه الدولة من مشاريع القطاع العام، فيكون فسادهم غالبًا ما يقع في المناقصات أو المزايدات التي تطرح لهذه المشاريع المتعلقة بالنفع العام.
.. فمن منّا لا يتذكر كارثة سيول جدة؟! فقد كشفت لنا حجم التلاعب في إرساء مشاريع البنية التحتية للمدينة .. ومن الذي لم يسمع بحجم الفساد في مناقصات مشاريع الإسكان في بلداننا العربية؟ !.. ومن الذي يخفى عليه أعداد المسؤولين الكبار الذين يقبض عليهم بين الحينة والأخرى، متلبسين بأنواع الفساد الإداري، من رشوة وغيرها.
قد يقول قائل: هناك فساد إداري بين المناصب الصغرى أيضًا، کاستلام الرشاوى، وتسريع بعض الأوراق الرسمية، وغض الطرف عن بعض القوانين الثانوية .. إلخ. نقول: هذا غالبًا ما يكون تابعًا لفساد الرؤوس، أصحاب المناصب العليا، وكما يقال: ((الناس على دين كبرائهم!)). ثم ما حجم هذا الفساد، في مقابل الفساد الحاصل في المشاريع الضخمة التي تطرحها الدولة، والتي توضع لها ميزانيات كبيرة، كبناء البنى التحتية، وإنشاء المرافق العامة؟ !.. ربِّ سلِّم سلِّم. الفساد التعليمي .. (وقوع الكارثة .. بسبب فساد صنّاع القرار؟!) لقد أولى ديننا الحنيف بالعلم اهتمامًا كبيرًا، بل أعطاه الأولوية الكبرى في حياة المسلم، فأول ما جاء به الوحي ﴿اقْرَأْ﴾، وبالعلم يُوحّد المسلم ربه، وينجو من عذابه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩].
جحيفة
وما تميزت هذه الأمة وارتقت، إلا بسبب اهتمامهم بالعلم وأهله، فقد دأب المخلصين من أصحاب القرار، بتكريس جهودهم لنشر العلم النافع، ووفروا كل مقومات التميز العلمي، فأنشؤوا صروح العلم، وأعانوا العلماء في ابحاثهم، ونشروا علمهم .. فجاءت ثمارهم يانعة، حتى فاقوا الأمم في شتى العلوم، ومازال الغرب يشهد لسبق علمائنا، وبروزهم في شتّى المجالات.
.. حتى جاء الفسّاد من (صنّاع القرار في السلك التعليمي)، فأفسدوا بقراراتهم التعليم في بلاد الإسلام، ودمّروا بشهوتهم أجيالاً من أبناء المسلمين !! إن أصحاب القرار في السلك التعليمي يدخلون في ضمن التقسيم السابق (فساد أصحاب المناصب الإدارية العليا)، ولكنني أردت - بإفرادي للفساد التعليمي - أن أسلط الضوء على فساد هذه الشريحة؛ وتبيين خطرهم المضاعف على المجتمع المسلم المعاصر، وعلى الأجيال القادمة ..
لن أحدثكم عن صور الفساد الدائر في فلكهم، ولن أتحدث عن خططهم لمحو الشخصية الإسلامية من مقرراتنا الدراسية!، فكل عاقلٍ يرى ما آلت إليه مستويات التعليم في بلداننا العربية، حتى أصبحنا ننافس الدول البدائية والفقيرة، في توفير التعليم اللائق !!.. وإلى الله المشتکی.
.. إنَّ السبيل الوحيد للرقي بالمستوى التعليمي في مجتمعاتنا العربية، وإعادة مكانة هذه الأمة العلمية، بالقضاء على أشكال الفساد والمفسدين، من أصحاب القرار في هذا السلك.
علاج الفساد بتفعيل (محكمة فاطمة !! ) لقد سعت جميع المجتمعات والحكومات الإقليمية والدولية إلى مكافحة الفساد بشتّى الطرق، فأنشأت الهيئات اللازمة للكشف عن الفساد، وشرعت القوانين الرادعة للمفسدين، وأقامت الاتفاقيات الدولية للحد من الفساد .. ولكنهم جميعًا يتفقون على صعوبة الوصول إلى (علية القوم)، وتطبيق العقوبات عليهم !.
تكمن نقطة التحول التي يجب أن تكون في مجتمعاتنا بتطبيق شرع الله، وتحقيق العدل في الحكم بين العباد. فالذين استبدلوا شرع الله بالقوانين الوضعية، ماتت مجتمعاتهم وهم أحياء، والذين أقاموا حدود الله تعالى في مجتمعاتهم، أحيا الله حياتهم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولٍ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ولهذا وضع لنا سيد الأولين والآخرين وَّة، قانونًا صارمًا لأمته، يكون سببًا في تحقيق العدل والمساواة، بين جميع طبقات المجتمع، ويتمثل هذا القانون إقامة شرع الله على كل مخالف، حتى لو كان هذا المخالف سيدة نساء العالمين!، وأحب الناس إلى رسول الله وَ له !.. .. واعلموا، إن الفئة المفسدة في مجتمعنا يستخدمون شتّی الوسائل لقمع كل شريف يكشف فسادهم، ويَبين عن إفسادهم، ويظهر عدم أهليتهم لتولي المناصب الكبيرة والحساسة، التي ما وصلوا إليها وتقلدوها إلا بطريق المحسوبية، والوساطات الردية، فتجدهم يحيكون المؤامرات، ويشوهون سمعة الشخص بـ(اغتيال الشخصية)، .. ورغم ذلك، فما يزال هناك شرفاء يرفضون الفساد، ويحاربونه بكل عزيمة وإخلاص، ليخلصوا مجتمعاتهم من هذه الآفة المدمرة، .. والله تعالى يكفي عباده.
محكمة فاطمة !!.. عن عائشة واعنها قالت: أنَّ قريشًا أهمَّهم شأنُ المرأةِ المخزوميَّةِ التي سرقت في عهدِ النبيِّ وَّ. في غزوةِ الفتحِ. فقالوا: من يُكلِّمُ فيها رسولَ الله ◌َّ؟ فقالوا: ومن يجترئُّ عليه إلا أسامةُ بنُ زيدٍ، حِبُّ رسولِ الله ◌ِّ؟ فأتى بها رسولَ اللهِ وَّةِ. فكلَّمه فيها أسامةُ بنُ زيدٍ. فتلوَّنَ وجهُ رسولِ اللهِوَ له. فقال: ((أتشفعُ في حدٍّ من حدودِ الله؟)). فقال له أسامةُ: استغفِرْ لي. يا رسولَ الله! فلما كان العشيُّ، قام رسولُ الله ◌َّ فاختط. فأثنى على الله بما هو أهلُه. ثم قال: ((أما بعد: فإنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ، تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيفُ، أقاموا عليه الحدَّ. وإني، والذي نفسي بيده! لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها». ثم أمر بتلك المرأةِ التي سرقتْ فقُطْعَتْ يِدُها. قالت عائشةٌ وَعها: فحسنُتْ توبتُها بعدُ. وتزوَّجتْ. وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفعُ حاجتها إلى رسولِ الله ڭ. [أخرجه البخاري (٤٣٠٤)، ومسلم (١٦٨٨)].
ويستمر الصراع بين الدعاة المصلحين والمترفين المفسدين !!.. لن ترهبنا سطوة المترفين، ولن تخوفنا قبضة المفسدين: فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون الصراع الواقع على هذه المعمورة منذ أن عمرها الإنسان، صراع بين المصلحين والمفسدين، والعاقبة فيها لأهل الصلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، وقال تعالى: أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواَمَا أَثْرِفُوا فِهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلُمْ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٦ و ١١٧]. ونحن قررنا أن نكون منَّ المصلحين بالتي هي أحسن للتي هي أقوم، والدعاة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. وذلك لأن للمصلحين طرقًا ومناهجٍ للإصلاح؛ بينها لنا الشارع الحكيم، كما أن للمفسدين سبلاً وطرائق للإفساد؛ بينها لهم شيطانهم الرجيم، فعلى الشرفاء من هذه الأمة أن يتبعوا سبيل المصلحين، ويجتنبوا سبل المفسدين. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥١ و ١٥٢]. إن صلاح مجتمعاتنا لن يكون إلا في بتطبيق شرع الله، وإقامة حدوده فيمن ينشر الفساد والإفساد في الأرض بتفعيل (محكمة فاطمة) التي تقيم شرع الله على الرجال والنساء، والشرفاء، والضعفاء، والحاكم، والمحكوم، والراعي والرعية دون محاباة أو مجاملة أو تلون في الدين. فالذين يقفون في وجه (الفساد والمفسدين) هم (الشرفاء حقيقةً)، أما أولائك (المترفون) فـ(ليسوا بشرفاء)، وإن سمّوهم شرفاء أو وجهاء. فلنقف جميعًا في وجه الفساد، ولنحقق العدل في مجتمعاتنا، لكي ننعم برضى الرحمن، وتدركنا شفاعة النبي العدنان، ونسعد بالجنان، والحمد لله ربِّ العالمين.
﴿فَلَوْلَا كَانٍ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ
السنة والقصص الحق
یا بَنِيَّ اذكروا صاحب الرغيف !!.