ء

وقال أمثلهم طريقة: ((أشغلوا الناس بالفكرة الصحيحة فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير

عن الفكرة الخطا)). وهذه دعوى تصحيحها بما ثبت في ((الصحيحين)) عن أبي إدريس الخولاني: أنه سمع حذيفة بن اليمان رَضْ لَةُ قال: كان الناس يسألون رسول الله ◌ٍَّ عن الخير، وكنت

أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا يرجع إلى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط كنا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا عنه وقع في ضده : التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها

الخير من شرّ؟ قال: ((نعم)) ... الحديث. قال الحافظ رحمه الله: ((وحبب لحذيفة السؤال عن الشرّ؛ ليجتنبه، ویکون سببًا في دفعهعمن أراد الله له النجاة)). فمعرفة شرّ أهل الأهواء والبدع سبيل لحماية المسلم وعصمته من الوقوع في شباكهم. لأن معرفة الخير والحسن وحده دون معرفة الشرّ الذي يناقضه لا يكفي، فلا بد من معرفة المقابل، وكما قيل: تعرف الأمور بأضدادها. إن التوحيد الخالص لا يعرف حقّ المعرفة إلا بما يضاده من الشرك، وإن الإيمان لا يتذوق المرء حلاوته إلا بمجانبة الكفر وأسبابه، وكذلك لا يتحقق الصواب إلا بالوقوف على الخطإ، ولا تتضح معالم السنة الغراء إلا بمعرفة البدعة وأصولها.

وإلى هذا الأصل أشار النبي ◌َّ حين قال: ((خير الهدي لا ينفع؛ لم يتمكن صاحبه من النّطق بما ينفعه؛ إلا إذا فرّغ هدي محمد ◌َّة، وشر الأمور محدثاتها ... ))، وقوله ◌َّ: لسانه من النُّطْق بالباطل، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير ( ... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا الطاعة، لم يمكن شغلها بالطّاعة إلّ إذا فرّغها من ضدّها.

عليها بالنواجذ، وإیاکم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ... )). قال ابن قتيبة: (( ... ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده؛ لیعرف كل واحد منهما بصاحبه، [email protected]

يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمرّ؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلُّهَا مِمَّا ◌ُِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦])(١). وقال يحيى بن معاذ الرازي: ((اختلاف الناس كلهم

البدعة، والطاعة ضدها المعصية))(٢). وقال ابن حبان: ((قوله ◌َّ: ((فإنه من يعش منكم فسيرى ء اختلافاً، فعليكم بسنتي)) دليل صحيح انه ◌َّل امر امته بمعرفة الضعفاء منهم من الثقات؛ لأنّه لا يتهيأ لزوم السنة مع ما خالطها من الكذب والأباطيل، إلا بمعرفة الضعفاء من الثقات))٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بعد ما بين أن بيان الرسول ◌َلٍ لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي: ((فإن الغذاء لا ينفعه - أي المريض- مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء ... )) ٤. وقال ابن قيم الجوزية: ((قبول المحلّ لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضدّه، وهذا كما أنّه في الذّوات والأعيان، فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات: فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبةً؛ لم يبق فيه لاعتقاد الحقّ ومحبته موضع، كما أنّ اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما

فكذلك القلب المشغول بمحبّة غير الله وإرادته (١) ((تأويل مختلف الحديث)) (ص ٧٩ - ط دار ابن عفان). (٢) ((الاعتصام)» (٩١/١ - ط دار المعرفة).

وقال تحت قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] بعد ما قسم النّاس إلى أربع فرق، وذكر أن أعظم فرقة من استبان لها سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل، علمًا وعملًا، وهم أعلم الخلق، قال: وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل فأبغضها لله، وحذرها وحذر منها، ودفعها عن نفسه، ولم يدعها تخدش وجه إيمانه، ولا تورثه شبهة ولا شكًا، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لها ونفرة عنها، أفضل ممن لا تخطر بباله ولا تمر بقلبه، فإنه كلما مرت بقلبه وتصورت له ازداد محبة للحق ومعرفة بقدره وسرور به، ولهذا؛ في الصحيح عن النبي وَ لّ أنّه قال: (لأن يمتلئ فيقوى إيمانه به ... )٦. جوف أحدهم فيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا))؛ فبيّن أنّ الجوف يمتلئ بالشعر. فكذلك يمتلئ بالشّبه، والشكوك، والخيالات، والتقديرات التي لا وجود لها، والعلوم التي لا تنفع، والمفاكهات، والمضحكات، والحكايات ... ونحوها. وإذا امتلا القلب بذلك؛ جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته، فلم تجد فيه فراغًا لها، ولا قبولًا، فتعدّته وجاوزته إلى محلّ سواه، كما إذا بذلت النصيحة

والشوق إليه والانس به لا يُمكن شغله بمحبة الله وإرادته وحبّه والشوق إلى لقائه؛ إلا بتفريغه من تعلّقه بغيره، ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمته؛ إلاّ إذا فرّغها من ذكر غيره وخدمته، فإذا امتلا القلب بالشُّغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع؛ لم يبق فيها موضعٌ للشّغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه. وسرّ ذلك: أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن: فإذا صغا إلى غير حديث الله؛ لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه، كما إذا مال إلى غير محبّة الله؛ لم يبق فيه میل إلی محبّته، فإذا نطق القلب بغير ذكره؛ لم يبق فيه محل للنّطق بذکره؛ کاللسان.

لقلب ملآن من ضدّها لا منفذ لها فيه؛ فإنه لا يقبلها ولا تلج شيء سواء باطلاً أولا، لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية منه،

فيه، لكن تمرّ مجتازة لا مستوطنة. ولذلك قيل: نزّه فؤادك عن سوانا تلقنا فجنابنا حلّ لكل منزّه والصبر طلّسمٌ لكنز وصالنا من حلّ ذا الطِّلَّسم فاز بكنزه(٥).

(٥) ((الفوائد)» (ص ٨٦-٨٩ - ط دار التوبة).

وقال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في ((كتاب التوحيد)) ((باب: من تبرك بشجر أو حجر أو نحوهما))، تحت حديث أبي واقد الليثي، المسألة الثانية والعشرون: ((أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة؛ لقوله: ((ونحن حدثاء عهد بكفر)). قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله - معلقاً: ((وهذا صحيح، فالإنسان المنتقل من

وهذه البقية لا تزول إلا بعد مدة لقوله: «ونحن حدثاء عهد بكفر))، فكأنه يقول: ما سألناه إلا لأن عندنا بقية من بقايا الجاهلية، ولهذا كان من الحكمة تغريب الزاني بعد جلده عن مكان الجريمة لئلا يعود إليها، فإن الإنسان ينبغي له أن يبتعد عن مواطن الكفر والشك والفسوق، حتى لا يقع في قلبه شيء منها))٧ ■