والمتأمل في سيرة النبي وَ له يجد أنه كان ممتثلا لتعاليم القرآن في جمیع شؤون حياته، فها هو القرآن یُرشدُهُ لاحسن الأخلاق، قال -تعالى -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، ويمنّ عليه تارة أخرى بأن منَّ عليه بالأخلاق العالية والقيم الرفيعة، قال -تعالى -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أُنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨). ويحثه في أخرى على اللين في أيدي الناس، وتعليمهم الخلق الحسن، قال -تعالى -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ (آلَ عمران: ١٥٩). وَقال -تعالى -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْموْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِلِّي هِيَ أُخْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥). هكذا كانت حياته وَّلٍَّ ولا غرو؛ فهو خير الناس، وأحسنهم خلقاً، كان يكون في مهنة أهله وحاجتهم، فيعلف البعير، ويحلب الشاة، ویرقّع ثوبه، ویخصف نعله، ويدعو ربّه قائلًا: ((وأهْدني لأحسن الأخلاق، فإنّه لا يهدي لأحسنها إلّ أنت، واصرف عنّي سيّئها، فإنه لا يصرف عنّي سَيِّئُها إلّ أنت))١. ودعانا للتأتسي به، فقال : ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا))٢، ونبينا ◌َّ لَه أحسن الناس أخلاقًا، وأكملهم إيمانًا))، وقال: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) ٣؛ وقال ◌َله: ((أقربكم منّي منزلةً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا))٤، ويبيّن رسول الله ◌َ له أن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم؛ فيقول: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار)) (٥)، ثم بيّ وَّلَه أنه ما من شي أثقل في الميزان يوم القيامة من حسن الخلق؛ فقال ◌َ له: ((ما من شيءٌ أثقل في الميزان يوم القيامة من خلقٍ حسنٍ، وإنّ الله يبغض الفاحش البذيء))(٦). (٦) رواه الترمذي (٢٠٠٢) من حديث أبي الدرداء رَضِ فَهُ

وكثيرًا ما استنصح الصحابة - رضي الله عنهم - النبي وَ له فأوصاهم بتقوى الله، وحسن الحلق، فعن أبي ذر رَضِ ◌ُّ قال: قال لي رسول الله ◌َظله: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))٧. وها هو ◌َّه ينصح لمعاذْ رَوُّ قبل أن يسافر، فيقول له: ((اعبد الله لا تشرك به شيئًا)) قال معاذ: يا نبي الله! زدني، قال وَ الّ: ((إذا أسأت؛ فأحسن)) قال: يا رسول الله! زدني، قال: ((استقم، وليحسن خلقك))٨. وقد سئل رسول الله ◌َّله عن أكثر ما يدخل الناس الجنّة؟ فقال: ((تقوى الله، وحسن الخلق))٩. ولمّا سأل رجل النبي وَّه: ((أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: ((أحسنهم خلقًا))١٠. ويقول رسول الله ◌َله لأصحابه - رضي الله عنهم أجمعين: ((ألا أخبركم بخياركم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ((أطولكم اعمارًا، وأحسنكم أخلاقًا))١١. أمّا سلفنا الصالح؛ فكانت سلوكياتهم وأخلاقهم وفق ما جاء به الكتاب العزيز، وحثّت عليه السنّة المطهرة؛ فقد كان الخلق الحسن شعارهم، والتواصي بالقيم والمبادىء الإسلامية دثارهم، فضمنوها كتبهم وشاعت بها دروسهم، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الإمام الصابوني المتوفى سنة (٤٤٩هـ) في كتابه ((عقيدة السلف أصحاب الحديث)) قال: ((ويتواصون -أي السلف- بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام على اختلاف الحالات، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف والسعي في الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع، واتقاء شر عاقبة الطمع، ويتواصون بالحق وبالصبر)). مكارم الأخلاق كانت عند السلف الصالح ركنًا من عقيدتهم، وأصلًا في منهجهم.

والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم

وقد أدرك سلفنا الصالح قيمة الأخلاق، فهذا أبو الدرداء تحدّث زوجه أم الدرداء وتقول: ((بات أبو الدرداء الليلة يصلّي فجعل بيكي، ويقول: اللهمّ أحسنت خَلقي فأحسن خُلقي، حتى أصبح، فقلت: يا أبا الدرداء، ما كان دعاؤك منذ الليلة إلاّ في حسن الخلق، قال: ((يا أمّ الدرداء، إنّ العبد يحسن خلقه، حتّى يدخله حسن خلقه الجنّة، ويسوء خلقه، حتّى يدخله سوء خلقه النّار))، فأدرك رَضِلْتَهُ أنّ حسن الخلق طريق يوصّل إلى الجنة؛ فعن أبي هريرة رضي اللَّهُ: أنّ رسول الله ◌َّلَه سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنّة، فقال: (تقوى الله، وحسن الخلق)). كان سلفنا الصالح يتواصون فيما بينهم بالحث على محاسن الأخلاق، وكان يؤدب بعضهم بعضًا، فهذا مجلس عطاء بن أبي رباح يتكلم فيه رجل؛ فيعترض له الآخر في

قال الإمام الألباني - رحمه الله -: ((كنت أظن ان مشكلة كثير من المسلمين في عقيدتهم، فتبين لي أنها - أيضًا- في أخلاقهم))

حديثه، فيقول عطاء: ((سبحان الله ما هذه الأخلاق؟ إنّي لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم منه به؛ فأريه أنّي لا أحسن منه شيئًا))(١٢). والراصد لأوضاع المسلمين في هذه الأيام، ليجد بعدًا كبيرًا عن الأخلاق الحميدة والصفات الجليلة، فتجد الجانب الخُلُقي عند أكثر الناس مصادم للتعليم القرآني ومخالف للهدي النبوي، حتى عيّتنا الأمم في العصور المتأخرة بسوء أخلاقنا. فيا عباد الله! تأملوا قوله -تعالى -: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنَا﴾ (البقرة: ٨٣)، ولينوا في أيدي إخوانكم، وبشّوا في وجوه بعضكم بعضًا؛ فإن: ((تبسمك في وجه أخيك صدقة)) تنالوا رضى ربكم، ويطال لكم في أعماركم، وتفوزوا بحب وقرب نبيكم وَل منكم يوم القيامة، والحمد لله رب العالمين. (١٢) كتاب «صفة الصفوة)) (٢١٤/٢) لابن الجوزي.

اسق حديقة فلان

نص الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َِّلَّه قال: ((بينا رجل بفلاة ء من الارض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حَرَّة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء؛ فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان - لاسمك- فما تصنع فيها؟، قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه))١. غریب الحديث: - بينا رجل: بينما رجل. - بفلاة: الأرض الواسعة أو الصحراء. - في حرّة: هي الأرض التي تكثر بها الحجارة السوداء البركانية. - شرجة من تلك الشراج: القنوات التي تسيل بها المياه. - بمسحاته: أداة من أدوات الزراعة، وهي: المجرفة من الحديد. الشرح الإجمالي: هذه قصة رجل صالح من أولياء الله الأتقياء الأخفياء كان من أفضل أعماله: الصدقة والإنفاق في سبيل الله. وبينما رجل يمشي في أرض واسعة سمع صوتًا في سحابة، يقول: ((اسق حديقة فلان)) فتنحى السحاب إلى الحرة، وأفرغ ماءه كله فيها، فاجتمع الماء في قناة استوعبته، فتتبع الرجل مسيل الماء؛ فإذا بالماء يذهب إلى حديقة الرجل الصالح. كان الرجل الصالح قائمًا في بستانه يحول الماء بمجرفته؛ اندهش الرجل الذي سمع الصوت في السحاب؛ فجاء إلى صاحب الحديقة، وقال: يا عبد الله ما اسمك؟ فقال صاحب الحديقة: فلان، سمى نفسه، فإذا بالاسم يطابق الاسم الذي سمعه في السحابة. استغرب الرجل الصالح سؤال هذا الرجل عن اسمه فقال: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فأخبره الرجل ما سمعه في السحاب، وأنه تتبع مسيل الماء حتى رآه يستقر في حديقتك أنت ١ أخرجه مسلم (٢٩٨٤). ٢٢

السنة والقصص الحق الأستاذة: حسّانة بنت عبد الله الجميلي (العراق)

بالذات ... فماذا تصنع في هذه الحديقة؟! وتأتي إجابة الرجل الصالح؛ لتظهر الحقيقة وتحل الغموض، فهو يقسم غلة الحديقة على ثلاثة اقسام: جزء يتصدق به على الفقراء، وثلث يتخذه قوتًا لأهله وعياله، وثلث يبذره في الأرض. من فوائد القصة:

١- إثبات كرامات الأولياء الصالحين، وهذا من أصول منهج السلف الصالح وأهل السنة والجماعة.

٢ - فضل الصدقة وتعظيم قدرها عند الله -سبحانه وتعالى-، فهي تعزز قيم التكافل بين الناس، وتقوي تماسك المجتمع.

٣- وجوب الإنفاق على الأهل والعيال، فأفضل النفقة ما كان على من تعولهم، كالوالدين، والزوجة، والأولاد.

٤- إن الإنفاق على المحتاجين وتفريج كربات المسلمين تجارة عظيمة مع رب العالمين، وهي سبب من أسباب الرزق، ودليل ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَمَا أُنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: ٣٩)، وقوله ◌َّه في فيما يرويه عن ربه: ((قال الله: يا بن آدم أنفق أنفق عليك))٢.

٥- تأكيد على قيمة العمل ومكانته في الإسلام، فالرَّجل ما اعتزل الدنيا؛ فأصبح عالة على الناس، ولكنّه جدّ واجتهد، وبذل الأسباب، وسعى وراء الرّزق الحلال، ثم تصدّق بماله، فاليد العليا خير من اليد السلفى.

٦- تدبير أمور العباد بيد الله -عز وجل-؛ فهو الذي أمر هذه السحابة أن تسقي حديقة هذا الرجل الصالح، وذلك أن السحاب مسخر يتجه حيث أمره الله.

٧- أفضل صفات الإنسان أن يكون عبدًا لله، ولذلك خاطب الرجل الذي سمع الصوت وصاحب الحديقة بعضهما بـ (عبد الله).

٨- إذا عرف السبب زال العجب، فالرجل الذي سمع الصوت في السحابة، زالت دهشته عندما علم حقيقة الحديقة، ورأى سمت صاحبها . ٢ أخرجه البخاري (٥٣٥٢)، ومسلم (٩٩٣) من حديث أبي هريرة رَضِ لَّهُ.