فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي الديار السعودية
الحمد لله خالقنا أجمعين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وآله الطاهرين وصحبه الطيبين.
أما بعد ..
يقولِ اللّه جلَّ جلاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا
يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
في هذِهِ الآيةِ أمر مِنَ الله لعبادِه المُؤمِنين المستجيبين لله ورسوله السامِعين المطيعِين، آمَنَت قلوبهم، وصدَّق ذلك الأعمالُ بالجوارح، يوجّه الله الخطاب لأهل الإيمان قائلاً لهم: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأهْلِيكُمْ نَارًا﴾، قوا أنفسكم النارَ، وقوا أهليكم النَّار. يتَساءَل السائل: كيف لي أن أقِيَ نفسي النار؟! وكيف لي أن أقِيَ أهلي النار؟! نعم، وقايتُك لنفسك النار الأخذ بالأسباب التي تبعدك عنها وتحول بينك وبينها بتوفيق من الله، وكذلك أهلك تقيهم النار بتحذيرهم من الشرِّ ووسائله
والأسباب المقرّبة له.
. ON TIMACH
ء مبدا الإعلام المعاصر: اكذب .. واكذب .. حتى يصدقك الناس ..
أيّها المسلم، نقي أنفسنا النار، نقيها عذاب الله، نقيها سخط الله، نأخذ بكلِّ سببٍ يقينا عذاب الله، ونبتعد عن كلِّ سببٍ يوقعنا في عذاب الله، نحصّن أنفسنا بوحي الله؟ ليسلم لنا ديننا، ويبقى لنا معتقدنا السّليم، وتسلم أخلاقنا من الفساد والانحلال، ويسعد مجتمعنا بأمنٍ فكريّ غير ملوَّث بآراء البدع والضّلالات والأفكار المناوئة للإسلام. أيّها المسلم، نفسك أمانةٌ عندك، فأنت إمّا أن تسعى في تزكيتها وتطهيرها والسّموّ بها إلى الكمال، وإمّا أن تسعى في إذلالها وإهانتها: ﴿قَدْ أُفْلَحَ مَنْ زَكّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]، وفي الحديث عنه قال: ((كلِّ الناس يغدو، فبائعٌ نفسه؛ فمعتقها أو موبقها)). أيّها المسلمون، إنّ هناك وسائل للشّ قد تكاثرت وتعدّدت وتنوّعت الأساليب، وكلّها تهدف إلى هدفٍ واحد: زعزعة عقيدة المسلم قبل كلّ شيء، إضعاف الإيمان
في قلبه، تشكيكه في ثوابت دينه، تشكيكه في قيم إسلامه على الفضائل، وكم من إعلام مروّج للدّعايات المضلّلة وأخلاقه، البعد به عن الفضائل وتهوين الرذائل والسّعي في والأفكار المنحرفة والأخلاق السّافلة، فإن يكن لديك
مسخ الفطر والقيم والأخلاق الكريمة. أيّها المسلم، إنّ العالم يشاهد اليوم نهضة إعلاميّة عظيمة،
تمثّلت في قنواتٍ فضائيّة متعدّدة مختلفة الاتّجاهات، فما بين إعلام هابط أراد به أهله شرًّا، لنحصّن أبناءنا ذكورًا وإناثًا
قنواتِ أخذت على عاتقها حرب العقيدة السليمة والطّعن
على عاتقها تدمير قيم الأمة وأخلاقها، وما بين قنواتٍ فضائيّة اتّخذت مسارًا آخر لتفكيك الأمّة والطعن في بعضها بعضًا، ومحاولة إيجاد البغضاء بين الشعوب الإسلاميّة. أيّها المسلمون، للإعلام دوره الفعّال في توجيه الفكر ورسم الطّريق للإنسان، لكن ليتّق المسلم ربّه وليحصّن نفسه بشرع الله؛ ليكون ذلك حاجزًا بينه وبين التأثّر بهذا الإعلام الجائر الباطل، وما ذاك إلّ بالإعراض عن كثيرٍ من قنواته، وأن يتأمّل قبل أن يشاهد وينظر: ماذا تحمله تلكم القنوات؟ ما هي أفكارهم وآراؤهم؟ ومن هم القائمون عليها؟ وما أهدافهم ممّا ينشرون ويعلنون؟ فإن يكن ذا رأي سديد وإيمانٍ صادق اتّقى الله في نفسه وأعرض عن كلِّ باطل، اللهمّ إلّ أن يكون ذا قلم سيّال وأسلوبٍ جذّاب يحاول أن يدحض الباطل ويقيم الحجّة عليه: ﴿بَلْ تَقْذِفُ بِالْخَقْ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨]، فمن كانت هذه غايته؛ شاهد لينقد، وليوضح الخطأ، وليبيّن الضلال فتلك دعوةٌ إلى الله وإلى دينه، لكن للأسف الشديد مجرّد المشاهدة للتّسلية والانتقال من قناة إلى أخرى، وكم تحمل تلك القنوات من طيّاتها من حرب على الإسلام، وحرب على القيم والفضائل، وتجسيد أسباب الشرّ للانحراف بالشباب المسلم من رجال ونساء عن مسيرته الصحيحة وإيقاعه في الضلال. أيّها المسلم، لنق أنفسنا عذاب الله، ليكن عندنا فرقٌ بين ما ينشر ويعلن، وتمييزٌ صادق لنستبين ما هو الإعلام النافع من الإعلام الضارّ، فما كلّ إعلام نافع، فكم من إعلام هو حرب على الإسلام وأهله، وكم من إعلام حربٌ
بوحي الله، ولنحذرهم من الانخداع والاغترار بما ينشر في
فيها وتشكيك المسلم فيها، وما بين قنواتٍ فضائيّة أخذت تلكم القنوات، ولنبيّن لهم أخطارها وأضرارها ومفاسدها،
تمييز لهذا استطعت بتوفيق من الله أن تنجو من تأثير هذه القنوات الضّالّة، وتميّز بين إعلام صادق أريد به خيرًا وبين
ونصوّر حقيقة الأمر، فتلك قنواتٌ خرجت عن السّيطرة، لكن لا يحصّن المسلمين إلا وحي الله، والتّمسّك بدينه، وتوضيح الحقّ من الباطل؛ ليكون المسلم على بيّنة من أمره. أيّها المسلم، تنوّعت أساليب الإعلام، فما بين صحف مقروءة، وما بين مرئيّة، وما بين مسموعة، وما بين شبكات الاتّصالات الإنترنت، وما يجلب في ساحاتها من بلاء ومصيبة، من هتك للأعراض، ورمي بالتّهم وأكاذيب وأباطيل، كلّ ذلك من وسائل الإعلام التي يجب على المسلم التثبّت فيما يرى وفيما يسمع؛ ليكون على بصيرة من أمره.
عن عبدالله بن مسعود رَضِ لّهُ عن النبي وعَ لَّه قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب، ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابًا)) (متفق عليه). هدي من كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا يحوّل صحافتنا إلى منبر خير
أيها المسلم، إنّ واجب الإعلام الإسلاميّ أن يكون له وتوجيه، ودعوة للخير، وأخذ بأسباب الهداية.
تميّزٌ خاصّ، وأن تكون برامجه برامج هادفة، ومسلسلاته
الحقّ، وتعالج مشاكل الأمّة من قريب أو بعيد بالعلاج
كلّ بيت، وأصبحبمقدور كلّ إنسان أن یشاهد ویری ما یبٹ من العالم یشاهده، وهو في منزلة یتحکم ویری ویری وينتقل من هذا إلى هذا، لكن إن تحصّن بالوحي، وتمسّك
والضلال لم تخدعه تلك الآراء، ولم يغترّ ويعجب بتلك الأفكار والأطروحات السيّئة. أيّها المسلم، إني أناشد رجال الصحافة في بلادنا محرّري الصّحف والقائمين عليها، فأقول لهم: تقوى الله وصيّة الجميع، والحرص على التأكّد من كلّ ما ينشر، وفحص كلّ مقال يراد أن ينشر وكلّ أطروحة يريد شخصٌ أن يطرحها؛ لنكون على بصيرة من أمرنا، فلا تخرج صحافتنا إلّ برأي
المجتمع المسلم كثيرة، فحلّ مشاكلنا بالطّرق السّليمة على عَنْ بَيِّئَةِ﴾ [الأنفال: ٤٢]. [email protected]
cc
لا يغرّنا ما انجرفت فيه صحف غيرنا أو ما سلك غيرنا،
مسلسلات هادفة، تبني القيم والفضائل، وتوضح للأمّة لا بدّ للبلد المسلم أن يتميّز إعلامه بما يخدم هذه العقيدة
قبل كلّ شيء، وبما يقوّي الأخلاق، ويثبّت الأمن، ويجمع
الشرعيّ النافع الذي يجعل هذه الوسائل منبر توجيه الكلمة، وتصبح الأمّة تستفيد من إعلامها، فهو يوجّهها في وإرشاد، ومتى انحرف الإعلام عن مساره الصحيح؛ فإنّ معتقدها وأخلاقها واقتصادها وثقافتها توجيهًا سليمًا، مبنيًّا أضراره ومفاسده ومساوئه تكون كثيرةً، فقد ولج الإعلام على أسس من كتاب ربّنا وسنة نبيّنا .
إنّ كلّ من يريد أن يكتب وكلّ من يريد أن يحلّل وكلّ من يريد أن يكون له سبقًا فى القول؛ فليتّق الله، وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب أمام الله، ليحاسب نفسه عما يقول،
بالهدى، وصار عنده فرقٌ بين الحقّ والباطل وبين الهدى وليتذكّر قول الله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ اْلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ الله دِينَهُمْ الْخَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْخَقُّ الْبِينُ﴾ [النور: ٢٤، ٢٥]. إنّ أعداء الإسلام احتووا الإعلام العالميّ، وسخّروه لخدمة أفكارهم وآرائهم، وسخّروه للطعن فى الأمّة وثوابتها، سخّروه لإبعاد المجتمع المسلم عن دينه، سخّروه للقدح في ماضينا المجيد، وفي أعلام الهدى من هذه الأمة، سخّروا إعلامهم لأجل هذا، فهل إعلامنا الإسلاميّ لديه
سديد وفكر نيّ، وخلق كريم؛ لتكون صحافتنا صحافةً القدرة على مناقشة تلك الأمور، وعلى قرع الحجّة بالحجة، حقّة، وليكون من يقرأ وينظر ويتدبّر ويستفيد، فمشاكل ودمغ الباطل بالحقّ؟! ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ
mbc
إنّ الإعلام الإسلاميّ متى أخذ على عاتقه الدعوة إلى
BBC
الإِسلام وفضائله، وتبيّن الهدى من الضلال، وصار طابعه ما لبّسه عليه الملبّسون، وكلّ ما زوّر المزوّرون من أناسٍ
ومظهره طابعًا ومظهرًا إسلاميًّا في كلّ الأمور، ليكون إعلامنا إعلامًا متميّزًا وإعلامًا هادفًا للخير، وإعلامًا يتحسّس مشاكل الأمّة ويعالجها العلاج السليم، فعند ذلك يتحوّل الإعلام إلى خيرٍ بتوفيقٍ من الله، ولكن مع هذا كلّه فعلى كل من كان في أيّ وسيلة من وسائل إعلامنا من صحافةٍ وتلفازٍ وإذاعة؛ أن يتّقوا الله فيما يقولون، وفيما يرسمون وفيما يضعون من برامج، لتكون تقوى الله هدف الجميع ومن ينشر ويقول، ليتّق الله في نفسه، وليعلم أن الله رقيب الانخداع. عليه وإن خفي أمره على النّاس. إنّ الإِعلام الإسلاميّ لا بدّ في هذا العصر من أن يتميّز تميّزًا صحيحًا؛ لأنّ الحملات المسعورة على الإسلام وأهله قد علا شأنها واشتدّ خطرها، ولا يمكن أن يكافح الباطل إلّ بالحقّ الصريح، ولا يمكن أن نردّ الباطل إلا بالحقّ، ولا يمكن أن ندحضه إلّ بالحجّة القطعيّة، ففي كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا ما يكفي لدمغ هذا الباطل وردّه. إنّ الإعلام الإسلاميّ إذا تميّز بهذه الميزة الصادقة، وحسنت النيّة، وقويت العزيمة؛ فإنّ الله يجعل لهذا الإعلام والصواب ■
أثره الفعال في تبيين فضائل الإسلام ومحاسنه، ودحض كلّ
طعنوا في الإسلام وفضائله وتعاليمه وقيمه وصوّروه بالصّورة المشوّهة، فعلى الإعلام الإسلاميّ أن يكون دائمًا داعيًا إلى الله، ومسخّرًا كلّ برامجه لما يسعد الَّامة في دينها و دنياها. وعلينا أن نثقّف أبناءنا وبناتنا، وأن نوجّههم لَأَيّ قناةٍ فيها خير، ونحذّرهم من تلكم القنوات الفضائيّة المنحرفة،
في كلّ الأحوال، وليّق الله من يكتب في تلك الساحات، ونبيّن أوجه انحرافها وبعدها عن الهدى؛ ليسلم شبابنا من
يِ هي بلا شك إعلام لا تستطيع إيقافه ولا إيقاف زحفه، لكن التربية الطيّبة، والنصيحة الهادفة هي وسيلةٌ بتوفيقٍ من الله إلى تبصير الأمّة؛ ليكونوا على علم وثقةٍ بإسلامهم، وحذرٍ من تلكم الوسائل الإعلاميّة العالمية التي تريد بنا الشّ والفساد، ويأبي الله ذلك والمؤمنون. فلنّق الله في أنفسنا، ولنحذر أسباب الشرّ، ومن أسباب الانخداع بكثيرٍ مما يُذاع وينشر مما هو مخالف للحقّ