فضيلة الشيخ العلامة محمد الخضر حسين - رحمه الله- الجزائر عن عبد الله بن عمرو بن العاص إلى، قال: سمعت رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يبق عالمًا، اتّخذ النّاس رؤوسًا جهّالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم؛
فضلوا وأضلّوا)). (متفق عليه).
نود من صميم قلوبنا أن تكون نهضتنا المدنية راسخة البناء، رائعة الطلاء، محمودة العاقبة. ولا يرسخ بناؤها، ويروع طلاؤها، وتحمد عاقبتها، إلا أن تكون موصولة بنظم الدين، مصبوغة بآدابه، والوسيلة إلى أن يجري فيها روح من الدين يجعلها رشيدة في وجهتها، بالغة غايتها: أن يزداد الذين درسوا علوم الشريعة عناية بالقيام على ما استحفظوا من هداية، فلا يذروا شيئًا يشعرون بأنه موكول إلى أمانتهم إلا أحسنوا أداءه. ينظر أهل العلم في حال الناس من جهة ما يتقربون به إلى الخالق، ويزنون أعمالهم؛ ليميزوا البدعة من السنة، ويرشدوهم إلى أن يعملوا صالحًا. ومن الذي لا يدرك أن البدع تقف كقطع من الليل المظلم، فتغطي جانبًا من محاسن الشريعة الغراء، وهي - بعد هذا - ضلالات تهوي بأصحابها في ندامة و خسران؟ ينظرون فى أحوال الناس من جهة ما يدور بينهم من المزاعم الباطلة، والأحاديث المصنوعة، وينفون خبثها نفي النار لخبث الحديد، يفعلون هذا ليكون الناشئ المسلم نقي الفكر، صافي البصيرة، لا يحمل في نفسه إلا عقائد خالصة، وحقائق ناصعة. ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يجري بينهم من المعاملات، فيصلحون ما كان فاسدًا، ويصلون ما كان متقطعًا، وما شاعت المعاملات التي نهى عنها الدين في غير هوادة؛ كالربا، والميسير، إلا حيث قل من يعظ الناس في ارتكابها، ويبسط القول في شؤم عاقبتها. ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يمسهم من السراء والضراء، ويسعون ما استطاعوا في كشف الضر عنهم، ولو بعرض حالهم على أولي الشأن، وإثارة [email protected]
عن ربيع بن عميلة قال: حدثنا عبد الله -ما سمعنا حديثاً هو أحسن منه إلا كتاب الله عز وجل-، ورواية عن النبي وَاللّه قال: ((إن بني إسرائيل لما طال الأمد، وقست قلوبهم؛ اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، فقالوا : اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل؛ فإن تابعوكم عليه، فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم. قال: لا، بل ابعثوا إلى فلان - رجل من علمائهم - فإن تابعكم فلن يختلف عليكم بعده أحد. فأرسلوا إليه فدعوه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم أدخلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم، فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا: تؤمن بهذا؟ فأشار إلى صدره - يعني الكتاب الذي في القرن - فقال: آمنت بهذا، وما لي لا أومن بهذا؟ فخلوا سبيله. قال: وكان له أصحاب يغشونه، فلما حضرته الوفاة أتوه، فلما نزعوا ثيابه وجدوا القرن في جوفه الكتاب، فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا، وما لي لا أومن بهذا، فإنما عنى بـ (هذا) هذا الكتاب الذي في القرن قال: فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين فرقة، خير مللهم أصحاب أبي القرن» [«الصحيحة»: (٢٦٩٤)].
دواعيهم إلى أن يعالجوا العسر حتى ينقلب بفضل تدبیرهم یسرًا. يحدثنا الكاتبون في تاريخ الأندلس: أن العلماء المقيمين في ضواحي قرطبة، كانوا يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة، ويطالعونه بأحوال بلدهم، وقال أحد علمائهم: وأتعب إن لم يمنح الناس راحة
وغیري إن لم یتعب الناس يتعب
ينظر أهل العلم بعين الاحتراس إلى كل من يدعو إلى مذهب باسم الدين، ويتخذون الوسائل إلى الاطلاع على حقيقة قصده. ومن أسباب وهن حبل الإسلام، وتقطع أوصاله: مذاهب يبتدعها ملاحدة يمكرون، أو جهال لا يفقهون. نحن نعلم أن في كل أمة فئة یفتحون صدورهم لقبول کل دعوة توافق أهواءهم، أو تأتيهم في طلاء يلائم أذواقهم، ولكن نهوض العلماء
الإصلاح
والتغيير
بعزم وحكمة، إن لم يسحق آراء هذه الفئة سحقًا، فإنه في إصلاح تلك الناحية المتهدمة.
يكشف عما فيها من سوء، فلا يسكن إليها إلا من هم إلى الحيوان الأعجم أقرب منهم إلى الإنسان. يرقب أهل العلم كل حركة تقوم بها جماعة من الأمة، فينقدونها بالنظر الخالص، ويصدعون فيها بآرائهم مدعومة بالأدلة المقنعة، ولا تعد هذه المراقبة وهذا النقد خارجين عن خطة العالم الإسلامي، بل هما واجبان في عنقه، كواجب التعليم والإفتاء. وإذا قصَّ علينا التاريخ أن فريقًا من أهل العلم قضوا حياتهم في بحث المسائل العلمية البحتة، فقد قصَّ علينا أن أمة من عظمائهم كانوا ينظرون في الشؤون العامة، ويمثلون السيرة التي تکسو صاحبها جلالة، وترفع له بین الخلائق ذکرًا. کان أهل العلم یوجهون هممهم إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى، فهذا أبو بكر ابن العربي قاضي أشبيلية رأى ناحية من سور أشبيلية محتاجة
إلى إصلاح، ولم يكن في الخزانة مال موفر يقوم بسدادها، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد الأضحى، فأحضروها، وصرفت أثمانها
وكان محمد بن عبد الله بن يحيى الليثي قاضي قرطبة كثيرًا ما كان يخرج إلى الثغور، ويتصرف في إصلاح ما وهي منها، حتى مات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة. وظهور العلماء فى أمثال هذه المواقف يغرس لهم في نفوس الأمة وذًّا واحترامًا، ويورثهم في رأي أولي الأمر مقامًا كريمًا، أفلا نذكر أيام كان أمراء الإسلام يعرفون في طائفة من العلماء رجاحة الرأي، وصراحة العزم، وخلوص السريرة، فيلقون إليهم بقيادة الجيوش، فيكفون بأس أعدائهم الأشداء؟ وما كان أسد بن الفرات قائد الجيش الذي فتح صقلية إلا أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة، ومحمد بن الحسن في بغداد، وعبد الرحمن ابن القاسم في القاهرة. ينظر أهل العلم إلى ما غرق فيه بعض شبابنا من التشبه بالمخالفين، وتقليدهم في عادات لا تغني من [email protected]
الرقي شيئًا، وقد يرى بعضهم انحطاط كثير من أبنائنا والولايات، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم، في هذا التشبه والتقليد، فيعده قضاء مبرمًا، ويملكه حتى إذا أبصروا عوجًا، نصحوا لهم بأن يستقيموا، أو خاطر اليأس، حتى ينتكث من التعرض للشؤون رأوا حقًّا مهمًا لفتوا إليه أنظارهم، وأعانوهم على
العامة ومعالجتها، ولكن الذي يعرف علة هذا التسرع، إقامته. ويكون قد قرأ التاريخ ليعتبر، يرى الأمر أهون من أن يصل بالنفوس إلى التردد في نجاح الدعوة، بله اليأس من نجاحها. وأذكر بهذا: أن كاتبًا كتب في إحدى المجلات مقالًا تحت عنوان: (وحدة العالم) يدعو فيه إلى مسايرة أوروبا في السفور ونحوه، وقال في علة الدعوة إلى هذه المسايرة: ليخرج الشرق والغرب في مدنية واحدة، وأشار على دعاة الإصلاح في الشرق بأن لا يقفوا في سبيل هذه المدنية، زاعمًا أنهم لا يستطيعون مقاومتها، ولا يزيدون على أن يجعلوا سيرها بطيئًا، ورغب إليهم أن يحثوا الناس على المسارعة إلى قبولها. والذين ينظرون إلى مدنية أوروبا باعتبار يبصرون فيها على البداهة ما لا يرتضيه العقل، ولا يقبله الشرع. واختلاف الأمم بالحق خير من اتحادها على باطل، ولا يفوت الحكمة أن تجد نفوسًا مهذبة، وعقولاً سليمة فتقبلها. فحقيق على العلماء أن يبتسموا لهذا الرأي تبسم الازدراء، ولا يقيموا لمثله وزنًا إلا أن يكشفوا سريرته، ويعرضوا على الأنظار سوء مغبته. والعالم بحق من يتدرَّع بالإيمان البالغ، والثقة بما وعد الله به الداعي إلى الحق من الظهور على أشياع الباطل، وإن أوتوا زخرفًا من القول، وسعة من المال، وكانوا أكثر قبيلًا. لا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب [email protected]
أمر السلطان سليم بقتل مائة وخمسين رجلاً من حفاظ الخزائن، فبلغ هذا النبأ الأستاذ علاء الدين الجمالي، وكان متوليًا أمر الفتوى، فذهب إلى السلطان وقال له: وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وهؤلاء الرجال لا يجوز قتلهم شرعًا، فعليك بالعفو عنهم. فغضب السلطان سليم، وقال له: إنك تتعرض لأمر السلطنة، وليس ذلك من وظيفتك، فقال الأستاذ علاء الدين: لا، بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت، فلك النجاة، وإلا، فعليك عقاب عظيم، فانكسرت سورة غضب السلطان، وعفا عن الجميع. ومتى كان في ولاة الأمور شيء من العدل، وكان في الداعي إلى الإصلاح حكمة وإخلاص، نجحت الدعوة في سعيها، وبلغت بتأييد الله مأربها. دعا أحمد بن طولون القاضي بكار بن قتيبة إلى خلع الموفق من ولاية العهد، فأبى، فحبسه، وكرر عليه القول، فأصر على الإباءة، وبقي في السجن حتى ثقل ابن طولون في مرض الوفاة، فبعث إلى القاضي بكار يقول له: أردك إلى منزلتك، أو أحسن منها، فقال بكار للرسول: قل له: شيخ فان، والملتقى قريب، والقاضي الله عز وجل. فأبلغ الرسول ابن طولون ذلك، فأطرق ساعة ثم قال: شيخ فان، والملتقى قريب، والقاضي الله عز وجل. وأمر بنقله من السجن إلى دار اكتريت له.
يكون العالم رفيقًا في خطابه، لينًا في إرشاده، أما يده، أو ينهاهم عن العمل السيئ، ولا يصرف إذا أراده ذو قوة على أن يقول ما ليس بحق، أو يأتي عنه وجهه، فمن أدب العلماء: أن يسابقوا الأمة
ما ليس بمصلحة، أخذ بالتي هي أرضى للخالق، وكان مثالًا للاستقامة صالحًا. وإنما يقوم العالم بإسداء النصيحة إلى ذي قوة، أو لا يوافقه فيما يخدش أمانته وتقواه، متى قدَّر مقامه العلمي قدره، وكان شأن العلم أسمى في نظره من كل شأن، وهذا الشعور هو الذي يهيئه - بعد داعية الغيرة - لأن يجاهد في سبيل الحق مستهينًا بكل ما يعترضه من أذى. ومن أدب العلماء: أن ينصحوا للَّامة فيما يقولون
إلى اجتناب ما يؤاخذ به، وعمل ما يحمد عليه؛ كأن ينفقوا في وجوه البر والمشروعات الصالحات ما ينفقه أمثالهم من المكثرين أو المقلين؛ فإن ذلك أدل على إخلاصهم، وأدعى إلى توقيرهم وقبول نصائحهم. وإذا كان العدد القليل فيما سلف يكفي لحراسة الدين، وإرشاد من ينحرف عنه حتى يعود إليه،
أو يفعلون، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من فلان سلطان الإسلام يومئذ، وصوت غالب
مكروه، وكم من عالم قام في وجه الباطل، فأوذي فتجلد للأذى، وأجاب داعي التقوى متأسيًا بقوله ◌َّ: ((اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون)). وممن جرى على هذا الخلق المتين: أبو بكر بن العربي يوم كان قاضيًا بأشبيلية، قال في كتاب ((القواصم والعواصم)): حكمت بين الناس، فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن الدعوة مرة بعد أخرى. المنكر، حتى لم يك يرى في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألبوا، وثاروا علي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا عليَّ حتى أمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن الأقدار، لكنت قتيل الدار، يعني بقتيل الدار؛ عثمان رَضِلَّهُ. ولا يستحق لقب عالم أو مصلح ذلك الذي من رشد وإصلاح(١) ■ يدعو الناس إلى العمل الصالح، ويقبض عنه (١) ,موسوعة الأعمال الكاملة)) (١١٦/٥)
الجهل عليه خافت، أما اليوم، فالحال ما ترون وما تسمعون، فلا يمكن للدعوة أن تأتي بفائدتها إلا أن تضم المعاهد الإسلامية بين جدرانها طوائف كثيرة من أولي الغيرة والعزم، يصرفون جهدهم في الدفاع عن الدين، والدعوة إلى الخير، ويعيدون
وستنبت المعاهد الإسلامیة - إن شاء الله - کثیرًا من العلماء القوامين على نحو ما وصفناه، ولا سيما حين يأخذ التعليم نظامه الأسمى، ويقوى الأمل في أن تؤتي هذه المعاهد الثمرة الغزيرة الطيبة، متى نظر إليها أولو الأمر برعاية، وعاملوا النشء المتخرجين منها بما يدل على أنهم يحترمون الشريعة، ويقدرون ما تبقّه في الأمة