وضع الحصان أمام العربة؛ فتلاحقت الأحداث بحيث لا يكاد يلتقط المراقب أنفاسه؛ فمن تونس مرورًا بمصر وليبيا واليمن وسوريا، ولا زالت الأمور تتسارع وتتضاعف بشكل يؤذن بأمور عظامٍ. اتفق المحتجون - أو وُفِّقوا- على رفع شعار ((الشعب يريد .. )) وكل يملأ الفراغ بما شاء (!) وكيف شاء ( !! ) ولم شاء ( !!! ) تسلح المحتجون بحماس، وتزودوا بتوقد جعلهم يقفون بصدور عارية مفتوحة أمام كل وسائل القمع حتى لو كلفهم أرواحهم ... لكن السؤال المشروع الممنوع في آن واحد: هل يحق لنا الاعتراض على جموع المحتجين وعلى مطالبهم؟! لن نعترض على الحقوق؛ فنحن مع الحرية والعدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان .. فهي حقوق كفلها الله للعباد حتى بلغ بهم مرتبة التكريم: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾، وكفلها الإسلام؛ فحرم العبودية لغير الله، وجعل الظلم محرمًا بين العباد، وأعلمهم أنهم من أصل واحد، وأب واحد، وأن أكرمهم عند الله اتقاهم !!

ولن نحتج على المطالبين بها؛ لأن لصاحب الحق مقالاً لكن الحقوق ومن طالب بها وثار من أجلها يعتورها إشكال منهجي يبعث على الأسى والحزن والشعور بالخيبة والغربة؟ هذا الإشكال المنهجي له علاقة مباشرة بمفهوم الدين ونظرة القرآن والسنة للقضايا الكلية وترتيبها في سلم الأولويات. اللافت للنظر: أن لافتات المحتجين لا تتحدّث إلا عن حقوق العيش وتكافؤ الفرص؛ فلم يحرك هذه الشعوب إلا حق واحد لا غير؛ ألا وهو حق العباد المعيشي، بمعنى أن المحرك الرئيس والوحيد لدى هؤلاء المحتجين الذين جادوا بمهجهم وأرواحهم في سبيل مطالبهم هو الحصول على وظيفة لائقة، ولقمة عيش سائغة، وحياة رغيدة ... وبتعبير القرآن: ﴿زينة الحياة الدنيا﴾. إن قيمة الحياة ومعناها عند المسلم أجل كثيرًا من لقمة خبز يأكلها، أو وظيفة يحصلها، أو مساواةٍ في الفرص بين أفراد الأمة ینشدها. هذا الاعتبار يبعث على الأسى والقلق في الوقت نفسه؛ فهویدل علی قصور فهم کثیر من هؤلاء المحتجین لقضايا دينهم الكبرى، وأولويات الحقوق من جهة نظر القرآن والسنة، المقتضية إسلام التوجّه لله ربّ العالمين.

عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح؛ فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة له، فنزل عنها، وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة. فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أوه لم يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد عّ لّ؛ إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام؛ فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.

وكذلك يبعث على القلق من تبعات قد تكون بحجم الفصل بين العقل المسلم ودينه، وتكريس هذه الصورة في أذهان الأجيال المسلمة القادمة ..! حسنًا أيها المحتجون .. هذه حقوقنا: خرجنا من أجلها، وقدمنا الغالي والنفيس فداءً لها: فأين حق الله المضيّع منذ قرون؟ أين حق الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللّه هُوَ الرّزَّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمِينُ﴾ [الذاريات:

٥٦-٥٨]؟. أين حق الله في ﴿إِنِ الْخُكْمُ إِلَّلِلّهِ أُمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْإِلاَ إِيّهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]؟. أين حق الله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥]؟. أين حق رسول الله ◌َّهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أمْرًا أن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]؟. أين حق رسول الله ◌َّ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَاتَبِعُونِي يُحْيِكُمْ اللهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]؟. أين حق رسول الله ◌َّهِ: ﴿فَإِمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]؟، أين هذه الشعوب المسلمة في المطالبة بحق الله بعبادته وحده، وتحكيم شرعه، وتطبيق كتابه؛ بإقامة أحكامه، وتحليل حلاله، وتحريم حرامه؟. أين هي من المطالبة بحق رسول الله قال في اتباعه ونشر سنته،

عن مطرف بن الشخير قال: لو كانت هذه الاهواء كلها هوى واحدًا؛ لقال القائل: الحق فيه. فلما تشعبت واختلفت، عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق.

والدعوة إلى منهجه على بصيرة؟. أين هي من حقها على نفسها بأن تكون أمة واحدة لا تفرقها حدود مصطنعة، ولا تفتتها أعراف جاهلية، ولا يثير الحروب بينها متربص خدّاع؟ أين هي من حقها على نفسها بأن تكون خير أمة أخرجت للناس أمة وسطاً مختارة،

لتكون شهداء على الناس؟ إن شعوبًا تتحرك بإخلاص وتفانٍ وتبذل الغالي والنفيس من أجل راحة أبدانها، لجديرة بأن تنال راحة الأبدان التي تنشد: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْخَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَهَا تُوَفٍ إِلَيْهِمْ أعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ [هود : ١٥]. ولكن .. نذكرها .. ونذكر من يسير في ركابها ويبارك مطالبها .. ألا يُنَسِّيه حقُّ هذه الشعوب المضيَّع الذي استأثر به الحكام والملا .. ألا ينسيهم حق الله تعالى الذي تنكبه كثير من الناس حکامًا ومحکومین !! وألا ينسيهم حق رسول الله ◌َّ﴾ الذي ضيعه كثير حتى من الدعاة المنتسبين للإسلام !! وألا ينسيهم حق الأمة المسلمة المختارة الذي نسيته الأمة نفسها إلا من رحم الله وقليل ما هم !! وألا ينسيهم حق أولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين مسرى رسول الله صَلّ الأسير الذي صار على شفا أنفاق منهارة على يد شذاذ الآفاق المغضوب عليهم. ولن توفي أمتنا هذه الحقوق عليها، وتعطي كل ذي حق حقه (حتى ترجعوا إلی دینکم)) (■ *فكرة الموضوع مستفادة من مقال: (الحقوق في القرآن) للدكتور محمد الزهراني وفقه الله بتصرف وزيادة.