الماء نعمة كبرى؛ فهو مادة الحياة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. فلا حياة بدون ماء؛ بل إن بعض الكائنات الحية قد تستغني عن الهواء کبكتيريا الأمعاء واللاهوائية؛ لكن لم يعرف حتى يوم الناس هذا كائن حي استغنى عن الماء، بل إن جميع العمليات الحيوية في جسم الإنسان الحي لا تتم إلا في وسط مائي؛ فالماء يتخلل جميع أجهزته وأعضائه وخلاياه، فهو يكون (٨٥٪) من دم الإنسان، و(٨٢٪) من کلیتیه، و(٧٥٪) من عضلاته، و(٧٤٪) من مخه، و(٦٩٪) من كبده، و(٢٢٪) من عظامه، ولذلك؛ فالماء فيه شفاء. وقد عرفت البشرية التداوي بالماء بكل أشكاله من عصور غابرة، وقد قص الله علينا تعالى في كتابه العزيز قصة نبي الله أيوب عليه السلام الذي لبث في المرض سنين عديدة وأزمنة مديدة وأن الله ألهمه أن يستشفي بالماء: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبِّهُ أَنِي مَسْنِي الشّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤١و٤٢]. فهذه الآية تدل بمنطوقها ومفهومها: أن الماء فيه شفاء من الأمراض الباطنية والخارجية.

(*) كل حالات الحميات عند اشتداد الحرارة تعالج بالماء بطريقتين:

أ- من الخارج على هيئة مكمدات باردة أو مثلجة، لغرض تهبيط درجة الحرارة.

ب- تعاطي الماء بالفم بكثرة أثناء الحميات، يساعد جميع أعضاء الجسم - خصوصًا الكليتين- على النهوض بوظائفها الحيوية للجسم. (ع).

وكذلك زخرت السنة بنماذج عالية للاستشفاء بالماء، الطبيعية(٥)، وهي تنقسم إلى قسمين: ولنضرب على ذلك مثالاً ونعرض أنموذجًا وهو علاج الحمى، ومن أفضل من عرضه عرضًا علميًا وفقھیًا في آن واحد هو العلامة ابن قيم الجوزية. وها نحن نعرض كلامه كما هو في كتاب ((صحيح الطب النبوي)) لأستاذنا الشيخ سليم الهلالي وفقه الله.

ثبت في (الصحيحين))(١) عن ابن عمر: أن النبي ◌ِّ ل﴾ قال: الغالب تزول في يوم، ونهايتها ثلاثة أيام.

((إنما الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم؛ فأبردوها بالماء)). وقد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء، ورأوه منافيًا لدواء الحمى وعلاجها، ونحن نبين - بحول الله وقوته- وجهه وفقهه، فنقول: خطاب النبي ◌ُ لـ نوعان: عام لأهل الأرض. وخاص ببعضهم. فالأول: كعامة خطابه. والثاني؛ کقوله: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها؛ ولكن شرقوا، أو غربوا))٣؛ فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق، والمغرب، ولا العراق، ولكن لأهل المدينة وما على سمتها؛ كالشام وغيرها٣. وكذلك قوله: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة))(٤). وإذا عرف هذا؛ فخطابه فى هذا الحديث خاص بأهل الحجاز، وما والاهم؛ إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا، فإن الحمى: حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنبث منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق إلى جميع البدن؛ فتشتعل فيه اشتعالًا يضر بالأفعال (١) أخرجه البخاري (٥٧٢٣)، ومسلم (٢٢٠٩). غرب؛ فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال. (٤) أخرجه الترمذي (٣٤٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٢/٢) وغيرهما من حديث أبي هريرة رَضِ لُنَهُ مرفوعًا به. قلت: وهذا سنده صحيح؛ رجاله ثقات.

عرضية؛ وهي الحادثة إما عن الورم، أو الحركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد، ونحو ذلك . ومرضية: وهي ثلاثة أنواع، وهي لا تكون إلا في مادة أولى، ثم منها يسخن جميع البدن: فإن كان مبدأ تعلقها بالروح؛ سميت: حمى يوم؛ لأنها في

وإن كان مبدأ تعلقها بالأخلاط؛ سميت: عفنية، وهي أربعة أصناف: صفراوية، وسوداوية، وبلغمية، ودموية. وإن كان مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية، سميت: حمی دق. وتحت هذه الأنواع أصناف كثيرة. وقد ينتفع البدن بالحمّى انتفاعًا عظيما لا يبلغه الدواء، وكثيرًا ما يكون حمى يوم، وحمّى العفن سببًا لإنضاج مواد غليظةٍ لم تكن تنضِجُ بدونها، وسبًا لتفتح سُدَدٍ لم يكن تصل إليها الأدوية المفتحة. وأما الرمد الحديث والمتقادم، فإنها تُبرئ أكثر أنواعه بُرءًا عجيبًا سريعًا، وتنفع من الفالج، واللَّقْوَة(٦)، والتشنّج الامتلائي، وكثيرًا من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة . وقال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيرًا من الأمراض نستبشر فيها بالحمّى؛ كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمّى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير، فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يُضِرُّ بالبدن، فإذا أنضجتها؛ صادفها الدواء متهيئة للخروج بتضاجها؛ فأخرجها؛ فكانت سببًا للشفاء(٧) . (٥) قال الإمام ابن مفلح - رحمه الله- في ((الآداب الشرعية)) (١٠٠/٣): ((قال بعض الأطباء: هذا من أفضل علاج هذا الداء إذا كان وقوعه بالحجاز، وهي بلاد حارة يابسة، والحار الغريزي ضعيف في بواطن سكانها، وصب الماء البارد عليهم في ذلك الوقت المذكور- وهو أبرد أوقات اليوم- يوجب جمع الحار الغريزي المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه، فتقوى القوة الدافعة وتجتمع من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محل ذلك الداء، ويستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور، فيدفعه بإذن الله -تعالى-)). (٦) داء يكون في الوجه؛ يعوج منه الشِّدق. (٧) إن بعض الأمراض الزمنة -: مثل مرض الروماتيزم المفصلي، الذي تتصلب فيه المفاصل، وتصبح غير قادرة على التحرك، أو مرض الزهري المزمن في الجهاز العصبي - تتحسن كثيرًا بارتفاع درجة حرارة الجسم؛ أي: في حالات الحميات؛ ولذلك من ضمن طرق العلاج الطبي- في مثل هذه الحالات -: الحمى الصناعية؛ أي: خلق حالة حمى في المريض بحقنه بمواد معینة.(ع).

وإذا عرف هذا؛ فيجوز أن يكون مرادُ الحديثِ من أقسام الُحُمِيَّات العرضية؛ فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد، وسقي الماء البارد المثلوج، ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر، فإنها مجرد كيفية حارة متعلقة بالروح، فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها، وتخمد لهبها من غير حاجة إلى استفراغ مادة، أو انتظار نضج . ويجوز أن يُراد به جميعُ أنواع الحميات. وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس (٨): بأن الماء البارد ينفع فيها، قال في المقالة العاشرة من كتاب ((حيلة البرء)): (ولو أن رجلا شابًا حسنَ اللحم، خصِب البدن في وقت القيظ، وفي وقت منتھی الحمّى، وليس في أحشائه ورم، استحمبماء بارد، او سبح فيه؛ لانتفع بذلك)). قال: ((ونحن نأمر بذلك بلا توقف)). وقال الرازي٩ في كتابه الكبير ١٠: ((إذا كانت القوة قوية، والحمّى حادّة جدًا، والنضج بيِّن ولا ورم في الجوف، ولا فتق، ينفع الماء البارد شربًا، وإن كان العليل خصِب البدن والزمان حارّ وكان معتاداً لاستعمال الماء البارد من خارج، فليؤذن فيه))١١. وقوله: ((الحمى من فيح جهنم))؛ هو شدة لهبها، وانتشارها، ونظيره قوله: ((شدة الحر من فيح جهنم))(١٢)، وفيه وجهان: أحدهما : أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتقت من جهنم؛ B ليستدل بها العباد عليها، ويعتبروا بها، ثم إن الله - سبحانه- قدَّر ظهورها بأسباب تقتضيها، كما أن الروح والفرح والسرور واللذة من نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ودلالة، وقدَّر ظهورها بأسباب توجبها. (٨) طبيب يوناني له اكتشافات رائعة في التشريح، وهو من أكبر مراجع أطباء العرب، توفي سنة (٢٠١م). قال الدكتور محمود النسيمي في ((الطب النبوي والعلم الحديث)) (٢١١/٣): (( ... إن الأدوية النوعية المضادة لعوامل الحميات الإنتاجية لم تعرف قبل القرن التاسع الميلادي، وعلى أن مخفضات الحرارة الشهيرة في الطب الحديث، والتي اكتشفت باكرًا كالكينين والأسبرين، لم تنتشر في العالم قبل ذلك القرن، ولذا كان استعمال الماء لتبريد الحمى هو الواسطة الاولى. ولقد نبه الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى هذه الواسطة الفيزيائية لتلطيف الحميات ... )). (١٢) البخاري (٥٣٣ و ٥٣٤) من حديث أبي هريرة وابن عمر عَنّ.

من طرائف ما روى الإمام الألباني - رحمه الله - أنه صام عن الأكل أربعين يومًا إلا عن الماء، وأنه استفاد كثيرًا ونقص وزنه، وشفي من كثير من الأمراض التي كان يعاني منها. والثاني: أن يكون المراد التشبيه؛ فشبه شدة الحمّى ولهبها بفيح جهنم، وشبه شدة الحر به - أيضًا - تنبيها للنفوس على شدة عذاب النار، وأن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها، وهو: ما يصيب من قرب منها من حرّها. وقوله: ((فابردوها))؛ روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها، رباعي من أبرد الشيء: إذا صيره باردًا، مثل: اسخنه: إذا صیّه سخنًا. والثاني: بهمزة الوصل مضمومة من (برد الشيء يَبْرُدُهُ)) وهو أفصح لغةً واستعمالًا، والرباعي لغة رديئة عندهم، قال الحماسي: أقبلت نحو سقاء القوم أبترد إذا وجدت لهيب الحب في كبدي هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الأحشاء تتقد(١٣) وقوله: ((بالماء))، فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو الصحيح. والثاني : أنه ماء زمزم، واحتج أصحاب هذا القول ما رواه البخاري في (صحيحه))(١٤) عن أبي جمرة نصر بن عمران (١٣) من شعر عروة بن أذينة؛ كما في ((الشعر والشعراء)) (ص ٥٨٠)، و ((وفيات الأعيان)) (٣٩٤/٢). (١٤) برقم (٣٢٦١).

قام الاتحاد الياباني للأمراض بنشر تجارب للعلاج بالماء حيث بلغت نسبة الشفاء (١٠٠٪) الأمراض الصداع، والضغط، وداء المفاصل، وخفقان القلب، والربو، والسمنة، والسل ... الضُّبَعِي، قال: كنتُ أَجالس ابنَ عباس بمكة، فأخذتني الحُمَّى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول الله ◌َّ﴾. قال: ((إنَّ الخُمَّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمْ؛ فَابِدُوها بِالَاءٍ، أو قال: بماءِ زَهْزَمَ)). وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزم به؛ لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء. ثم اختلف من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء، أو استعماله؟ على قولين، والصحيح: أنه استعمالَهُ، وأظن أن الذي حمل من قال: المراد: الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمّى؛ ولم يفهم وجهه مع أن لقوله وجهًا حسنًا، وهو: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمّى عنه جزاءً وفاقًا، ولكن هذا يُؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به؛ فاستعماله . عن أنس قال: قال النبي ◌ِِّ: ((إذا حُمَّ أحَدُكُم؛ فَلِيَرُشَّ عَلَيْهِ الَاءُ الْبَارِدُ ثَلاثَ لَيَالٍ مِنَ السَّحَرِ)) (١٥). عن أبي هريرة قال ◌َ: ((الحُمّى كِيرٌ مِن كِيرِ جَهَنَّم، فَنَحْوِهَا عَنْكُمْ بِالماءِ الْبَارِدِ))(١٦). (١٥) أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٣٧٩)، والحاكم (٢٠٠/٤ و ٤٠١). قلت: إسناده صحيح، وصححه الحاكم والذهبي- رحمها الله- على شرط مسلم، ووافقهما شيخنا الألباني - رحمه الله- في ((الصحيحة)) (١٣٠١). (١٦) أخرجه ابن ماجه (٣٤٧٥). قلت: إسناده صحيح، ورجاله ثقات؛ كما قال البوصيري- رحمه الله- في ((زوائده)، وصححه شيخنا الألباني - رحمه الله -. [email protected]

وعن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ◌َ لل دخل على أم السائب، فقال: ((مالك يا أم السائب تزفزفين؟)) قالت: الحمى؛ لا بارك الله فيها !فقال: ((لا تسبي الحمى؛ فإنها تذهب خطايا بني آدم؛ كما يذهب الكير خبث الحديد»١٧. لما كانت الحمّى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة، وتناول الأغذية والأدوية النافعة، وفي ذلك إعانة على تنقية البدن، ونفي أخبائه وفضوله، وتصفيته من مواده الرديئة، وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه، وتصفية جوهره؛ كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تصفي جوهر الحديد، وهذا القدر هو المعلوم عند أطباء الأبدان. وأما تصفيتها القلب من وسخه ودرنه، وإخراجها خبائته؛ فأمر يعلمه أطباء القلوب ويجدونه؛ كما أخبرهم به نبيهم رسول الله ◌َّةِ، ولكن مرض القلب إذا صار مأيوسًا ١٨ من برئه، لم ينفع فيه هذا العلاج. فالحمى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة؛ فسبه ظلم وعدوان، وذكرت مرة وأنا محموم قول بعض الشعراء يسبها: زارت مكفرة الذنوب وودعت تبَالها من زائر ومودع قالت وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت أن لا ترجعي فقلت : تبًا له؛ إذ سب ما نهى رسول الله ێ﴾ عن سبه، ولو

قال: زارت مكفرة الذنوب لصبها أهلا بها من زائر ومودع قالت وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت: أن لا تقلعي لكان أولى به، ولأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعًا ١٩ ■ ك الأمر بسؤال العفو والعافية، وأراد بقاء المرض)».