الأستاذ يوسف بن حبيب بن علي البحرين إن من أعظم النعم التي امتن الله سبحانه بها على عباده؛ تلك البيوت والمساكن التي يأوون إليها مطمئنين، ويستكنون بها عن أعين الناظرين، إنها تلك الدوحة التي يلوذ بها الإنسان؛ ليتخفف من نصب المعيشة اليومية، وينعم بقسط وافر من الخصوصية الفردية، فتسكن روحه، وتهدأ نفسه، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكنًا﴾ [النحل: ٨٠]. ولقد أحاطت الشريعة الإسلامية الغراء هذا السكن بسياج منيع من الآداب التي من شأنها أن تحفظ على أهله خصوصيتهم، وترعى حرماتهم، وتصون عوراتهم، وتمنع كل ناظر من أن تقع عينه على ما لا يحبذون اطلاع أحد عليه.

ء

ومن تلك الآداب: ذلكم الأدب الإسلامي الرفيع: الإنسان الشخصية، سواء ما كان متعلقًا بعورات الأبدان،

فلا تقع العين على ما لا يحل النظر إليه، أو متعلقًا بأحوال البيت الأسرية، والأوضاع الداخلية من مأكل ومشرب وهيئة يكون عليها المنزل، وغير ذلك مما يكره الإنسان اطلاع أحد عليه، فإن البيت للإنسان في ستر عورة ما وراءه، بمنزلة الثوب في ستر عورة جسده. تلك الآيات قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأذِنكُمُ ما صيغة الاستئذان؟ الّذِينَ مَلَكَتْ أْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْيَبْلُغُوا الْخُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]))(١). عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي: في قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ اْمَانُكُمْ﴾ قال: ليست منسوخة. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. قال: الله المستعان!٢. يقول الزمخشري ناعيًا على الناس في زمنه مبلغ هذا

أدب الاستئذان. وللأسف؛ فإن هذا الأدب وقع الإخلال به على مر الأزمان من فئام من المسلمين، إما لجهلهم به، أو تساهلهم وتفریطهم فیه، فعن ابن عباس /چ؛ قال: (ثلاث آيات محكمات لا يعمل بهن اليوم، تركهن الناس))، وذكر أولى

الأدب عندهم: ((وكم من باب من أبواب الدين هو عند فقال: السلام عليك يارسول الله، السلام عليكم، أيدخل

الناس كالشريعة المنسوخة، قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك، إذا رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله وَ لَه، ولكن أين الأذن الواعية؟!))٣. لم شرع الاستئذان؟

عن سهل بن سعد أن النبي و سلم قال: ((إنما جعل ولم يسلم، فليس بإذن يستحق به أن يؤذن له))٩.

الاستئذان من أجل البصر))٤.

يشير النبي وليّ في هذا الحديث إلى شيء من باسمه، أو كنيته، أو ما يعرف به؛ فعن جابر بن عبد الله

حِكَم هذا الأدب الإسلامي وفوائد الأمر به، فأعظم ذلك: صيانة الآداب الاجتماعية، ورعاية خصوصية (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف» (١٩٤١٩). [email protected]

عن ربعي؛ قال حدثنا رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبِي وَله وهو في بيت؛ فقال: ألج فقال النبي ◌َّ لخادمه: ((اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم، أأدخل؟)). فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ◌َّةٍ فدخل٥. عن عمر رَضِ لُنَّهُ أنه أتى النبي ◌َّل﴾ وهو في مشربة له،

عمر؟ ٦. فالسنة: أن يجمع بين السلام والاستئذان، وأن يقدم السلام٧، وقد أرشد إلى ذلك ◌َله بقوله: ((لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام)) ٨. قال ابن عبدالبر - رحمه الله -: ((فمن سلم ولم يقل: أأدخل، أو يدخل فلان، أو قال: أدخل، أو يدخل فلان،

وعلى الزائر إذا قال له ربُّ المنزل: من أنت؟ أن يصرح

قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): قال بعضهم: المرة ء الأولى من الاستئذان: استئذان، والمرة الثانية: مشورة، هل يؤذن في الدخول ام !؟، والثالثة: علامة الرجوع ولايزيد على الثلاث.

عدّ قال: أتيت النبي ◌َّ الَّ في دين كان على أبى، فدققت

كم مرة يستأذن؟ عن أبي سعيد الخدري رَضُلَّهُ قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت : استأذنت ثلاثًا، فلم يؤذن لي، فرجعت، وقال رسول اللّه ◌َلة: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له؛ فليرجع)) وفي لفظ: ((الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع)). فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة. أمنكم أحد سمعه من النبي وَلّ؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغرَ القوم، فقمت

الباب، فقال: ((من ذا)). فقلت: أنا، فخرج وهو يقول: معه، فأخبرت عمر أن النبي ◌َّه قال ذلك(١٥).

(أنا أنا !! )). كأنه كرهها١٠. قال ابن القيم - رحمه الله -: ((وكان هديه ◌َ له أن المستأذن إذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلان بن فلان،

وأكثر العلماء على عدم جواز الزيادة على الثلاث١٦، ويؤيد ذلك ما جاء عن أبي العلانية؛ قال: أتيت أبا سعيد الخدري، فسلمت، فلم يؤذن لي، ثم سلمت، فلم يؤذن

أو يذكر كُنيته، أو لقبه، ولا يقول: أنا، كما قال جبريل لي، ثم سلمت، فلم يؤذن لي، ثم سلمت الثالثة، فرفعت

للملائكة في ليلة المعراج، لما استفتح باب السماء؛ فسألوه من؟ قال: جبريل، واستمر ذلك في كل سماء سماء١١. وكذلك ما ثبت في (الصحيحين)) أن النبي وَ لفلما جلس في البستان، وجاء أبو بكر رَضِلُّنَهُ فاستأذن، فقال: ((من؟)). قال: أبو بكر، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: ((من؟)) قال: عمر، ثم عثمان رَضِلُّهُ كذلك ١٢. ولما استأذنت أم هانئ ◌ُيُ قال لها النبي وعَاله: ((من هذه؟)). قالت: أم هانئ بنت أبي طالب١٣. فلم يكره ذكرها الكنية ١٤. ء

صوتي وقلت: السلام عليكم يا أهل الدار، فلم يؤذن لي، فتنحيت ناحية فقعدت، فخرج إلي غلام فقال: ادخل، فدخلت، فقال لي أبو سعيد: أما إنك لو زدت-يعني على الثلاث- لم يؤذن لك١٧. وفي الحديث: أن لصاحب المنزل إذا سمع الاستئذان أن لا يأذن، سواء سلم مرة أم مرتين أم ثلاثًا، إذا كان في شغل له ديني أو دنيوي يتعذر بترك الإذن معه للمستأذن ١٨، ولا ينبغي للمستأذن أن يجد في قلبه على أخيه، أو يعتب عليه إذا لم يؤذن له، بل ولا ينبغي له ذلك حتى لوقيل له: ارجع؛ صراحةً، إذ الله تعالى يقول: ﴿فَإِنِ لِمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا (١٥) أخرجه البخاري (٦٢٤٥) ومسلم (٢١٥٣).

تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، فأشارت الآية إلى العذر فَإِن لم تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾، فربما كان في البيت صاحبه ولم يردّ على الزائر، أو لم يأذن له، فيصدق على المستأذن أنه لم يجد أحدًا. وأشارت إلى العذر التصريحي: ﴿وَإِن قِلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾. وفي كلتا الحالين؛ فالرجوع ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾؛ أي: أطهر لكم عما لا يخلو الإلحاح والوقوف على الباب عنه، من الكراهة والإحراج وترك المروءة، وأنفع لدينكم ودنياكم١٩، ولما فيه من الانقياد والطاعة لله ولرسوله وَ لَّه عن قتادة؛ قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كلّه هذه الآية، فما أدركتها، أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع. فأرجع وأنا مغتبط؛ على أمّهاتكم وأخواتكم ٢١. لقوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾. فأين الناس اليوم من هذا التحري في الامتثال والانقياد؟ !.

الضمنى: ﴿فر

ونحوه، كل ذلك مما يناقض هذا الأدب الإسلامي. هل يستأذن على محارمه؟ عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل رسول الله ◌َ له؛ فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: ((نعم))، فقال: إنها معي في البيت. فقال رسول الله ◌َ يليه: ((استأذن عليها)). فقال الرَّجل: إنّي خادمها، فقال رسول الله: ((استأذن عليها، أتحبُّ أن تراها عريانةً؟)) قال: لا، قال: ((فاستأذن عليها)) ٢٠. وقال

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الاستئذان من أجل البصر صته البني

عن عبد الله بن مسعودٍ رَضِيُّهُ: عليكم أن تستأذنوا

وسأل رجل حذيفة رَضِ ◌ّنَّهُ: أستأذن على أمي؟ قال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره٢٢. وعن عطاء؛ قال: سألت ابن عباس فقلت: أستأذن على

وبهذا نعلم أن ما يفعله البعض اليوم من الإلحاح أختي؟ فقال: نعم. فأعدت فقلت: أختان في حجري، بالوقوف، ومواصلة دق الباب أو الجرس، أو رفع الصوت وأنا أمونهما وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: نعم

أتحب أن تراهما عريانتين؟٢٣. قال ابن عبد البر - رحمه الله- عقب إيراده هذا الأثر عن ابن عباس: ((ولا يجوز عند أهل العلم أن يرى الرجل أمه، ولا ابنته، ولا أخته، ولا ذات محرم منه عريانة؛ لأن ابن عبد البر في «التمهيد)): (٢٢٦/١٦): ((مرسل صحيح مجتمع على صحة معناه)».

دل هذا الحديث: على أنه إذا انتفى المحذور من الانكشاف ونحوه، - كما لو كان الباب لا ينكشف على البيت مثلا-، فلا بأس باستقباله ٢٩، لكن تأمل معي -أخي المسلم - حرص أهل العلم على سنة المصطفى ◌َ﴾ ما أمكنهم ذلك، تأكيدًا منهم على تحقيق اتباعه وعَظله؛ يقول الملا علي القاري -رحمه الله -: ((والمعنى أنه إذا كان هناك باب، أو ستر يحصل به حجاب، فلا بأس بالاستقبال، لكن الانحراف أولى مراعاةً لأصل السنة، ولأنه ربما يحصل بعض الانكشاف عند فتح الباب، أو رفع الحجاب، كما لا يخفى على المرأة عورة فيما عدا وجهها وكفيها، ولا يحل النظر إلى أرباب الألباب))٣٠. عورة أحد عند الجميع، لا يختلفون في ذلك)) ٢٤. كيف يقف الزائر على الباب؟ لقد جاء بيان ذلك عن النبي مقل له من قوله وتوجيهه؛ کما جاء كذلك من فعله.

ـروز

لو اطلع إنسان على دار غيره بغير إذنه، فما الحكم؟ من اطّلع في بيت غيره دون إذن، ولو من ثقبٍ، أو كوّةٍ؛ فرماه صاحب البيت بحصاةٍ، أو طعنه بعودٍ فقلع عينه، لم يكن على صاحب البيت ضمان الأضرار الناتجة

أما من قوله وتوجيهه ◌َ له؛ فعن هزيل بن شرحبيل؛ عن ذلك، بل حتى لو جرحه، فساءت وتردت حاله حتى قال: جاء رجلٌ فوقف على باب رسول الله ◌َ لَ يستأذن، أدى ذلك إلى موته؛ فدمه هدرٌ، ولا قصاص عليه٣١؛ لما فقام على الباب -وفي روايةٍ: مستقبل الباب- فقال له جاء في ((الصّحيحين) عن أبي هريرة رَضِ لَّهُ أن النبي ◌َّ- النّبِيّ ◌َِّلّهِ: ((هكذا عنك، أو هكذا (٢٥)، فإنّا الاستئذان من قال: ((لو اطلع أحد في بيتك ولم تأذن له، فخذفته بحصاة،

ففقات عينه ما كان عليك جناحٌ)) ٣٢. وعن سهل بن سعدٍ أنّ رجلا اطلع في جحٍ من باب النّبِيّ ◌َ ◌ّه ورسول الله ◌َ ◌ٍّ يحكّ رأسه بمدرى(٣٣) في يده، فقال رسول الله ◌َله: ((لو أعلم أنّك تنتظرني لطعنت به في عينيك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر))(٣٤) . (٢٧) المراد بالتكرار التعدد لا الاقتصار على المرتين؛ فإنه كان من عادته التثليث ((عون المعبود)) (٩٠/١٤). (٣٣) هي آلة رفيعة من الحديد، تذكر وتؤنث. (٢٨) أخرجه أبو داود (٥١٨٦) وصححه الألباني.

النّظر))٢٦ وأما من فعله بَّهِ؛ فعن عبد الله بن بسرٍ؛ قال كان رسول الله ◌َ ﴾ إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: (السّلام عليكم، السّلام عليكم)) (٢٧)، وذلك أنّ الدّور لم يكن عليها يومئذٍ ستورٌ(٢٨).

(٣٤) أخرجه البخاري (٦٢٤١) ومسلم (٢١٥٦).