فإنها منتنة
الدكتور خالد بن عبد العزيز الجناحي البحرين
حديثي معكم في هذا العدد عن داء خطير: ابتليت به الأمة الإسلامية منذ زمن ليس بقريب، ولكنه - في هذا العصر - استفحل وانتشر في جسدها، حتى أصبح ينخر في جميع جسمها، فأنهكها وأجهد قواها، وجعلها مسرحًا للفرقة في الدين، والتنافر المشين ... إنه داء
الحزبية المقيت !!.
لقد ذكر الله تعالى الحزبية في القرآن الكريم فجعل أهلها فرقتين: فرقة ممدوحة؛ وهي: التي تحمل لواء الرحمن، وتتبع سبيل النبي الهادي إلى الجنان، وحزبها؛ الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونِ﴾ [المائدة: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْ لَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. والفرقة الأخرى مذمومة؛ وهي: التي تحمل راية الشيطان، وتتبع سبيله القائد إلى النيران، وحزبها الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. إن فكرة التكتلات الحزبية والنعرات الجاهلية لم يترك لها نبينا في عصره سبيلا تنفذ من خلاله إلى مجتمع الصحابة ◌ٌُّ؛ فها هو جابر بن عبد الله رَضِ لَُّةُ يحدثنا قائلًا: كنّا في غزاة، فكسع رجلٌ من المهاجرين
قال الإمام الألباني - رحمه الله -: طالب الحق يكفيه دليل، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل . الجاهل يتعلم، وصاحب الهوى ليس لنا عليه سبيل !
لقد أطفأ النبي ◌َّ له فتنة كادت تدب بين المهاجرين والأنصار بسبب الحزبية الجاهلية. وقد رسّخ نبينا الكريم في # مبدأ الحزب الواحد في أصحابه ◌ٌُ ونهاهم عن كلِّ ما يفضي إلى الافتراق، وينتهي بالشقاق، وقد حذا الخلفاء الراشدون حذوه وَ ل﴾ في هذا الأمر؛ فها هو أبو بكر رضيالله یحدث بعد وفاة رسول الله ◌َّله قائلًا: قام رسول الله عَليه العام الأول مقامي هذا، ثم بكى - أبو بكر -، ثم قال: ((لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا))(٢). فالرسول ◌َّةٍ وخلفاؤه من بعده لم يتركوا التحزبات
رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال والتكتلات وسيلة للوصول إلى غاياتٍ نبيلة - كما يزعم المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله وَّل الحزبيون -! ، بل على عكس ذلك تمامًا؛ لقد حذرنا
فقال: ((ما بال دعوى الجاهلية)). قالوا: يا رسول الله،
الشارع الكريم من الافتراق، ونهانا عن الشقاق؛ قال
كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال: تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ
((دعوها؛ فإنها منتنة))(١). (١) رواه البخاري (٤٩٠٥، ٤٥٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤).
(٢) أخرجه أحمد (٣١/١)، ورواه مرفوعًا البخاري (٤٩٠٥، ٤٥٠٧)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث أبي هريرة رَضِ لُنَهُ