عن أبي مدينة الدارمي قال: ((كان الرجلان من أصحاب النبي وَ له إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: ﴿وَالْعَصْرِ ﴾ إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴾﴾، ثم يسلِّم أحدهما على الآخر)). رواه أبو داود في ((الزهد))، والطبراني في (الأوسط))، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، وصححه الإمام الألباني في ((الصحيحة)) (٢٦٤٨)، وعلَّق عليه قائلًا: ((وفي هذا الحديث فائدتان مما جرى عليه عمل سلفنا الصالحِ رَضِ اللَّهُ عَنْهُم جميعًا: أحدهما: التسليم عند الافتراق. والأخرى: نستفيدها من التزام الصحابة لها. وهي قراءة سورة (العصر) لأننا نعتقد أنهم أبعد الناس عن أن يحدثوا في الدين عبادة يتقربون بها إلى الله إلا أن يكون ذلك بتوقيف من رسول الله وَ اله قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، ولم لا؟ وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليهم أحسن الثناء، فقال: ﴿وَالسَّيِقُونَ الْأَوَلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتِ تَجْرِىَ تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوَّزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. إن التزام الصحابة رَضِ اللَّهُ عَنْهُم بقراءة هذه السورة عند الافتراق على أمل اللقاء يدل دلالة واضحة أن هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رَحِمَةُ اللَّهُ: لو فكر الناس كلهم فيها، لكفتهم. وتأمل حكمة القرآن لما قال: ﴿إِنَّ اُلْإِنْسَنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ فإنه ضيق الاستثناء وخصصه فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّيْرِ﴾ فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح، وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر. ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل، وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كملت قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح، وانقاد
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
لأمر غيره له بذلك، وأمر غيره به من الإنسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين: علم بالحق، وصبر عليه، فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الإنساني من العلم النافع والعمل الصالح والإحسان إلى نفسه بذلك، وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاصَوْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّيْرِ﴾ إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةَ يَهْدُونَ بِأَقْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِعَايَتِنَا يُوقِنُونَ﴾ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. فإنه سبحانه قسم نوع الإنسان فيها قسمين: خاسرًا ورابحًا؛ فالرابح من نصح نفسه بالإيمان والعمل الصالح، ونصح الخلق بالوصية بالحق المتضمنة لتعليمه وإرشاده، والوصية بالصبر المتضمنة لصبره هو، فتضمنت السورة النصيحتين والتكميلين وغاية كمال القوتين، بأخصر لفظ وأوجزه وأهذبه وأحسنه ديباجة وألطفه موقعًا. أما النصيحتان؛ فنصيحة العبد نفسه، ونصيحته أخاه بالوصية بالحق والصبر عليه. وأما التكميلان؛ فهو تكميله نفسه وتكميله أخاه. وأما كمال القوتين؛ فإن النفس لها قوتان: قوة العلم والنظر، وكمالها بالإيمان، وقوة الإرادة والحب والعمل، وكمالها بالعمل الصالح، ولا يتم ذلك لها إلا بالصبر. فصار هاهنا ستة أمور: ثلاثة يفعلها في نفسه ويأمر بها غيره، تكميل قوته العلمية بالإيمان، والعملية بالأعمال الصالحة، والدوام على ذلك بالصبر عليه، وأمره لغيره بهذه الثلاثة، فيكون مؤتمرًا بها آمرًا بها متصفًا بها معلمًا لها داعيًا إليها، فهذا هو الرابح كل الربح، وما فاته من الربح بحسبه وحصل له نوع من الخسران، والله المستعان وعليه التكلان. ■
تطبيقات الآي باد
المكيفة الوادائد