ومعتزلة العصر الأستاذ الدكتور/ بسيوني المنفلوطي مصر طريقًا إلى العلم)، والخلاف في هذه المسألة من وجهين: أحدهما: مع البراهمة والسّمنيّة ... ومع النظامية٢؛ حيث قالوا: يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ، فإن الأخبار المتواترة لا حجة فيها؛ لأنها يجوز أن يكون وقوعها كذبًا، فطعنوا في الصحابة، وأبطلوا القياس في الشريعة ٣. وهذا القاضي عبد الجبار المعتزلي يعدّ ويبيّن الأدلة الشرعية حسب معتقده، فيقول -مقدّمًا العقل -: ((أولها: العقل؛ لأن به يميز بين الحسن والقبح؛ ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع)). ثم يقول: ((وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يدل على أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخّر، وليس الأمر كذلك؛ لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل)) ٤.

وعمرو بن عبيد المعتزلي يقول عن حديث رواه الأعمش بإسناده عن ابن مسعود، وهو حديث: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة ... )) الحديث: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذّبتُه، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدّقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبلته، ولو سمعت رسول الله حمدالله يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا٥. وانظر جرأتهم على الطعن في الصحابة رضي الله عنهم: عن يحيى بن سعيد قال: قلت لعمرو بن عبيد: كيف حديث الحسن عن سمرة؛ يعني في السكتتين في التكبير؟ فقال: ما نصنع بسمرة، قبّح الله سمرة٦. وقال معاذ بن معاذ لعمرو بن عبید: كيف حديث الحسن أن عثمان ورَّث امرأة عبدالرحمن بعد انقضاء العدة؟ فقال: إن عثمان لم يكن صاحب سنة٧. وكان عمرو بن عبيد يقول: لو

أن عليًّا وعثمان وطلحة والزبير شهدوا عندي على شراك نعل، ما أجزته٨. وعن واصل بن عطاء -مؤسّس الاعتزال- ((فلو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل، لم أحكم بشهادتهم)) ٩. والمعتزلة من أوائل من فتح باب رفض الحديث بالعقل، وتنقّص الصحابة رَضِاللَّهُ عَنْهُم والطعن فيهم، فكانوا شيوخ سوء للمستشرقين والعقلانيين الجدد الرافضين للسنة والإسلام. ولذلك تجد الكثير من الكتَّاب المعاصرين يتكلمون عنهم بالإعجاب والمديح، بزعم إحياء قيمة العقل والتفكر والتدبر، إلى آخر هذا الكلام! وقد تصدّى لهؤلاء الكثير من علماء السلف، ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَةُ اللَّهُ في كتابه: ((درء تعارض العقل والنقل)). وشيخ الإسلام الثاني ابن القيم رَحِمَةُ اللَّهُ في كتابه: ((الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)). وخطيب أهل السنة ابن قتيبة رَحِمَهُ اللَّهُ في ((تأويل مختلف الحديث)) للرد عليهم. وكلهم قرروا أن لا تعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فالمعقول الصريح موافق للشرع، متابع له كيفما أدير الأمر، وليس في صريح المعقول ما يناقض صحيح المنقول، وهو المطلوب.

ومن المعلوم أن أصل الإيمان تصدیق الرسول فیما أخبر، وطاعته فيما أمر، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أنه لا يجوز أن يكون ثمّ دليل لا عقلي ولا غير عقلي یناقض ذلك، وهذا هو المطلوب هنا)) (١٠). وقال: ((وهذا مما يبيّن أن ما جاءت به الرسل هو الحق، وأن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه))١١. وقال أيضًا: ((القول كلما كان أفسد في الشرع؛ كان أفسد في العقل؛ فإن الحق لا يتناقض، والرسل إنما أخبرت بالحق، والله فطر عباده على معرفة الحق، والرسل بعثت بتكميل الفطرة لا بتغيير الفطرة، قال تعالى: ﴿سَيِِّبِهِمْ ءَايَتِنَا فِى الْآَفَاقِ وَفِيَّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوْلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]، فأخبر أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة؛ لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتتطابق الدلالة البرهانية القرآنية والبرهانية العيانية، ويتصادق موجب الشرع المنقول والنظر المعقول)) ١٢. وقال: ((فما جاء به الرسول حق محض، يتصادق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، والأقوال المخالفة لذلك، وإن كان كثير من أصحابها (١٠) ((درء تعارض العقل والنقل)) ما يعرض، فما الظن بالعقل؟))١٤. (٢/ ١٤٩).

مجتهدين، مغفورًا لهم خطؤهم، فلا يملكون نصرها بالأدلة العلمية، ولا الجواب عما يقدح فيها بالأجوبة العلمية، فإن الأدلة العقلية الصحيحة لا تدلّ إلا على القول الحق، والأجوبة الصحيحة المفسدة لحجة الخصم لا تفسدها إلا إذا كانت باطلة؛ فإن ما هو باطل لا يقوم عليه دليل صحيح، وما هو حق لا يمكن دفعه بحجة صحيحة))١٣. ولذلك اتفق عقلاء أهل السنة وعلماؤهم على وجوب تقديم الشرع على العقل عند توهُّم التعارض: قال ابن القيم: ((لو قدر تعارض الشرع والعقل، لوجب تقديم الشرع؛ لأن العقل قد صدق الشرع، ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدق الشرع موقوف على كل ما يخبر به العقل، ومعلوم أن هذا المسلك - إذا سلك- أصح من مسلكهم، كما قال بعض أهل الإيمان: يكفيك من العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني کلامه، ثم يخلي بينك وبينه. وقال آخر: العقل سلطان ولّى الرسول ثم عزل نفسه؛ ولأن العقل دل على أن الرسول يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر؛ ولأن العقل يدل على صدق الرسول دلالة عامّة مطلقة، ولا يدل على صدق قضايا نفسه دلالة عامة؛ ولأن العقل يغلط كما يغلط الحس، وأكثر من غلطه بكثير، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام، ويعرض فيه من الغلط

صَدَارَقة 00

صَدَارَقة 07

وقال في موضع آخر: ((إن الله سبحانه قد تمم الدين بنبيه، وأكمله به، ولم يحوجه ولا أمّته بعده إلى عقل، ولا نقل سواه، ولا رأي، ولا منام، ولا كشوف، قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وأنكر على من لم يكتف بالوحي عن غيره، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّاً أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ اُلْكِتَبَ يُعْلَى عَلَيْهِذَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَيْكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فأقسم سبحانه بنفسه أنا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمه، فلا يبقى منها حرج، ونسلّم لحكمه تسليمًا، فلا نعارضه بعقل ولا رأي ولا هوى ولا غيره، فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. وهذا نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى الله وحده، وهو الحاکم فيه على لسان رسوله، فلو قدّم حكم العقل على حكمه، لم يكن هو الحاكم بوحيه وكتابه، وقال تعالى: ﴿أَّعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَآءَ ﴾ [الأعراف: ٣].

كم

فأمر باتباع الوحي المنزل وحده، ونهى عن اتباع ما خالفه، وأخبر سبحانه أن كتابه بيّنة وشفاء، وهدى ورحمة، ونور وفضل، وبرهان وحجة وبيان، فلو كان في العقل ما يعارضه ويجب تقديمه على القرآن، لم يكن فيه شيء من ذلك، بل كانت هذه الصفات للعقل دونه، وكان عنها بمعزل، فكيف يشفي ويهدي، ويبين ويفصل ما يعارضه صريح العقل؟!))١٥. وقال أيضًا: ((إنه إذا قدر تعارض العقل والكتاب، فرد العقل الذي لم تضمن لنا عصمته إلى الكتاب المعلوم العصمة هو الواجب)) ١٦. ومن المعلوم أن المعقولات لا تقع تحت ضابط، فما ثبت بالعقل وحده يمكن نقضه بالعقل؛ لأن العقول تتفاوت وتتباین درجاتہا ومستوياتها، ولا منجى من ذلك إلا بالاعتصام بالوحيين. ومن شعر ابن القيم ردًّا على أولئك١٧: فعلى عقولكم العفاء فإنكم عاديتم المعقول والمنقولا = وطلبتم أمرًا محالا وهو إد راك الهدى لا تبتغون رسولا وزعمتم أن العقول كفيلة بالحق أين العقل كان كفيلا وهو الذي يقضي فينقض حكمه عقل ترون كليهما معقولا وتراه يجزم بالقضاء وبعد ذا يلفى لديه باطلا معلولا لا يستقلّ العقل دون هداية

بالوحي تأصيلا ولا تفصيلا كالطرف دون النور ليس بمدرك حتى يراه بكرة وأصيلا

وإذا الظلام تلاطمت أمواجه وطمعت بالإبصار كنت محيلا فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها فالعقل لا يهديك قطّ سبيلا نور النبوة مثل نور الشمس للـ عين البصيرة فاتّخذه دليلا طرق الهدى مسدودة إلا على من أمّ هذا الوحي والتنزيلا فإذا عدلت عن الطريق تعمّدًا فاعلم بأنك ما أردت وصولا يا طالبًا درك الهدى بالعقل دو ن النقل لن تلقى لذاك دليلا وعليه نقول: إن موقف المعتزلة وأفراخهم من العقلانيين الجدد تلاميذ المستشرقين من اليهود والنصارى من السنة هو موقف المتنكر الشاك؛ فالعمدة عندهم على عقولهم الكاسدة وأصولهم الفاسدة: منه تقديم العقل على النقل، وقد غالوا في القول بالتحسين والتقبيح العقلي، فقالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث إليهم رسول، وقد سمعت بعض غلاتهم يقول في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى تَبَّعَثَ رَسُولًا﴾ قال: الرسول هو العقل !! ومن بدهيات أهل السنة والجماعة -نصرهم الله- أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وإذا وجد ما يوهم التعارض، فإما أن العقل لم يفهم، وإما أن النقل لم يثبت. ■

كيف فهم الصحابة رَضِّ اللَّهُ عَنْفُرُ الإخوّة في الإسلام؟

لقد آخى الرسول وَّ بين المهاجرين والأنصار، ومن أمثال الأخوة التي جرت بين الصحابة رَضِاللَّهُ عَنْهُم التآخي بين عبد الرحمن بن عوف

وسعد بن الربيع رَضِاللَّهُ عَنْهُمَا.

وقصة المؤاخاة بينهما كانت مشاركة بالمال والمتاع والبيت؛ إلا أن عبد الرحمن بن عوف قد اقتصر طلبه على معرفة طريق السوق فقط، فقد روى البخاري: لما قدموا المدينة آخى رسول اللّه وَلِّ بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، قال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال النبي وعَلّة: مهيم؟ قال: تزوجت، قال: كم سقت إليها؟ قال:

نواة من ذهب. ■

OV

مَكَرَقّة ٥٨