أيضًا في الحياة الدنيا، ولأجل ذلك كله ينبغي أن تكون الأسرة المسلمة متميزة وسعيدة، ومما يحقق ذلك في الحياة الدنيا وتجني ثماره في الآخرة:

١- المعاشرة بالمعروف: قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فالزواج إذا قام على العشرة بالمعروف وطاعة الله؛ تولى الله التوفيق بين الزوجين، أما إذا بني على معصية الله؛ فإن الشيطان هو الذي يتولى التفريق بينهما. وإذا أطاع المسلم ربه؛ ألهمه الحكمة، فعاش مع زوجته حياة سعيدة، وإذا عصى المسلم ربه ألهمه الحمق والعجلة، فكم من إنسان يحفر قبره بيده، ويهدم سعادته بيده؛ لإنه حينما ينقطع عن الله عز وجل يحرم من الحكمة.

٢- الأسرة حقوق وواجبات: قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلْزِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وكما أنك تحب أن تحترم أهلك، هي أيضًا تحب أن تحترم أهلها، وكما تحب أن تراها بمظهر أنيق، هي أيضًا تحب أن تراك بمظهر أنيق، وكما تحب أن تكون صادقة معك، فهي أيضًا تحب أن تكون صادقًا معها، وكما تحب أن تقدر شعورك، فهي أيضًا تحب أن تقدر شعورها.

ورحم الله ابن عباس رَضِ لَّهُ عَنْهُمَا فقد قال: ((إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنطف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها علي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ "اُلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِّ﴾))(١). الدرجة التي للزوج؛ هي: درجة القيادة؛ لأن الزواج والبيت مؤسسة لا بد لها من قائد واحد، وصاحب قرار، لكن الزوج ينبغي أن يستشير زوجته أحيانًا، بدليل قول الله عز وجل: ﴿وَأَتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]. وَله في الحديبية استشار أم سلمة، وأشارت عليه، ونفَّذ استشارتها، وحلت المشكلة؛ لذا ينبغي أن تستشيرها، وتستشيرك، وتتبادلا الآراء، ولكن هذه المؤسسة تحتاج إلى صاحب قرار، فالله عز وجل يقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَّكَّلْ عَلَى اُللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فهذه الدرجة درجة القرار؛ لأن الذي يراه الزوج قد لا تراه الزوجة، والذي يعرفه الزوج من الظروف المحيطة بالبيت، قد لا تعرفه الزوجة، أما أن يظن الزوج أن له كل شيء، وليس لها شيء، فهذا جهل فاضح في (١) أخرجه البيهقي، وابن أبي شيبة، والطبري في ((تفسيره)) بإسناد صحيح.

بل إن النبي

حقوق الزوجة.

٣- فهم حق القوامة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣٤]، قوامون: جمع قوام، وهي صيغة مبالغة تعني: شديد القيام، والقوامة ليست سيطرة، وعنجهية، واستعلاء، واستبداد، وتعسف، بل قوامة الرجل جهد كبير في داخل البيت وخارجه: متابعة للأمور، تصحيح للمسار، تصويب للأخطاء؛ هذه قوامة الرجل، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أناط مسؤولية الأسرة بالرجل؛ لأنه - بحسب تكوينه الفكري والجسمي والاجتماعي والنفسي - أقدر على قيادة هذا المركب من الزوجة، فلذلك حينما يقول الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؟ بمعنى: أنهم يتحملون مسؤولية سلامة هذه الأسرة ورعايتها. ولسان حال الزوج يقول: لست خيرًا من واحد من أسرتي، ولكنني أثقلهم حملاً؛ هذا معنى قوامة الزوج: ﴿اَلِجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ وَبِمَاً أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]؛ فهي تكليف، وليست تشريفًا، هي إشراف، وخدمة، وحرص، ودأب، وجهد، وسعي، وليست استعلاءً وغطرسة، وتحكمًا، وتعسفًا، واستبدادًا.

٤- إصلاح العلاقة مع الله عز وجل: إذا أصلحت علاقتك مع الله، أصلح الله معك كل شيء؛ حتى كان الفضيل بن عياض رَحِمَةُ اللَّهُ يقول: ((إني لأعصي الله؛ فأعرف ذلك في خلق حماري وامرأتي))(٢)؛ إذا كانت علاقة الزوج بالله قوية، يلهم الله الزوجة أن تنصاع له، وتعتني به، وتحبه وتكون في خدمته، فأعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي وأهل بيتي؛ قال تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. عندما تطبق منهج الله عز وجل تكون كبيرًا في نظر زوجتك، وذا هيبة كبيرة، وعندئذ تنصاع لك، وتتودد إليك، وتتقرب منك، وإذا صلحت العلاقة مع الله صلح معك كل شيء.

٥- الاهتمام بالمشاعر الإنسانية:

أ- الثناء والمديح من الزوج لزوجته في ترتيب البيت، أو اختيار أصناف الطعام، أو إتقان الطبخ، وكذلك لبسها وعطرها، وأسلوب تربيتها لأولادها، أو أسلوب تعاملها مع الآخرين، كل هذا مما يدخل السرور والسعادة على نفسها، وقد ذكر الرسول وقلله في الحديث أن من أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على (٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية))، وابن الجوزي في ((صفوة الصفوة)) بإسناد صحيح.

مسلم، فكيف بمن هي أحب الناس إليه وهي زوجته؟ فليحتسب الزوج كل هذا عند الله سبحانه وتعالى.

ب - الكلمة الطيبة والابتسامة المشرقة لها أثر عظيم في إسعاد الزوجة؛ كما قال الرسول وَالله: ((الكلمة الطيبة صدقة))٣، وقال ◌َله: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)) ٤، فكيف بالزوجة، فإن الأجر أعظم، وكم لهذه الابتسامة من الزوج من أثرٍ على نفسية الزوجة، وكم من الكلمات الطيبة التي تسعد الزوجة، وتزيل آلامها، وتشحذ همتها لمواصلة الجهد في إسعاد هذه الأسرة.

ج - إذا أردت أن تعاتب أو تعاقب، فلا تنفعل أمام الآخرين - والأبناء على وجه الخصوص - ولا توجه إليها ألفاظًا قد تجرح مشاعرها، أو تقارنها بغيرها من النساء، واعلم أن مشاعر المرأة مثل الزجاج: شفّافة، حسّاسة، سهلة الخدش والكسر؛ لذلك قال وَّةُ: ((رفقًا بالقوارير)) ٥.

د- تقديم الهدية المناسبة للزوجة تعبيرًا عن حبه لها، وتقديره لها؛ مما يقوي أواصر المحبة بين الزوجين، وقد قال رسولنا الكريم مقلية: ((تهادوا

تحابوا)) ٦. هـ - حفظ السر: فكل من الزوجين أمين على أسرار الآخر: يجب عليه حفظها، وعدم إفشائها، ومن أعظم هذه الأسرار وأشدها: أسرار الجماع، وما يجري بين الزوجين في الفراش. وقد وصف النبي وَّ الزوج أو الزوجة الذي ينشر الأسرار الزوجية بأنه شيطان؛ فعن أبي هريرة رَضِ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله وقليلة: «هل منكم رجل أتى أهله، فأغلق عليه بابه، وألقى عليه ستره، واستتر بستر الله؟))، قالوا: نعم، قال: ((ثم يجلس بعد ذلك، فيقول: فعلت كذا، فعلت كذا))، فسكتوا، ثم أقبل على النساء، فقال: «متكنَّ من تُحدِّث؟)) فسكتن، فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله وَ له؛ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله، إنهم ليحدثون، وإنهن ليحدثن، فقال: ((هل تدرون ما مثل ذلك؟ إنما مثل ذلك، مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السكة، فقضى حاجته والناس ينظرون إليه))٧.

بل بيَّن أن مفشي سر زوجه من أشر الناس منزلةً يوم القيامة؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َيَّة: ((إن من أشر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة، الرجل يفضي إلى المرآة وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) (٨).

و - التعاون في الأعمال المنزلية: مساعدة الزوج زوجته في أعمال البيت اقتداءً بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولو بالقليل يضفي على جو البيت بهجة، ويسعد الزوجة، ويشعرها بتقدير زوجها لها، فيسعدان معًا بهذه المشاركة؛ عن عمرة قال: قيل لعائشة رَضِ اللَّهُ عَنْهَا: ما كان رسول الله

(٨) رواه مسلم.

وَلا يعمل في بيته، قالت: ((كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه))٩ .

٦- الحكمة في حل المشكلات: الأصل الوقاية من الوقوع في المشكلات؛ لكن لنفترض أن الوقاية لم تنجح، وأن الخلاف بين الزوجين قد وقع بالفعل، فماذا عساه يفعل الزوج لحل هذا الخلاف والقضاء على هذه الأزمة؟! هنا تكون الأسوة بالنبى وقّله واجبة وضرورية؛ فإننا سنرى مدى حكمة النبي ◌َّ وطريقته في حل الخلافات الزوجية.

٩ أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))، وابن حبان وصححه الألباني.

١٠ أخرجه أبو داود وأحمد وصححه الألباني.

من الأحاديث المشتهرة بين الرجال: ((شاوروهن وخالفوهن)). وهو حديث لا أصل له؛ كما نص على ذلك علماء الحديث مثل

السخاوي والسيوطي والمناوي وغيرهم.

عن النعمان بن بشير رَضِاللّهُ عَنْهُمَا؛ قال: ((استأذن أبو بكر رَضِ اللَّهُ عَنْهُ على النبي ◌َّ فسمع صوت عائشة عاليًا، فلما دخل تناولها ليلطمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله وَلَه. فجعل النبي وَيُّه يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي ◌ِّ حين خرج أبو بكر: كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ قال: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله وَله، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما، كما أدخلتماني في حربكما. فقال النبي وَجّ: قد فعلنا، قد فعلنا)) ١٠. ■

ويؤكد بطلانه أن مبدأ المشاورة في الحياة الزوجية جاء في القرآن نصَّا: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضِ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وفي السنة النبوية العملية تطبيقًا؛ فقد شاور رسول الله وقّاللّ أم المؤمنين أم سلمة رَضِاللَّهُ عَنْهَا يوم الحديبية، وعمل بمشورتها وقولها.

عرف المسلمون نظام إدارة الأزمات والبحث العلمي الدقيق في السيرة النبوية العطرة حيث سيجد الإنسان ما لا يعد ولا يحصى من أصول منهجية لعلم إدارة الأزمات، وحين تحل الأزمات والفتن يختلط الحق بالباطل وتعمى الأنباء على عامة الناس؛ فيأتي دور أهل العلم في تمييز ذلك، وبيان الحكم فيه، واتخاذ المواقف العملية لقيادة الناس، ولذلك أمر الله تعالى بالرجوع إلى أهل العلم في الأزمات؛ فقال: ﴿وَإِذَا جَلَّ هُمْ أَقْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّهِ وَلَوَّ رَدُّوهُ إِلَى الَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. وقد طبق أصحاب النبي وّ هذا المنهج عمليًّا وهم يتجهون لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وينصتون له حين خاض الناس في أمر وفاة النبي وَّةٍ، وما إن سمعوا كلامه حتى انصرفوا موقنين !! ودونك نماذج من إدارة الأزمة في السنة النبوية:

١ - غزوة الأحزاب مظهر من مظاهر أزمة تناولها القرآن الكريم مبينًا آثارها على نفوس من تعرض لها بقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُ وَكُمْ قِّن فَوَقِكُ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ

الدكتور عبد الكبير الإدريسي - المغرب

اللّه لِـ

وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَدِرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اُلْحَتَاجِرَ وَتَظُونَ بِاللَّهِ اُلُّئُونَأْ ﴿ هُنَالِكَ أَبْتُلِ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْوَالَا شَدِيدَا﴾﴾ [الأحزاب:

١٠ - ١٢]، وقد جمعت الغزوة بين عدة عوامل للقلق؛ فهي: من جهة تضم عدوانًا ثلاثيًّا خارجيًّا يجمع قوى الكفر في الجزيرة ممثلة بقريش واليهود والأعراب، ومن جهة ثانية حدثت ثغرة داخلية إذ تآمر المنافقون ويهود بني قريظة مع الأعداء، وقد واجه المسلمون الأزمة بأمور منها:

أ- الإفادة من قدرات المجموع، وتهيئة الأجواء، ليعطي أفراد الفريق كلهم ما عندهم: ويتضح هذا في الإفادة من اشتراك جميع الصحابة رَضِاللَّهُ عَنْهُم داخل المدينة في حفر الخندق.

ب- تحديد الهدف، والموازنة الموضوعية بين البدائل المتاحة، واختيار أقربها إلى حل الأزمة وتحقيق مصلحة الأمة فيما لا يخالف الشريعة الإسلامية. وهذا ما فعله النبي وَل عندما جمع أصحابه في غزوة الخندق يأخذ رأيهم، فعرضوا عليه آراءهم.

وهذه مهارة يحتاج إليها الإداري لينتفع بخبرات جميع الفريق؛ بحيث تتجمع عنده الخبرات وتتراكم، ويتمكن بهذا التراكم أن ينهض بهم، فالأمم تنهض بالإدارة أكثر من نهضتها بوفرة الموارد، وفي قصة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عندما تولى إدارة خزائن مصر الاقتصادية أكبر برهان وأنصع دليل. وقد تكون الخبرات موجودة في مؤسسة ما، ولكن بسبب انعدام الإدارة لا يستفاد منها، وأحيانًا تتحول إلى عنصر معيق بسبب عدم التنظيم والتنسيق بين الجهود.

٢ - غزوة حنين بعد فتح مكة جمعت قبيلة هوازن رجالها لقتال رسول الله وَ﴾ في وادي حنين، فخرج رسول الله وح له ومعه ألفان من أهل مكة (الطلقاء) وعشرة آلاف من أصحابة رَضِاللَّهُ عَنْهُم الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفًا .

فلما استقبلوا وادي حنين انحدروا في وادٍ من أودية تهامة في عماية الصبح؛ قال جابر: وكانوا قد سبقونا إليه، فكمنوا في شعابه ومضايقه قد تهيؤوا، فوالله ما راعنا إلا الكتائب قد شدوا علينا شَدَّةَ رجل واحد، فانشمر الناس

راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله ذات اليمين، ثم قال: ((أيها الناس، هلموا إليَّ أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله))(١). وبقي معه نفر قليل من المهاجرين وأهل بيته؛ فاجتلد الناس، فوالله ما رجعت الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى عند رسول الله، وكانوا حين رأوا كثرتهم؛ قالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، فوقع بهم ما وقع ابتلاءً من الله لقولهم ذلك. ومن هذا الموقف النبوي يستفاد عدة دروس في إدارة الأزمة:

أ- الثبات وعدم الاضطراب: کما فعل الرسول صل﴾ في حنين، إذ انسحب جمع من الجيش المسلم أمام خطة هوازن، ففر الصحابة رَضِ لَّهُ عَنْهُم من هول المفاجأة وشدة صَلى له واستطاع بثباته أن يعيد تجميع جيشه وفريق عمله لمواجهة الأزمة. في رواية البخاري: فنزل واستنصر، ثم قال: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، ثم صف أصحابه)) (٢). من خلال هذا الموقف تلاحظ أهمية ثبات القائد، وأن مصدر (١) أخرجه أحمد (١٥٠٢٧). (٢) أخرجه البخاري (٣٠٤٢).

النبل، وهنا صمد النبي

الثبات اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء والاعتماد عليه، وكيف انعكس هذا الثبات على تجميع أصحابه رَضَِّ اللَّهُ عَنْهُم بعد أن تشتتوا وكادوا يخسرون المعركة. وأيًّا ما كان السبب؛ فلا يجوز في مبادئ إدارة الأزمة: أن نفسر الهزيمة بأننا لم نكن نتوقع أن يهاجم العدو بهذه الشراسة؛ فهذا تسبيب مرفوض في الفكر الإداري، والحل العلمي أن تواجه المشكلة لا أن تلقي الخطأ على الآخرين، وأن تكون القيادة تتمتع بالكفاءة وشجاعة القلب. فالمرؤوسون بحاجة لأن يروا أمامهم قدوة، والقائد يمتاز بأنه يشيع الطمأنينة بين الأفراد، وهذا ما نلحظه في موقف النبي بقلم: في وسط المعركة ينادي بصوته: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)) ٣.

ب- تشجيع الفريق والرفع من معنويات العاملين وقت الأزمات: مما يدفعهم للعمل بحماس وحيوية، وهذا ما نلحظه في نداء النبي ◌َّيّة: ((يا أهل الشجرة: يا أهل سورة البقرة)): يعني شجرة الرضوان التي بايعوا تحتها، فذكرهم ببيعته لهم هناك على أن ٣ انظر ((منهاج السنة النبوية)) (٨/ ٧٨).

الَّدَارقة εμ

الَاق ٤٤

لا يفروا وعلى الموت ٤، فثبتوا ونجحوا في اجتياز الأزمة. ولما سمع الصحابة رَضِاللَّهُ عَنْهُم هذا النداء الخالد عادوا كما تعود المرضع لصغيرها، وهكذا يتضح أن هذه المهارة التي امتلكها النبي وَالاله كانت فاعلة، ومكنته من مواجهة الأزمة وتحويل الهزيمة إلى نصر.

ج - مكافأة المحسن: ومن ذلك أن النبي وَّ بعد الغزوة أعلن عن مكافأة لمن ثبت وصمد؛ فقال: ((من قتل قتيلًا له علیه بينة؛ فله سلبه))٥ وهذا تدبير إداري مرتبط بفكرة المكافأة. ومن النصوص الفقهية في موضع التشجيع؛ قولهم في بيان ما يلزم الإمام: ((ويرفق بجيشه في السير، ويعد لهم الزاد، ويقوي نفوسهم بما يخيل إليهم الظفر))٦.

د- معالجة الرسول للأزمة الناشئة بعد توزيع الغنائم في أعقاب حنين: بعد الانتصار الباهر في معركة حنين نال المسلمون غنائم وفيرة تطلعت لها مطامع الناس، لكن رسول الله أعطى المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافًا من أشراف الناس يتألفهم ويتألف بهم قومهم، ولما أعطى رسول الله وَليل ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء، فوجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم: لقد لقي -والله- رسول الله وَل قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة؛ فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم؛ لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت: قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل

صَلَىاللّهِ وسلم

العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شىء، قال: ((فأين أنت من ذلك يا سعد؟))، قال: يا رسول الله! ما أنا إلا من قومي؛ قال: ((فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة)). وتلحظ أن النبي يعمل على تحليل هذه المعلومات ومتابعتها ومعرفة حقيقتها؛ فهو يريد أن يعرف موقف سعد بن عبادة؛ ليعرف القوى المحركة للفكرة، وما حجم التيار المعترض، ثم العمل على إحباط الأزمة، واتقاء نتائجها. فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله وَ الآله فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((يا معشر الأنصار! ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا؛ فهداكم الله، وعالة؛ فأغناكم الله، وأعداء؛ فألف الله بين قلوبكم!)). قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال: (ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟))، قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل.

وَالخلية: هنا

قال وَاله: ((أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبًا؛ فصدقناك، ومخذولاً؛ فنصرناك، وطريدًا؛ فآويناك، وعائلًا؛ فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؛ ألا ترضون يا معشر الأنصار: أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده؛ لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا؛ لسلكت شعب الأنصار: اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار)). قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله وَلة، وتفرقوا. لاحظ كيف واجه الرسول وَ لخلة اعتراض الأنصار وحاورهم ولم يرض بسكوتهم أول مرة، فالنفوس تهاب الزعيم، ولهذا يقولون بأدب: لله ورسوله المن والفضل، وكان بإمكان الرسول وَ لّ أن يستند إلى سكوتهم المشوب بالخجل؛ ليسوغ تصرفه بالغنائم، لكنه وَلا يحاورهم ويقر لهم

بالفضل؛ ليكون سكوتهم عن رضا وارتياح، وتكون العلاقة بين القيادة والرعية مستندة إلى الرضا لا إلى الخوف أو الخجل. عوامل إدارة الأزمات: أولًا: الثبات والتثبت: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ﴾ [الأنفال: ٤٥]، فالأزمات عواصف تهز الأمة ولا بد للأمة من تثبيت، والقلوب الضعيفة عرضة للمد والجزر ولجذب الشياطين. وتذكر قصة النبي صاحبه أبي بكر الصدّيق في الغار، وثباته على المحنة وشدة البلاء في قوله وَالية: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما))، وقوله: ((لا تحزن إن الله معنا))٧.

ثانيًا: تثبيت العلماء: والعلماء بشر تعصف بهم الفتن كما تعصف بالناس، ويرتفع الإيمان وينخفض وتشتد العزيمة وترتخي، فكن مع العلماء، وإذا كانت كلمة العلماء تعني شيئًا وقت الرخاء؛ فهي أعظم وقت الأزمة، ومن ذلك الأعرابي الذي ثَبَّتَ الإمام أحمد زمن المحنة؛ فقال له: يا أحمد إن يقتلك الحق متَّ شهيدًا، وإن ٧ أخرجه البخاري (٣٦١٥)، ومسلم (٢٠٠٩).

وَاخر مع

عشت عشت حميدًا فقوي قلبي، فلم تكن هناك كلمة أقوى منها في قلب الإمام أحمد.

ثالثًا: ترسيخ الإيمان: ينبغي بث الإيمان في القلوب عند الأزمة؛ لأمور منها:

أ- في الأزمة تقبل القلوب على خالقها، وعلى العلماء أن يضخوا في القلوب معاني الإيمان والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة والتوبة.

ب- أن الأزمة لا تخلو من فتنة وظلمة وتيه، وفي الإيمان نور وغيث وهداية، ولذلك الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر والفزع إليها عند الفتن: وهذا ما أرشد إليه النبي وَّ وفعله وأكد عليه بقوله: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) (٨).

ت- أن الإيمان أمان؛ فالله تبارك وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، فبقدر الإيمان تكون المدافعة، وبقدر الإحسان تكون المعية، وبقدر العبادة تكون الكفاية.

رابعًا: توضيح الدين: في الأزمات يكثر السؤال والقيل والقال، ويفجر الموقف الواحد ألف سؤال وسؤال، وتلتفت الأمة إلى العلماء؛ ليسمعوا الكلمة، والكلمة (٨) أخرجه مسلم (٢٩٤٨).

سَكَاقة ٤٥

هنا غالية، قد تكلف الإنسان رأسه، وحينئذ فلا بد من القيام الله بتوضيح الدين خاصة إذا مست الأمة في عقيدتها وشوش التوحيد وهمشت الثوابت ونطق الرويبضة، وقد تكون المسألة بغاية الوضوح وقت الرخاء، فإذا وقعت الواقعة فكأنما غشيتها غمامة؛ ولا يكفي مجرد التنظير لهذه المسائل، بل يجب تنزيل هذه الأحكام الشرعية على ما يلائمها من الواقع بكل رسوخ وتحقيق كما فعل علماؤنا الأفاضل.

خامسًا: استنهاض الهمم: على الأمة أن تستنهض هممها، وأن تشكلها، بل تفجرها تفجيرًا؛ لأن السيوف والقنابل قبل أن تقصف الرؤوس تقصف النفوس، واستنهاض الهمم بالآي والحديث وبالموقف الشجاع؛ كما فعل عبد الله بن رواحة رَضَِّ اللَّهُ عَنْهُ في مؤتة؛ شجع الناس، وأيقظ هممهم، وذكرهم أنه: إما الشهادة أو النصر، فقال الناس: والله صدق ابن رواحة، وتأمل كيف واجه المظفر قطز رَحِمَةُ اللَّهُ التتار في معركة عين جالوت وشجع الناس، وسما بهممهم حتى هزموا الأعداء شر هزيمة.

سادسًا : تجميع الصفوف: نحتاج إلى رص الصفوف والقلوب والجهود، ونحتاج إلى نشر أدب الخلاف وفقه الأخوة مع قاموس نظيف للألفاظ، ونحتاج إلى النصح والتصحيح وبيان الحق والصبر على ذلك، فالمقصود الاجتماع على الحق، والله يقول: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وأول ما نحتاج إلى الالتفاف حوله ورص الصف معه العلماء العاملون، والدعاة الصادقون. نحتاج إلى ترشيد الجهود، إلى التسامي عن المعارك الهامشية حول اسم أو رمز أو المجادلة عن حظ النفس باسم الدفاع عن الدين أو الأنانية الفكرية الضيقة في ((أنا)) الفردية أو ((نحن)) الحزبية.

سابعًا: تفعيل الأمة كل الأمة: العمل للأمة واجب الجميع؛ لأنها أزمة الجميع، ولأننا نحتاج كل الطاقات، وهي أوسع من فئة أو أفراد صالحين، نحتاج إلى إيقاظ الأمة؛ ونحتاج إلى تجييش الأمة، ونحتاج إلى التغاضي عن الخلافات وتأجيل الخصومات الداخلية.

ثامنًا: إلى الله: إلى الله وحده؛ فالخير بيديه وحده، والشكوى إليه وحده، والأمر منه وإليه وحده. إلى الله بالدعوات واللهفات والاستغاثات، بقنوت وصلوات، بقائمة من الأدعية حال الفتن والكرب وخوف الأعداء نحفظها ونحفّظها أبناءنا ومن وراءنا. فهذا قتيبة بن مسلم سأل عن محمد بن واسع يوم قتال الترك؛ فقيل له: هو ذاك في الميمنة جامع على قوسه يبصبص بأصبعه نحو السماء، فقال قتيبة: تلك الأصبع أحب إلي من مئة ألف سيف شهير وشاب طرير. صدق قتيبة وبر، وكأنه يستبطن أحاديث رسول الله وع الجّ عن سعد بن أبي وقاص رَضِ اللَّهُ عَنْهُ أن رسول الله وَ له قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) ٩. وعن أبي الدرداء رَضِ اللَّهُ عَنْهُ قال رسول الله وَله: ((أبغوني ضعفاءَكم؛ فإنكم ترزقون وتنصرون بضعفائكم))١٠. فدعاء الضعفاء سهم لا ينسى وإخلاصهم وعد لا يخيب !! ■

عن عثمان بن عفان رَضِ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول اللّه ◌ُعَلَّه: ((ما من عبد يقول : -في صباح كل يوم ومساء كل ليلة -: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم - ثلاث مرات-؛ فيضره شيء)).

((صحيح ابن ماجه)) (٣١٣٤).

عن أبي هريرةُ رَضِ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي وَّة قال: ((ما من دعوة يدعو بها العبد أفضل من: اللهم إني أسألك المعافاة في الدنيا والآخرة)). ((صحيح الجامع)) (٥٧٠٣).

عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قال لأبيه: يا أبت إني أسمعك تدعو كل غداة: ((اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت: تعيدها ثلاثًا حين تصبح، وثلاثًا حين تمسي، فتدعو بهن)). فقال: ((إني سمعت رسول اللّه وَلٍ يدعو بهن؛ فأنا أحب أن أستن بسنته)). ((صحيح أبي داود)) (٥٠٩٠).