عبد الرحمن شيخ الإمام مالك رَحِمَةُ اللَّهُ، فقال له رجل: ما يبكيك؟ فقال: ((استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. قال: ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق))٢. قال ابن القيم رَحِمَةُ اللَّهُ معلقًا: ((قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام من لا علم عنده على الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة، وسوء السيرة، وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب؛ فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب))٣. فماذا نقول نحن لو وقف ابن القيم رَحِمَةُ اللَّهُ على الفتاوى الشاذة لبعض المعاصرين المتفيهقين من أهل الحيل، أصحاب الأجور العالية من أعضاء الهيئات الشرعية المصرفية؟ إن خطورة فساد الفتاوى كبيرة، وآثارها على الأمة عظيمة، والتحذير منهم أمر واجب على أهل العلم، فإذا تركوهم أفسدوا البلاد والعباد. وأذكر هنا جملة من الأقوال لأبي حامد الغزالي رَحِمَةُ اللَّهُ المتوفّى سنة (٥٠٥هـ) يبيّن فيها حال مشايخ عصره بكل صراحة وشفافية، في حين يتجنب -وقد لا يجرُؤ- مشايخ عصرنا من ذكرها، مع علمهم بحال مشايخ الخمس نجوم المنتشرين على جميع القنوات الإعلامية والمتسلقين على المنابر وكراسي الفتيا، والله المستعان:
- إن الأطباء هم العلماء، وقد مرضوا في هذه الأعصار مرضًا شديدًا، عجزوا عن علاجه، وصارت لهم سلوة في عموم المرض، حتى لا يظهر نقصانهم! فاضطروا إلى إغواء الخلق والإشارة عليهم بما يزيدهم مرضًا! لأن الداء المهلك حب الدنيا، وقد غلب هذا الداء على الأطباء! فلم يقدروا على تحذير الخلق منه، استنكافًا من أن يقال لهم: ما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم؟! لهذا السبب عمّ على الخلق الداء! وعظم الوباء! وانقطع الدواء! وهلك الخلق لفقد الأطباء، بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء! فليتهم إذْ لم ينصحوا لم يغشُّوا! وإذْ لم يصلحوا لم يفسدوا! وليتهم سكتوا وما نطقوا! - قيدت الأطماع ألسن العلماء! فسكتوا! وإن تكلموا لم تساعد أحوالهم أقوالهم! - علماء الدنيا يدخلون على السلاطين (سلاطين السياسة والمال) ليتقربوا إلى قلوبهم! فيدلّونهم على الرخص، ويستنبطون لهم بدقائق الحيل طريق السعة فيما يوافق أغراضهم! - لا ينبغي أن يغترّ الإنسان بقول سفيان: تعلّمنا العلم لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا لله! فإن الفقهاء
يتعلمون لغير الله! (كمعظم فقهاء هيئات البنوك). انظر أواخر أعمار الكثيرين منهم، ماتوا وهم هلكى على طلب الدنيا! ومتكالبون عليها! ولله عاقبة الأمور. انتهى كلامه رَحِمَةُ اللَّهُ. أنشد أحد السلف: يا علماء الناس يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد وقال آخر: بالملح يصلح ما يخشى تغيره فكيف بالملح إن حلت به الغير ورحم الله ابن المبارك القائل: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها ■
قال ابن حزم رَحِمَةُ اللَّهُ: <<٪ آفة على العلوم وأهلها وأضر من الدخلاء فيها، فإنهم مجملون ويظنون أنهم يعلمون ويفسدون ويظنون أنهم مصلحون». «مداواة النفوس» (ص٦٧)