الدكتور/ خالد بن عبد العزيز الجناحي البحرين

خطب أبو بكر الصديق رَضِ اللَّهُ عَنْهُ خطبة حمد الله فيها وأثنى عليه، وقال: «أيها الناس: إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها، ﴿عَلَيْكُمْأَ نفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُ مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنا سمعنا النبي وسلّ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم اللّه بعقاب». وإني سمعت رسول اللّه ◌َلّ يقول: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا

يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب»(١).

إن محاربة الفساد بجميع أنواعه وتعدد أساليبه من صلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي من آكد الواجبات المتحتمات على المسلمين عامة والعلماء خاصة، وإن من سنن الله تعالى في خلقه: أنهم إذا لم ينكروا الفساد ويحاربوا أهله؛ أوشك أن يعمهم اللّه تعالى بالعقوبة والعذاب؛ لتركهم هذا الركن

العظيم من الدين، والتحذير من الفساد والمفسدين. (١) «صحيح أبي داود» (٤٣٣٨).

إننا نعلم بيقين مدى استشراء التواصل الاجتماعي، ولمعهم الإعلام المرئي، فأعجبوا بأنفسهم فضلوا، وانخدع الناس بآرائهم فأضلوا. هذه الفئة الخطيرة من المتعالمين ومفسدي الدين هم الذين حذر منهم رسول الله وَلَّه وسماهم الرويبضة. قال شيخ الإسلام رَحمَةُ اللَّهُ «وكم من مدع للمشيخة وفيه نقص من العلم والإيمان ما لا يعلمه إلا الله تعالى». مجموع الفتاوى (١١/٥١٣) إن أسباب فساد الفتوى كثيرة، لو تأملنا حقيقتها لوجدنا لها ارتباطًا وثيقًا بحب الدنيا وملذاتها، من مال وشهرة وتعالم وحب الظهور. ومن أخطر النماذج لفساد الفتوى، وأكثرها انتشارًا في عصرنا لحاجة الناس إليها، فتاوى المعاملات المالية والبيوع الحديثة التي تصدر من أعضاء الهيئات الشرعية العاملة لدى المصارف الإسلامية وغيرها، فقد أفسدت هذه الفئة من المفتين علينا أسواقنا، وأدخلوا الحيل في تعاملاتنا، حتى أصبحوا يضاهون أصحاب السبت في حيلهم والتفافهم حول عظائم المحرمات كالربا وغيرها. لقد جعلوا من البيوع الصورية المغلفة بلبوس شرعية أصلًا للالتفاف حول المداينات الربوية، وسموها حلولًا تمويلية، ثم بنوا أحكامهم على

الفساد في مجتمعاتنا، ولكننا غالبًا ما نتجنب الحديث عن الفساد والمفسدين، ونعده من المواضيع الحساسة، التي لا طاقة للفرد الوقوف في وجهها، أو حتى التصريح بوجودها؛ لأننا نعلم أن المفسدين غالبًا ما يكونون من أصحاب النفوذ والسلطة، وبالتالي فإن حتمية وقوع الأذى منهم متأكدة، هذا فيما يتعلق بالفساد الدنيوي، وأما إذا كان الحديث عن الفساد الديني؛ فإن حساسية الموضوع تزداد، ودائرة المواجهة تكبر؛ لتشمل مصادمة أصحاب الجبب الفاسدة والطرابيش المكورة، وأحزابهم المختلفة، بل وفئة كبيرة من أطياف المجتمع بأكمله، حاشا العقلاء والصادقين ﴿وَقَلِيلٌ مَّاهُمْ﴾ [ص: ٢٤]؛ لأن الناس بطبيعتهم يحترمون أهل الدين، ويحسنون الظن بهم، وهذا هو الأصل؛ فاحترام العلماء وتوقيرهم وطاعتهم في المعروف واجب شرعي، وسؤالهم والتعلم منهم توجيه رباني.

ولما كان العلماء هم ورثة الأنبياء والمرسلين، والموقعين بفتواهم عن رب العالمين، تضاعفت مسؤوليتهم تجاه مجتمعاتهم، فبصلاح معتقداتهم تصلح عقائد الناس، وبسلامة منهجهم تأمن المجتمعات وتسود الفضيلة؛ لذلك فقد بين رسولنا وَ﴾ أن العلم يقبض والجهل ينتشر بموت العلماء، سيظهر حينها صنف من الناس لبسوا لبوس العلم، واشرأبت رؤوسهم إلى مجالس الفتوى، وسخرت لهم منصات

ظاهر المعاملة بأنها شرعية، فظن الناس أنهم أنقذوا من براثين الربا، في حين أنهم التقطوا الحيل من كتب الفقه بالمناقيش. ولم يكتفوا بذلك، فقد أعطوا هذه المداينات مسميات مختلفة، كـ (مرابحة السلع الدولية، والإجارة المنتهية بالتمليك، التورق المنظم، والوعد الملزم ... إلخ)، إيهامًا منهم للمتعاملين باختلاف هذه المعاملات عن المداينات، وإرضاءً لأرباب المال من البنوك (الإسلامية) وغيرهم بحيلهم المبتكرة. كل ذلك بثمن ليس بقليل؛ فإنهم يأخذون الملايين على هذه الفتاوى، فقد عرف أرباب المال كيف يشترون هؤلاء الشيوخ، ويستخرجون منهم الفتاوى المناسبة لعملياتهم، لقد أجاز أصحاب الهيئات الشرعية لأنفسهم أخذ مئات الملايين، وسموها أجور الفتوى، وهي في الحقيقة رشاوى الفتاوى الفاسدة. إن هذه الهيئات يحتكرها عشرة أو عشرون من الأعضاء، يتكررون في العديد الهيئات الشرعية، وكلهم من جماعة الإخوان المفسدة، التي استحكمت قبضتها على هذه الهيئات. وتجد الأتباع، وقد يكون منهم دكاترة ومتخصصون يتقربون لشيوخ الهيئات حتى يتفضلوا عليهم بإدخالهم في واحدة من هذه الهيئات الشرعية التي تدر عليهم بالمال الكثير، وينتظرون لسنوات طويلة ويمنون النفس أن يرثوا من شيوخهم مناصبهم في الهيئات الشرعية في المستقبل، فأي خير يرجى من هؤلاء الشيوخ، وأي فتوى تنتظرونها منهم. على مثل هؤلاء بكى ربيعة بن أبي

مابيلـ عن أبي أمامة الباهلي رَضِوَ اللَّهُ عَنْهُ أنه كان يحرك شفتيه فرآه رسول اللّه ◌َجة فقال: ((بأي شيء تحرك شفتيك يا أبا أمامة؟ فقلت: أذكر الله يا رسول الله! فقال: ألا أخبرك بأكثر وأفضل من ذكرك بالليل والنهار؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملء ما خلق، سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، سبحان الله عدد ما أحصى كتابه، سبحان الله ملء ما أحصى كتابه، سبحان الله عدد كل شيء، سبحان الله ملء كل شيء. الحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في الأرض والسماء، والحمد لله ملء ما في الأرض والسماء، والحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله ملء ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيءٍ)).

أخرجه أحمد (٢٢١٩٨)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٩٩٩٤) مختصرًا؛ وابن أبي الدنيا كما في ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (٢٨٧/٢)، واللفظ له، وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (١٥٧٥).

الشُرقة

عدد غيرهم بكثير! ومع أن الفقر العام في البلاد الإسلامية - أيضًا - أشد بكثير! من هذه البلاد ما يندرج ليس في العالم الثالث، بل في العالم الرابع والخامس! وربما تأثر مشايخ الدين عندنا بمشايخ المال، فافتتنوا به أيضًا، بعد أن آكلوهم وشاربوهم وجالسوهم، حتى صار مشايخ المسلمين يأخذون أجورًا على الفتوى، وهي أجور مشبوهة شرعًا في أصلها ومقدارها! وراحوا يقيسون أجر الفتوى على أجر النجار والحداد! وأعرضوا عن الاقتداء بالرسل الذين كان يقول كل منهم: ﴿ إِنَّ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩]! وصاروا يتنافسون على المال والمنصب، والاقتراب من سلاطين الحكم وسلاطين المال، حتى سكتوا على المنكرات وأتوا بالعجائب ولم يشبعوا من طلب المال! من هذه العجائب، فتاوى الحيل، وانخراط كل منهم في مؤسسات كثيرة جدًّا، بلغت عند بعضهم أكثر من ١٠٠ مؤسسة! هذا بجانب أعمالهم الأخرى في التعليم والتدريب والتجارة وغير ذلك! شيء لا يصدق! لقد رأيت من علماء الغرب من يتماسكون أمام المال أكثر من مشايخنا! رأيتهم يغلبون العلم على المال! مع أن أقصى ما لديهم هو حب العلم للعلم، وأقصانا أعظم درجة، ألا وهو حب العلم الله !.. هل طيَّر المال عند مشايخنا العلم والدين والذكاء والرصانة والأمانة؟!■ هل تعلمون منذ متى أعلنت الحرب على الحيل؟ أنا أحارب الحيل منذ عام ١٩٨٢ م، ففي ندوة دلة البركة الأولى بالمدينة النبوية، قلت لهم علنًا أمام رجل المال

والأعمال السعودي صالح كامل الذي نقلنا إلى الندوة بطائرته الخاصة؛ قلتُ لهم في تعليق مرتجل من حوالي صفحة واحدة: أخشى أن تصبح المصارف الإسلامية مصارف عينة (مصارف حيل!) .. ثم قاطعت ندوات البركة؛ لأني لم أجد فيها بركة! مرة واحدة تقدم إليَّ شيخ كان يحضر جلسة من جلسات مجمع الفقه الإسلامي، وهو شيخ سوري اسمه محمد هشام البرهاني رَحِمَةُ اللَّهُ؛ قال لي سرًّا بيني وبينه: أنت تتكلم بما في قلوبنا !! نشرت (جريدة الشرق الأوسط عام ١٩٨٤م) مقالًا يحارب الحيل في العمل المصر في الإسلامي، ولكن باسم مستعار! وظن البعض أني أنا صاحبه! قولوا لي بالله عليكم، الحيل مكشوفة في الهيئات، وفاضحة في الفتاوى والدراسات! في البنوك والصكوك! لا يخجل منها المشايخ! نعم، هي مدعومة من رجال مال وأعمال! والمشايخ اليوم يحبون المال والمناصب والشهادات، والتزلف لأرباب المال، ولو بالحيل! ويحبون الظهور في الفضائيات ولو كانوا من أهل التصوف! ويحبون الاستكثار من الأنشطة، ولو ترتب على ذلك أن تكون كتاباتهم وأقوالهم مجرد سندويشات كندية! قد يحفظون القرآن، ولكن ليس لهم بحث علمي، ولا موقف ديني ولا خلقي، يؤثرون بينهم وبين أنفسهم غضب الله على غضب البشر! يؤمنون بأن الله غائب، والبشر حاضر! يخافون البشر ولا يخافون الله! ويظهرون على المنابر والمسارح، يترققون ويتظرفون ويخففون دمهم أمام الصبايا والشباب، ويتبسمون، ولكن

لا يحبون أن يكون لهم أي إضافة علمية حقيقية، ولا أي موقف شجاع! قال لي أحدهم -وهو من حفظة القرآن وحملة الدكتوراه -: نحن مع السوق! إذا وجد أحدهم في نفسه شيئًاً من شجاعة؛ فإنه لا يستخدمها في محاربة الحيل، بل يستخدمها في محاربة من يحاربها! إمعانًا في التزلف والتملق والتماس الأغراض الدنيئة! إنهم مستعدون لأن يفعلوا كل شيء إلا أمرين: - البحث العلمي الجاد. - الصدع بالحق. كل شيء نبنيه مهدد بالدمار إذا لم يكن مؤسسًا على أسس صحيحة. ماذا حل بنا أيها الإخوة؟ .. هل ما حل بنا من كوارث في المنطقة هو نتيجة لهذه الأوضاع القائمة على الأطماع؟ يقول الغزالي (٥٠٥هـ): قيدت الأطماع ألسن العلماء !! ■ كلمة حق! قال لي بعض الإخوة: أنت تهاجم مشايخ الحيل، وبعض الناس يرون أن يهاجموك بدل أن يؤازروك! قلت لهم: ليس لدي مال أغريهم به! ولا سلاح أخيفهم به! هذه هي طبائع عموم البشر: لا يفهمون إلا بالترغيب والترهيب !! لا أكاد أرى واحدًا من هؤلاء الناس، يريد أن يرى ما يرتكبه أصحاب الحيل من سخافات! قال لي بعضهم: والله يا دكتور أنت تقول بلسانك ما في قلوبنا !! وما توفيقي ولا اعتصامي إلا بالله؛ عليه توكلت وإليه أنيب! ■

الشَّوَرق ٢٥

رصيفية الصَّدَارَقة ٢٦

يا رب إنهم خالفوا الشرع في أصل الأجر! وخالفوه في مقدار الأجر في كل منصب! وخالفوه في العمل في عدد غير محدود من المناصب! ولم يبالوا | بأن يكون الأجر رشوة! ولم يأتونا إلا بالحيل! وأخذوا الحيل من كتب الحيل

(كتب الفجور كما يسميها العلماء).

لا أدري من أين أتوا؟ وكيف تسللوا؟! إنهم عبيد المال وعبيد المناصب! شوّهوا سمعة الاقتصاد الإسلامي والمصرفية الإسلامية! أكالون، شرّابون، خبّاصون، خرّاصون، خرّاطون، منافقون، مستهزئون بالشرع، ومستهزئون

بالمسلمين، يضحكون علينا؛ لأننا أمة أمية!

قاتل الله من أعطاهم مالًا، أو قدم لهم عملًا، أو منحهم جائزة! تواطؤوا

علينا مع الأجانب!

اللهم لا تبارك لهم بأي فلس أخذوه! ولا تبارك لهم بأموالهم، ولا

بمناصبهم، اللهم خلصنا منهم ومن شرورهم! من العجيب أن يسكت عنهم المسلمون! هاجمهم بعض العلماء، ولم يكترثوا! إنهم أهل غلظة وسماجة وفجور! هم من أهل الإقطاع والرأسمالية المتوحشة! والدين على ألسنتهم لغو! هاجمهم صالح كامل وهاجمهم ابنه عبد الله كامل. وهاجمهم فهمي هويدي وهاجمهم آخرون.

الدكتور رفيق يونس المصري رحمه الله