الدكتور/ سليم بن عيد الهلالي الأردن
توحيد الله ميثاق بين الفطرة وخالقها ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَادَمَ مِن ◌ُهُورِهِمْ ذُرِّيَهُمْ وَأَشْهَدَ هُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْأَلَسَُّبِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَاْ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً | مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اُلْمُبْطِلُونَ﴾﴾ [الأعراف: ١٧٢ و١٧٣]، ميثاق مودع في كل خلية حية منذ نشأتها، وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله الواحد، فلا سبيل إلى الاحتجاج بعد ميثاق الفطرة وشهادتها - سواء أكان بلسان الحال هذا أم بلسان المقال كما في بعض الآثار - لا سبيل إلى أن يقول أحد: إنه غفل عن كتاب الله الهادي إلى التوحيد، وعن رسالات الله التي دعت إلى التوحيد، ولهذا جاء التعقيب على تلك الشهادة: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اُلْمُبْطِلُونَ﴾؟
الأصل في الإنسان التوحيد والشرك طارئ عليه:
١ - آدم عليه السلام كان نبيًّا يعبد الله وحده لا يشرك به، وعلم أبناءه التوحيد؛ حيث سُئل النبي ◌َّ عِن آدم: أنبي هو؟ قال: ((نعم، نبي مكلّم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه روحه)).
٢- الفطرة التي فُطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص.
أ- قال تعالى: ﴿فَأَقِّرْ حَنِيفًا فِظِرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِّ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
ب- قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَبِيّ ءَادَمَ مِن ◌ُهُورِهِوْذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبِّكُمْقَالُواْ بَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. هذه الآية تعرض قضية التوحيد بطريقة جديدة وعميقة؛ إنها الفطرة التي
لِلدِّينِ
وَجْهَكَ
فطر الله عليها البشر وأخذ عليهم الميثاق وهم في عالم الذر. أما الأحاديث التي أشارت إلى فطرة التوحيد فهي:
أ- في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة رَضِ لّهُ عَنْهُ؛ قال: قال رسول الله وَّ: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه، كما تولد بهيمة جمعاء، هل تحسُّون فيها من جدعاء))؟.
ب- وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي رَضِ لّهُ عَنْهُ، قال رسول الله ◌َّهِ: ((يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم)). ودليل الفطرة راسخ في نفوس البشر لا يحتاج الشخص معه إلى استدلال، ولهذا فهو أصل لكل الشواهد الأخرى الدالة على الإقرار بوجود الرب سبحانه، فهي مؤيدة له ومثبتة للإقرار. ولتقرير أصل هذا الدليل إليك بعض الأدلة الدالة على ذلك:
١ - لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه، سواء كان هذا الإنسان موحداً أو مشركاً عند الشدة والحاجة. فبنو آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان -حتى المشرك- مصيبة فزع إلى خالقه سبحانه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فإنه لا يتصور أن يشعر الإنسان بحاجته وفقره إلى خالقه إلا إذا شعر بوجوده، وإذا كان شعوره بحاجته وفقره إلى ربه أمرًا ضروريًّا لا يمكنه دفعه، فشعوره بالإقرار به أولى أن يكون ضروريًّا(١). قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِنسَنَ اُلُُّّ دَعَانَا لِجَتْبِهِةِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَُّو مَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرّ قَسَّةٌ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعَمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِى اَلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا ◌َجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرِ أَعْرَضْتُمَّ وَكَانَ الْإِنْسَنُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَ اٌلْإِنْسَنَ ضُرٌ دَعَا رَبَّهُ, مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَةُ و نِعْمَةً مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوَاْ إِلَيْهِ مِن قَبَّلُ وَجَعَلَ للَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ» قُلْ تَشَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]. (١) انظر ((درء تعارض العقل والنقل)) (٥٣٢/٨ - ٥٣٣).
فرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه عند الشدائد شاهد على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، كل إنسان إذا رجع إلى نفسه عرف افتقاره إلى الله سبحانه في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها، وتبقى هذه المعرفة في نفسه قوية؛ لأن الحاجة استلزمتها، فتكون أوضح من الأدلة الكلية مثل افتقار كل حادث إلى محدث(٢).
٢- ورود التكليف بتوحيد العبادة أولًا: أول ما يكلف به المكلف: عبادة الله جل وعلا ويؤكد هذه الحقيقة هو أن الله تعالى نص على محل النزاع بين الرسل وأقوامهم بقوله: ﴿وَإِذَا ذَكَتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْقَانِ وَحْدَهُ، وَلَوْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]؛ أي: أنهم يولون مدبرين عند طلب عبادة الله وحده دون غيره، ويوضحه كذلك قوله: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ وَحْدَهُ، كَفَرَتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِهِ تُؤْمِنُواْ فَأْحُكْمُ لِلَّهِ اٌلْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. ولذلك بعث الله رسله بالتوحيد وترك الشرك فقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُجِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُو لَّ إِلَهَ إِلََّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وعلى هذا يكون تقرير هذه الحجة بأمرين:
الأول: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى (٢) انظر ((مجموع الفتاوى)) (٤٨/١-٤٩). و((درء تعارض العقل والنقل)) (١٢٦/٣). و((دلائل التوحيد)) للقاسمي (ص: ١٩١ - ١٩٢).
وبربوبيته فطريًّا لدعاهم إليه أولًا؛ لأن الأمر بتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته؛ فيكون بعده(٣).
الثاني: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطريًّا لساغ لمعارضي الرسل عَلَيْهِالصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عند دعوتهم لهم بقول الله تعالى: ﴿فَأَعْبُدُونِ﴾ أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلًا فكيف يأمرنا، فلما لم يحدث ذلك دل على أن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم٤. ولم يعرف من ينكر وجود الله من أقوام الرسل إلا ما كان من فرعون، ومع هذا؛ فإنكاره كان تظاهرًا، ولم يكن باطنًا كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ بَصَابِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] وقال: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَّهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًا﴾ [النمل: ١٤].
٣- إلزام المشركين بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية٥. فلو لم يكونوا مقرِّين بربوبية الله تعالى لما قررهم بهِ، ولهذا كانت تقول الرسل لقومها: ﴿أَفِ اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرٍ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم ◌ِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَمََّ﴾ [إبراهيم: ١٠]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فدل ذلك على أنه ليس في الله شك (٣) انظر ((درء تعارض العقل والنقل)) (٣ / ١٣٠ -٤٩١/٨).
وَالْأَرْضِ
BODIES IV
ـرق ١٨
عند الخلق المخاطبين، وهذا يبيِّن أنهم مفطورون على الإقرار)) (٦). وهذا دليل الفطرة دليل سلفي؛ لأن معرفة الله عند أهل السنة فطرية ضرورية لا تحتاج إلى نظر واستدلال والعقل مساند لهذه الفطرة. وهذا من حيث الأصل؛ إلا أنه قد بعرض للإنسان ما يحتاج معه إلى النظر والاستدلال؛ لإيقاظ هذا البعد الفطري الكامن في النفس، وذلك لأن سبل معرفة الله ليست محصورة في الفطرة وحدها، بل أدلة كثيرة متنوعة. وأما المتكلمون فقد أنكروا دليل الفطرة وجعلوا السبيل الأوحد للإقرار بوجود الله ومعرفته هو العقل كما قرر ذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي في ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٣٩)، والباقلاني الأشعري في ((الإنصاف)) (ص ٢٢) ولا يختلف المتكلمون في هذا التقرير كما بيَّنْه إمام الحرمين الجويني في ((الإرشاد)) (ص ٣)، والإيجي في ((المواقف)) (ص ٣٢). وهذا الأمر أدى إلى انحرافات (٦) ((درء تعارض العقل والنقل)) (٤٤١/٨).
عقدية عندهم؛ كمسألة أول واجب على المكلف هل هو النظر أو القصد إليه أو الشك؟
وكذلك مسألة حكم إيمان المقلد(٧). ومما يدل على فساد هذا الأصل الكلامي أن الفطرة تسبق العقل؛ لأن الإنسان لا يولد بالعقل مكتملًا كما هو صريح القرآن وصحيح السنة ويؤكد ذلك العلوم الحديثة: أن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعَلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. ولذلك فمرحلة الاستدلال العقلي متأخرة عن مرحلة الشعور الفطري، فالإنسان يشعر بالأخلاق ابتداء؛ فالطفل الصغير يستطيع أن يميز كثيرًا من القيم الأخلاقية لكنه لا يستطيع أن يستدل عقلًا على وجود الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وثمة أمر آخر أن العقل يبني نشاطه (٧) انظر ((شرح الكبرى)) للسنوسي (ص ٣٩)، و((شرح الجوهرة)) للبيجوري (ص٣٢) وقد رد عليهم الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٧٠/١).
الفطرة السوية تقبل الإسلام، وتهتدي إلى وجود الخالق؛ بما أودع اللّه الخلائق من قوانين كلية، تظهر آثارها في الطفل الناشئ الذي لم يتعلم أو يتكلم، فهو يدرك أن الحادث لابد له من محدث، وأن الجزء دون الكل، وأنه يستحيل الجمع بين المتناقضين، وهذا من أوائل العقل وبواكيره. وقلوب بني آدم مفطورة على قبول الإسلام وإدراك الحق، ولولا هذا الاستعداد ما أفاد النظر ولا البرهان، شأنها في ذلك شأن الأبدان: فطرها اللّه تعالى قابلة للانتفاع والاغتذاء بالطعام والشراب،
ولولا هذا الاستعداد لما حصل انتفاع.
على البدهيات والقضايا الواضحات التي لا يمكن البرهنة عليها. ومما ينبني على ذلك كله أن معرفة الله عز وجل والإقرار بوجوده ليس هو الغاية من بعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام وليس هو المقصد الأول من خلق الإنسان، ولا يكفي الإقرار به وحده في دخول الإنسان في الإسلام. إنما الغاية الكبرى والمقصود الأسمى هو تحقيق لازم تلك المعرفة ألا هو إفراد الله بالعبادة والقصدة والطلب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعَبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، و﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ولذلك كان من فضل الله ورحمته أنه لم يؤاخذ العباد بمقتضى هذه الفطرة وذلك الميثاق لوحده، بل كانت المؤاخذة موقوفة على إقامة الحجة الرسالية ﴿مَّنِ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِيِّ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَرِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبَّعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. والله الهادي. ■
والفطرة السوية تهدي العبد إلى أصول التوحيد والإيمان، وجمهرة أهل العلم من أهل السنة وغيرهم على فطرية الإيمان، وليس يحتاج العبد لتحصيله من أصله إلى استدلال أو برهان، فضلاً عن أن يشك؛ كما قالت الرسل: ﴿أَفِىِ اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]
(١) أي: تنظيف عقد ظهور الأصابع. (٢) أي: الاستنجاء.
رواه مسلم