بل هم

الدكتور أكرم البلوشي تركيا مفهوم أهل السنة والجماعة تعبير عن وحدة الأمة السياسية والاعتقادية، أو توقًا لها إن غابت. فلم يكن ظهور ((أهل السنة والجماعة)) جزءًا من حركة تكون المذاهب والفرق الاعتقادية، بل جاء ردًّا عليها وتأكيدًا على أن وحدة جماعة المسلمين ما زالت حاضرة في الوعي الكلي للأمة برغم واقع الانقسام والفرقة، وفاعلة بما يدفعها إلى العمل من أجل استعادة اللحظة التاريخية الأولى لتأسيس الأمة الواحدة التي كانت على عهد النبي وَلّ والخلافة الراشدة على منهاج النبوة ودلة بني أمية. وظل مفهوم السنة والجماعة رفضًا للغُرقة السياسية والفتنة المذهبية التي بدأت تطل برأسها وتدب في جسد الأمة الإسلامية الواحدة في نهاية خلافة عثمان وخلافة علي رَضِاللَّهُ عَنْهُمَا. بقي مفهوم السنة والجماعة وعيًّا مبكرًا بصيرورة الأمة الواحدة واستقرارها، وأنها ليست حزبًا سياسيًّا معارضًا كحال الخوارج، ولا طائفة مارقة كحال الروافض، بل أمة واحدة مفتوحة ومنفتحة لكل من حمل عقيدة التوحيد ومنهج الصحابة رَضِ اللَّهُ عَنْهُم تحت راية الجماعة.

وجاء الإمام الشافعي رَحِمَةُاللَّهُ؛ ليعطي لمفهوم السنة والجماعة أصلًا شرعيًّا، وبعدًا منهجيًّا؛ ليصير مرجعًا للأمة بعد الكتاب والسنة؛ حيث جعل (الإجماع) المصدر الثالث بعد الكتاب والسنة بما يفرض على الأمة أن تحافظ على ما يجمع أمرها، ويؤكد وحدتها. لكن مع عام الجماعة (٤١ هجريًّا) بتنازل الحسن بن علي رَضِاللَّهُ عَنْهُما أصبح معاوية بن أبي سفيان رَضِاللَّهُعَنْهُ خليفة للمسلمین، واجتمع الأمر عليه بعد تفرُّق ليصبح العام ((عام الجماعة)) ويعد من خرج عليه خارجًا عن ((الجماعة)) إشارة إلى استعادة الأمة وحدتها السياسية مجددًا بعد تفُّق، فقد غلبت الأمة وحدتها على أي خلاف حول شرعية السلطة، على اعتبار أن الجماعة الأصل والأساس؛ (فلا إسلام إلا بجماعة)) کما قال عمربن الخطاب رَضَ اللَّهُ عَنْهُ، ودون الجماعة تكون ((الفتنة)) لعن الله من أيقظها. ثم جاءت الفتنة المذهبية التي اجتاحت الأمة مع نشأة الفرق التي وصلت ذروتها بفتنة ((خلق القرآن)) التي تبنى فيها الخليفة العباسي المأمون (توفي ٢١٨ هجريًّا) عقيدة المعتزلة وتصورهم لصفات الله، وحاول فرضها على جماعة المسلمين وإجبار العلماء والفقهاء والقضاة وأهل الحديث على القول بها. لقد دفعت الفتنة المذهبية الأمة إلى البحث عن صياغة محكمة لاعتقادها

في مواجهة أهل البدع، فكتب أهل العلم رسائل تصوغ معتقد أهل السنة وهي نصوص لم يبتدعها أصحابها كما لم ينسبوها لأنفسهم، وإنما نسبوها إلى السلف: إثباتًا للمشروعية، وتأكيدًا لاتصال معتقد الأمة وعدم انقطاعه. قبل الفتنة لم تكن هناك ضرورة للتنظير لمفهوم (أهل السنة والجماعة)، ولكن لما نشأت المذاهب والفرق، وحاول بعض الحكام فرض تصورات اعتقادیة مستحدثة على علماء الأمة، بادر العلماء والفقهاء والقضاة وأهل الحديث إلى بيان ((مذهب)) الأمة في الاعتقاد، فنظروا لما عرف لاحقًا بـ (مذهب أهل السنة والجماعة) الذي جاء ردًّا على كل ما خرجت به المذاهب الأخرى عما كانت عليه جماعة المسلمين. ولأن الإمام أحمد رَحِمَةُ اللَّهُ هو من ثبت في المحنة، وانتصر للإسلام والسنة في معركة خلق القرآن؛ فقد صار إمام أهل السنة والجماعة، وصار منهجه معيارًا للثابتين على ما كان عليه رسول الله ◌َله وأصحابه رَضِاللَّهُ عَنْهُ. حتى أن أبا الحسن الأشعري رَحِمَةُ اللَّهُ لما تاب من الاعتزال، ورجع عن المذاهب الكلامية أكد هذه الحقائق التاريخية؛ فقال في ((الإبانة)): ((الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه وَالله وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث

ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله تعالى وجهه قائلون، وبمن خالف قوله مجانبون». وفي معتقده الذي يعد أهم نص جامع محدد لمعتقد أهل السنة والجماعة ذكر الإمام أحمد بن حنبل رَحِمَةُ اللَّهُ ما يرد به على ما أثارته الفرق والمذاهب، ومما يقول فيه: ((الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة)) وإن ((الإيمان يزيد وينقص)) وإن «القدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه حلوه ومره ومحبوبه ومکروهه وحسنه وسیئه وأوله وآخره من الله)) وإن ((القرآن كلام الله)) وإن «صفات الله ثابتة وإنه لیس کمثله شيء)).

وأهل السنة كما يبيِّن الإمام أحمد ((لا يشهدون على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون في ذلك حديث، ولا يقولون بالخروج على السلطان الذي تجب طاعته ما لم يأمر بأمر هو لله معصية وإن الجهاد ماض قائم مع الأئمة برّوا أو فجروا لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. ويرتفع أهل السنة كما يبيِّن الإمام أحمد عن أسباب الخلاف ويتجاوزون وقائعه التي مزقت الأمة معتقدين أن الواجب ذكر محاسن الصحابة رَضِ اللَّهُ عَنْهُم أجمعين والكف عن ذكر مساوئهم أو الخوض في الخلاف الذي شجر بينهم ... وأن حبهم سنة والدعاء لهم قربة

سَكَرقة

مُدَرَق ١٢

والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة، وأن خير الأمة بعد النبي ◌َله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - بتر تيبهم - وهم الخلفاء الراشدون المهديون. وتأثرًا بما شهده عصره من فتنة الشعوبية وطعنها في العرب توسلًا للطعن في الإسلام نفسه يرى الإمام أحمد أن من معتقد أهل السنة أنهم يؤمنون ((أن على المسلم أن يعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها، ويحبهم لحديث الرسول وَلّ حبهم إيمان وبغضهم نفاق وألا يقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب؛ فإن لهم بدعة ونفاقًا وخلافًا.