الماء (شيك!) مفتوح
مع ارتفاع درجات الحرارة تشتد حاجة الناس إلى الماء الذي يطفئ لهيب الصيف، ويذهب
حرَّ العطش. ودونك أيها العبد الطائع فضائل صدقة سقيا الماء:
لنتذكر الأجر العظيم مقابل المبلغ القليل في شراء عبوات الماء وتوزيعها؛ فعن أبي هريرة رَضِ لَّهُ عَنْهُ؛
قال: قال النبي وَجّ: ((ليس صدقة أعظم أجرًا من ماء)).
* ولذلك يعد سقي الماء من أفضل الصدقات الجارية للميت: عن سعد بن عبادة رَضَِّاللَّهُ عَنْهُ؛ قال: يا رسول الله: إن أمي توفيت، ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال رسول الله وقليلة: ((نعم، وعليك
بالماء)). وثبت في الحديث الصحيح: أن الله غفر الله لبغي سقت كلبًا !! قال أهل العلم: فكيف بمن سقى إنسانًا مسلمًا؟! * وقد سئل ابن عباس رَضّ اللَّهُ عَنْهُ: أي الصدقة أفضل؟
فقال: ((الماء))، ثم قال: ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا
مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّارَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف: ٥٠].
واستنبط ذلك - أيضًا - الإمام القرطبي؛ فقال في ((تفسيره)): ((في هذه الآية دليل على أن سقي الماء
من أفضل الأعمال)).
* ومن سقيا الماء حفر الآبار: قال ◌َله: ((من حفر بئر ماء، لم تشرب منه كبد حَرَّى، من جنٍّ، ولا إنس، ولا طائر، إلا آجره الله يوم القيامة)). توفير المضخات؛ لتنقية المياه، ولتكون صالحة للشرب بدلًا من شرب المياه الآسنة كما في بعض الدول الفقيرة. التبرع بالبرادات عند المساجد، أو في الأسواق العامة، أو على الطرق، أو عند البيوت. * وإذا كان هذا بعض شأن صدقة الماء فإنَّ مداواة المرضى بسقاية الماء له نفع عظيم، وأثر مبارك، ثابت شرعًا وتجربة . - قال ابن قيم الجوزية رَحِمَةُ اللَّهُ في ((الوابل الصيب)) (ص ٥٧): ((فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس: خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض مُقْرِون به؛ لإنهم جربوه)). ومن شواهد التجربة: ما ذكره الحافظ المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (١٤٢٦) عن علي بن الحسن بن شقيق؛ قال: سمعت ابن المبارك وسأله رجل: يا أبا عبدالرحمن! قرحة
خرجت في ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به؟ قال: اذهب؛ فانظر موضعًا يحتاج الناس الماء، فاحفر هناك بئرًا، فإني أرجو أن تنبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل؛ فبرأ. - وقال: ((وفي هذا المعنى حكاية شيخنا الحاكم أبي عبد الله رَحِمَةُ اللَّهُ: فإنه قرح وجهه وعالجه بأنواع المعالجة فلم يذهب، وبقي فيه قريبًا من سنة، فسأل الأستاذ الإمام أبا عثمان الصابوني: أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، فدعا له وأكثر الناس التأمين فلما كان يوم الجمعة الأخرى ألقت امرأة في المسجد رقعة: بأنها عادت إلى بيتهـا واجتهــدت في الدعاء للحاكم أبي عبد الله تلك الليلة، فرأت في منامها رسول الله وَل كأنه يقول لها: قولي لأبي عبد الله: يوسع الماء على المسلمين، فجئت بالرقعة إلى الحاكم، فأمر بسقاية بنيت على باب داره، وحين فرغوا من بنائها أمر بصب الماء فيها، وطرح الجمد في الماء، وأخذ الناس في الشرب، فما مرَّ عليه أسبوع حتى ظهر الشفاء، وزالت تلك القروح، وعاد وجهه إلى أحسن ما كان، وعاش بعد ذلك سنين))■
ريحانة البحرين قلبه رحماني، وسمته رباني
إن الفاجعة لتعظم، واللوعة لتشتد، عند فقد الربانيين والمصلحين؛ لمكانتهم وشرف منزلتهم عند الله تعالى ورسوله قليلة، فهم ورثة الأنبياء، ومصابيح الدجى؛ فإذا ماتوا بلغنا في أول الأيام البيض من رجب الفرد يوم الإثنين عام (1438م): خبر وفاة أخي، وأنيسي، ورفيق دربي: فضيلة الشيخ المحدث - ريحانة مملكة البحرين- أبي أسامة خالد بن سالم المنصوري -رحمه الله-؛ إثر أمراض لازمته دهرًا، لكنه ظل طلق الوجه، صابرًا محتسبا فلله الحكمة البالغة، والأقدار النافذة، والموت والفناء حق، والبعث والنشور حقٍ ولا نقول إلا ما يرضي الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلَّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَاَلْخَيْرِ وقد كنت أسمع الشيخ خالد رحمه الله يردد مطلع قصيدة أبي الحسن التهامي:
«أوشك أن تضل الهداة».
فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. حكم المنية في البرية جاري بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا
لقد كان الشيخ خالد بن سالم: سلفي المعتقد والمنهج، حريصًا على السنّة، متبعًا للأثر، رحل في طلب العلم، وبرع في سائر العلوم، وفي علم الحديث، اللغة العربية خاصة. وكان زاهدًا في الدنيا دائم الذكر والتذكير بأمر الآخرة، ذو خلق رفيع، عفيف اللسان، ليّن الجانب، طيب النفس، سخيّ كريم، صبور محتسب، جمع من الصفات الطيبة ما لو وحسبي أن أحدثكم بشيءٍ لا أخال أحدًا سمعه من قبل غيري عن الشيخ أبي أسامة - رحمه الله، فقد حدثني أحد مشايخ (أبو ظبي) وهو عمر اليافعي - رحمه الله- قال: في مرة سألت شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله- فقلت: يا شيخ، هل نطلب العلم عند خالد بن سالم؟ فأجابني الشيخ قائلًا: هذا الإنسان لو يجلس -يعني: لو يستقر في مكان. رحمك الله يا أبا أسامة رحمة الأبرار، وجعل مثواك في جنات وأنهار، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولائك رفيقًا.
اجتمع طلابه وعدّوا خصاله لبقوا حتى مطلع الفجر.
لنفع الله به أقوامًا، ثم حثّه على الاستفادة منه.
ما هذه الدنيا بدار قرار حتى يرى خبرًا من الأخبار
رئيس التحرير
LL