قال النووي رَحِمَةُ اللَّهُ: ((لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه، والمساجد محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها)). [انتهى باختصار من ((شرح مسلم)) (١٧١/٥)]. وقال ابن بطال رَحِمَةُ اللَّهُ: ((هذا إنما خرج على الأغلب؛ لأن المساجد يذكر فيه اسم الله تعالى، والأسواق قد غلب عليها اللغط واللهو والاشتغال بجمع المال، والكَلَب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذُكر الله في السوق فهو من أفضل الأعمال)). انتهى. [((شرح صحيح البخاري)) (٢٤٩/٦)]. وقال القرطبي رَحِمَةُ اللَّهُ: «في هذه الأحادیث ما يدل على كراهة دخول الأسواق، لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان، وهكذا قال علماؤنا، لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر: كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين، تنزيهًا لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها، فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن کانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبلیته)). انتهى. [«الجامع لأحكام القرآن)» (١٦/١٣)]. الأسواق ليست شرًّا محضًا: مما لا شك فيه أن للسوق أهمية كبيرة في المجتمع، ولهذا كان من أوَّل ما أسسه النبي وَّ﴾ في المدينة بعد بناء المسجد ووضع دعائم العقيدة، بأن وضع أحكامًا وضوابط الإسلام للبيع والشراء في السوق، التي حلت محل الضوابط والشروط

ألا تستحون وتغارون !؟ قال علي بن أبي طالب رَضِ لَّهُ عَنْهُ: «ألا تستحون وتغارون!؟ فإنه بلغني أن نساءكم يخرجن في الأسواق يزاحمن العلوج».

[رواه أحمد في مسنده (١٣٣/١)].

العلوج: الرجال، وتطلق على الرجل الغليظ، وعلى الكافر من العجم.

التي وضعها اليهود الذين كانوا يسيطرون على أسوق المدينة، فكانت هذه المبادرة أول لبنة اقتصادية يضعها النبي وَجّة لبناء الدولة الإسلامية. والأسواق مکان للکسب الحلال، والنبي كان يعمل في التجارة، وروى الزبير بن العوام عن النبي ◌ََّ كان يقول: ((لأن يأخذ أحدكم حَبلهُ، فيأتي بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها، فيكُفَّ الله به وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)). [أخرجه البخاري (١٤٧١)]. وهذا الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رَضِ لُّ عَنْهُ عندما قدِم إلى المدينة يقول مقولته الشهيرة ((دلوني على السوق))؛ ليتعفف عن مال أخيه، ويسعى في كسب رزقه، فبارك الله له وفتح عليه، حتى أصبح من تجار المدينة. ماذا يعني تقارب الأسواق؟ إن المتأمل في قوله {قَالَى: ((تتقارب الأسواق)) كناية عن حب الناس للدنيا، وبعدهم عن ما يذكرهم

صَلِ لّه وسلم

بالآخرة، فالأسواق فيها زاد الدنیا، والمساجد فيها زاد الآخرة، ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. إن ظاهرة كثرة الأسواق وتقاربها تدل على انكباب الناس على ارتيادها، وتهافتهم على تضييع أوقاتهم فيها، فالمجمعات التجارية أصبحت الملاذ الأول لتجمع الناس، حتى فاق تجمعهم في الحدائق العامة والمتنزهات. واليوم نجد أنَّ الأسواق أصبحت متقاربة حسيًّا أكثر من أي وقتٍ مضى، ولكنها -أيضًا- أصبحت أكثر التصاقًا من قلوب الناس، حتى غدوا يستأنسون في قضاء أوقاتهم في الأسواق أکثر من أي مكان آخر. ولقد جعل أعداء الإسلام من السوق أداة لتضليل المسلمين، وإلهائهم عن دينهم، فهي تعج بالمنكرات والمخالفات الشرعية، وأصبح ما يعرض في مجمعاتنا التجارية سلاحًا فعالًا للتأثير على سلوكيات أفراد المجتمع المسلم وبالأخص منهم الشباب، حتى أصبح ما يعرض في أسواقنا أكثر خدشًا للحياء مما يعرض في أسواق الدول الغربية، والله المستعان. آثار تقارب الأسواق على بركة الإنفاق: لقد أشعلت هذه الأسواق حمّى التسوق فينا، كنّا إلى فترة قصيرة لا نعرف إلا سوقًا واحدة في البلدة، يبتاع فيها ما يحتاجه الناس في حياتهم اليومية .. ثم بدأت الأسواق تنتشر وتتنوع أشكالها وتأخذ هيئتها الحديثة، كبناء المجمعات

التجارية، وجمع فيها جميع أنواع السلع والبضائع تحت سقف واحد. ومع ظهور ثورة الإنترنت؛ بدأت مرحلة جديدة لهذه الأسواق، وأصبح الناس يتسوقون بضائعهم من أسواق افتراضية عالمية معروضة على النت، فأصبح بمقدور الشخص أن یشتري ما تشتهيه نفسه وهو في جالس في بيته من أي مكان في العالم، وتصله بضاعته في أيامِ معدودات. ومع كثرت هذه الأسواق وتنوعها فلا تكاد تجد فيها بركة تذكر، وأخشى -والله- أن يكون ذلك مكرٌ من الله تعالى، لما ابتعدنا عن ديننا، وجحدنا نعمة ربنا، قال تعالى: ﴿فَمَّا نَسُوْ أُمَاذُكِرُوا بِهِ، فَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْأَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. كان حماد بن زيد رَحِمَةُ اللَّهُ يقول: كان رجل يقول: رحم الله رجلا تلا هذه الآية، ثم فكر فيها ماذا أريد بها !. مَّا لا شكَّ فيه أنَّ انتشار الأسواق بهذه الصورة اللافتة، مع ضعف في ثقافة الترشيد عند الناس،

OPEN

وعشوائيتهم في الشراء، ساهم في زيادة استهلاك أفراد المجتمع، ترتب عليه زيادة في الطلب، مما أدّى إلى تضخم في الأسعار. أحوال السلف الصالح في الأسواق: يخبرنا ربنا عز وجل عن رسولنا الكريم وَجَّةٍ، وعن الأنبياء -عليهم السلام- أنهم كانوا يمشون في الأسواق: قال تعالى: ﴿وَقَالُواْمَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ لَقْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيًّا ﴾ [الفرقان: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَبَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِيَعْضِ فِتْنَةً أَقَصْبِرُونَُ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: ٢٠].

وأخبرنا عز وجل عن عباده الصالحين أن التجارة لم تكن تلهيهم عن ذكر الله وإقام الصلاة، قال تعالى: ﴿ِجَالُ لَا تُلْهِيهِمْ تَجَرَةٌ وَلَا بَعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِيتَاءِ الََّوَةِ يَخَافُونَ يَوَمَا تَتَقَلَّكُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧]. كان سلمان رَضِاللَّهُ عَنْهُ يقول: ((لا تكونن إن استطعت، أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته)) [مسلم (٢٤٥١)]. وكان عبد الله بن مسعود رَضِ لّهُ عَنْهُ إذا أتی سدة السوق يقول: ((اللهم إني أسألك من خيرها، وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها)). [أخرجه سعيد بن منصور في ((السنن)) (٤٣٤/٢)].

وعن الحسن البصري رَحِمَةُاللهُ كان يقول: ((من ذكر الله في السوق كان له من الأجر بعدد كل فصيح فيها وأعجمي))، الفصيح: الإنسان، والأعجمي: البهيمة)). [رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢/ ٩٢)]. وعن إسحاق بن خَلَف رَحِمَةُ اللَّهُ، قال: كان عمرو بن قيس الملائي رَحِمَةُ اللَّهُ، إذا نظر إلى أهل السوق، قال: ((ما أغفل هؤلاء عما أعد لهم!)). [رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٠٢/٥)]. أيها المسلمون .. إننا في زمانٍ أصبحنا نرى أشراط الساعة وأماراتها أمام أعيننا كما أخبرنا عنها نبينا ◌َّ، فهذا مدعاة إلى تثبيت إيماننا بالله عز وجل، وبما أخبر به رسول الكريم وَل﴾، وتيقنًا بقرب الآخرة، فلنعجل بالتوبة إلى الله تعالى، ولنزكي أنفسنا، ونحسن فيما تبقى من دنيانا، ولله عاقبة الأمور■

عن ميثم رَضَّلَّهُ عَنْهُ - رجل من أصحاب رسول الله وَلا - قال: ((بلغني أن المَلَكَ يغدو برايته مع أول من يغدو إلى المسجد؛ فلا يزال بها معه حتى يرجع يدخل بها منزله، وإن الشيطان يغدو مع أول من يغدو برايته إلى السوق؛ فلا يزال بها حتى يرجع فيدخلها منزله)). [أخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١٨٣/٥)، وصححه ابن حجر والألباني].

دسيسة تنصيرية

يشهد اللباس في هذا الزمن نوعًا من التطور والانسياق نحو الموضات: التي قد تخرج المسلم من المشروع إلى المحرم في لباسه؛ تشبهًا بالكفار تارة، ومخافة لعقيدة الولاء والبراء تارة أخرى. ولحاجة المسلم الغيور على دينه سواءً كان مستهلكًا أو تاجرًا، لمعرفة الموافق للشرع من المخالف له، سواءً كانت هذه المخافة في أبواب الأحكام أو الاعتقاد، فهأنذا أشير إلى ذلك باختصار:

التشبه بالكفار: حقيقته وحكمه التشبه يدور حول: مماثلة المسلم غيره، في بعض ما يخصُّه أو كله، لغير مصلحة شرعًا. وقولنا: (في بعضِ ما يخصُّه أو كله) يشمل نوعي التشبه؛ الكلي والجزئي، وقيد بقوله: (يخصه)؛ ليخرج به الأمور المشتركة بيننا وبين الكفار؛ إذ إن الأمر لا يخلو من أن يكون: - خاصًّا بالمتشبِّه، ففعله ليس تشبهًا. - خاصًّا بالمتشبَّه به، فهذا هو التشبه.

الملابس الرياضية

- مشتركًا بينهما، ففعله ليس تشبهًا. كما يفهم من قول: (لغير مصلحة شرعًا) يخرج به التشبه المباح؛ كالتشبه بهم في الأمور الدنیویة النافعة للمسلمین، و کالتشبه بهم فيما لا يخصهم، ونحو ذلك. التشبه بالكفار في لباسهم: حكمه وأدلته لقد تكاثرت الأدلة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه وي وإجماع أهل العلم في النهي

عن التشبه بالكفار في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم على وجه العموم، ومن ثَمَّ النهي عن التشبه بهم في لباسهم على وجه الخصوص. ومن تلك الأدلة في النهي عن التشبه بالكفار على وجه العموم: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ اُلْأَمْرِ فَأَتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَلَةُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [الجاثية: ١٨]، وقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَزِعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤]. وكذا دلَّت السنة النبوية الصحيحة على حرمة التشبه بالكفار في لباسهم من وجوه عديدة، منها: ما جاء عن جبير بن نفير أن عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِ اللَّهُ عَنْهَا؛ قال: رأى رسول الله وَليّة: عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: ((إن هذه من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها))(١). وفي رواية أخرى لمسلم؛ قال: رأى النبي ◌َّ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: ((أأمك أمرتك بهذا؟)) قلت: أغسلهما؟ قال: ((بل احرقهما)). ووجه الدلالة من هذا الحديث على تحريم التشبه بالكفار في لباسهم أن النبي وقّ علل النهي بقوله: ((إن هذه من ثياب الكفار))، وشدد في ذلك قولًا وفعلًا وَّجله؛ فقال: ((فلا تلبسها))، (١) أخرجه مسلم (٢٠٧٧).

وقال: ((أأمك أمرتك بهذا؟)) توبيخًا وتنفيرًا له، وقال: ((بل احرقهما))، وقال عبد الله رَضِاللَّهُ عَنْهُ: ((فغضب النبي وَّة))، وكل واحد منها على حدة كافٍ في الدلالة على التحريم وشدة الزجر؛ فكيف إذا اجتمعت(١). وحديث ابن عمر رَضْ لَّهُ عَنْهَا: أن النبيِّه قال: ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (٢). وهذا الحديث أصلٌ في النهي عن التشبه، وهو كما يقول ابن تيمية رَحِمَةُ اللَّهُ: ((أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُومِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ... فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه؛ فإن كان كفرًا، أو معصية، أو شعارًا لها كان حكمه كذلك. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه بعلة كونه تشبهًا، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا ولم يأخذه أحدهما (١) ((شرح النووي على مسلم)) (١٤ / ٥٥). (٢) أخرجه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥١١٥)، وأبو داود في ((السنن)) (٤٠٣١)، والطحاوي في ((شرح المشكل)) (٢٣١)، وجوَّد إسناده ابن تيمية في ((الاقتضاء)) (١ / ٢٦٩)، وصححه العراقي في ((تخريج الإحياء)) (ص ٣١٨)، وحسَّنه ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٠ / ٢٧١).

عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهًا نظر، لكن قد يُنهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه))(١). ولتوافر هذه الأدلة وغيرها من الوحيين، جاء الإجماع على حرمة التشبه بالكفار(٢)، فأمير المؤمنين عمر في محضر الصحابة رَضَى اللَّهُ عَنْهُ، ثم عامة الأئمة من بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط التي أُخذت على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم أن ( .. لا نتشبه بهم في شيء من لباسهم قلنسوة، أو عمامة، أو نعلين، أو فرق شعر .. وأن نلزم زينا حيثما كان .. وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبًا .. )) (٣). قال ابن تيمية رَحِمَةُ اللَّهُ: ((وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة. إلى أن قال: وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهرًا))(٤). وللحكم على أمر من الأمور بأنه تشبه أو لا يراعى هذه الضوابط: * اختلاف الدين أو الجنس أو النوع بين المتشبّه والمتشبّه به. * كون التشبه في أمر خاص بالمتشبّه به.

* كون التشبه في غير مصلحة شرعية. فمتى اجتمعت هذه الثلاثة في أمر من الأمور؛ فهو تشبه محظور. والآن؛ هل هذه الضوابط الثلاثة تنسحب على ارتداء الملابس الرياضية الخاصة بالفرق والأندية الغربية أو لا؟ إذا نظرنا إلى الضابط الأول وجدنا أنه متوافر، في الأعم الأغلب، وإلا فأنه يوجد بعض لاعبي الأندية الغربية من المسلمين، ويبقى أغلب اللاعبين المشاهير في العالم - وتعتبر القمصان التي تحمل أسماءهم أو أرقامهم أو صورهم الأكثر مبيعًا - كفارًا. وإذا نظرنا إلى الضابط الثاني، فإن كان المراد بالخصوصية: أن تلك الملابس خاصة بتلك الفرق والأندية، فهذا ظاهر، وأغلب من يرتدي شيئًا من هذه الملابس الرياضية؛ يعرف فانلة أو قميص أي نادي أو فريق يرتدي، واسم اللاعب الذي يرتدي هذا القميص بذلك الرقم؛ لأنه يعلم أن هذا اللباس يخص هذا الفريق أو ذاك اللاعب لا غيره. وإن أريد بالخصوصية: أن هذا لبس للكفار دون غيرهم؛ فهذا لا يستقيم؛ لأن هذه الملابس بوصفها ملابس رياضية يرتديها الكفار وغيرهم من المسلمين فلا خصوصية لهم بذلك. وبهذا يظهر أن الأمر يدور حول الشعار الملبوس فهل كونه للنادي الفلاني الغربي الكافر، كافٍ في تحريمه، هذا غير ظاهر، وإن كان الأمر

لا يخلو من كراهية من تعلق اللابس بذلك الفريق وشعاره، وكذا حبه له وللاعبيه، والقول بالكراهية ينسجم مع الضابط الثالث إذ أن التشبه في غير مصلحة شرعية، بل المفسدة في ذلك أظهر وأبين، وهذا ما يأتي له مزيد بيان في المبحث القادم. هذا کله إذا کانت هذه الملابس لیس عليها شعارات الكفار الدينية كالصليب ونحوه، أما فى حال وجود تلك الشعارات؛ فالقول بتحريمها هو الصواب. الملابس الرياضية وشعارات الكفار: أنواع شعارات الكفار وحكمها: يمكن تقسيم شعارات الكفار إلى نوعين:

الأول: شعارات دينية: مثل الصلبان ونحوها، والصواب تحريم ارتداء الملابس التي تحمل الصليب، ومِنْ ثَمَّ يحرم بيعها وشراؤها واقتناؤها.

الثاني: شعارات غير دينية: مثل أعلام هذه تلك الأندية أو أعلام دولها، فإن كانت أعلام تلك الدول تحمل الصليب ظاهرًا، مثل أعلام كل من: إنجلترا، والدنمارك، والسويد، وجورجيا، وكرواتيا، وفنلندا، ومالطا، وأيسلندا، وسلوفاكيا، وغيرها من الدول الغربية، فهذا اتجاه القول لتحريمه ظاهر، أما إن كانت لا تحمل تك الشعارات، فإن فهم من تك الملابس التي تحمل أعلام تلك الدول أنها ملابس تخص الكفار، فإن من المعلوم أنَّ

لبس المسلم للثوب الخاص بالكفار تشبّهُ محرم، أما إن لم يفهم هذا وأنتشر لبسها، ولم تخص تلك الدول فلأظهر عدم حرمتها. وإن تبع ارتداء تلك الملابس التي تحمل شعارات الدول أو الأندية معنى الميل العاطفي إليها، أو تعظيمها والانتماء إليها، فلا ريب أن هذا نوع من المودة المنهي عنها في قوله تعالى: ﴿لَّاَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلْيَوْمِ الْآَخِرِ بُوَآدُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَّهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. ولقد اتضح هذا التشبه والميل والولاء لتلك الأندية ولاعبيها، بعد عمل استبانة لمشجعي تلك الأندية، وأن الواحد يقدم نادية وحبه والدفاع عنه، ولو لزم كره المسلم ومعاداته، مع ما يتبع ذلك من الحرص على مشابهة ذلك النادي ولا عبيه في زيهم وصورهم حتى في تسريحات شعورهم. ومن المتقرر: أن من مقاصد الشريعة الإسلامية المطهرة، أن يكون المسلم متميزًا عن جميع الكفار في عقيدته وأخلاقه وسلوكه وتفكيره، بل وفي مظهره ولغته - أيضًا-، وقطع جميع علائق المحبة والولاء والنصرة لكل كافر بالله ورسوله، وقد تكاثرت الدلائل الشرعية نصية واستنباطية مؤكدة هذا الأصل الإسلامي، محذرة من نقضه أو التساهل به، عن طريق المحاكاة والتشبه بالذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة،

Z

JOD

وجاء عن رسول الله وَله أنه لما رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِ لَّهُ عَنْهُمَا ثوبين معصفرين قال: ((إن هذه من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها))(١). وبناءً على القول بحرمة ارتداء الملابس التي تحمل شعار الصليب وأعلام الكفار؛ فإنه يقال: إن ارتداء الفانلات أو القمصان الرياضية التي تحمل شعارات عليها صلبان أو أعلام الكفار كفائلة فريق البرازيل، وبرشلونة، وريال مدريد، وغيرها من الفرق والأندية الرياضية الشهيرة حرام، وبالتالي ينسحب هذا الحكم على صناعتها في ديار المسلمين، أو بيعها، أو التسويق لها، أو رعايتها؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وما لا يتم الحرام إلا به فهو حرام. وفي الختام أسأل الله جل وعلا أن يبارك في عملنا، وينفع به، وأن يجعله صالحًا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يعصمنا من (١) سبق تخريجه (ص ٦٣).

الزلل والخطأ، وأن يعيذنا من فتنة القول والعمل، ويسلك بنا سبيل التوفيق والسداد إن سميع عليم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الحبيب، وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شعارات أندية عليها صلبان

F.C.B.

CBF BRASIL

TAS.904 IISETAS CO

Fly

INTER

IDS

1908

PARMA A.C.

ACM

1899

ملابس رياضية عليها صلبان

QATAR AIRWAY'S

الدكتور/ خالد ناظم الزوبعي العراق