ـعرة! وهكذا يكون جزاء الصالحين الناصحين: غفران من الذنوب، وإكرام من المحبوب. ولذلك جعل رسول الله النصيحة؛ فقال: ((الدين النصيحة)). ففهم الصحابة عظم النصح في الدين، حتى جعله الصحابي الجليل جرير بن عبد الله رَضِاللَّهُ عَنْهُ من شروط بيعته، فقال: ((بايعت رسول الله وَّجله على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)). ولمّا أرسل جرير بن عبد الله رَضِ اللَّهُ عَنْهُ غلامه إلى السوق؛ ليشتري فرسًا، وكان الغلام ذكيًا وحاذقًا، واستطاع أن يشتري فرسًا من رجل بثلاثمائة درهم، وكانت فرسًا قوية، وجاء مسرورًا، وجاء معه صاحب الفرس إلى جرير لينقده الثمن، فنظر جرير بن عبد الله رَضَِّلَّهُ عَنْهُ إلى الفرس، وقال: بكم اشتريت هذا؟ قال: بثلاثمائة درهم، قال: يا صاحب الفرس! إن فرسك تساوي أربعمائة، قال له الرجل: بعتك. قال: تساوي
مَدَّةِ عقدة الدين وَسَلَمُ
بعتك !. فارتفع السعر من ثلاثمائة درهم إلى ثمانمائة درهم، فلما أعطاه الثمانمائة درهم، وخرج الرجل - صاحب الفرس - بقي الغلام مذهولاً، قال لـ جرير: ما هذا الذي صنعت؟ قال: ((إني بايعت رسول الله وَّةٍ على النصح لكل مسلم!». هذا هو النصح للمسلم؛ ففرسه تساوي ثمانمائة، لماذا تنقص في السعر وتبخس الناس أشيائهم؟ !. قال الفضيل بن عياض رَحِمَةُ اللَّهُ: ((الحبُّ أفضل من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك، والآخر يخافك، فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدًا كنت أو غائبًا لحبِّه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخاف، ويغشَّك إذا غبت ولا ينصحك)).
وقال عمر بن عبد العزيز رَحِمَةُ اللَّهُ: «لو أنَّ المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل الذي خلق له من عبادة ربه، إذن التواكل الناس الخير، وإذن يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقلَّ الواعظون والساعون الله عزَّ وجلَّ بالنَّصِيحَة في الأرض)».
وقال معمر رَحِمَةُ اللَّهُ: ((كان يقال: أنصح الناس لك من خاف الله فيك. وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد، وعظوه سرًّا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه؛ فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس؛ فإنما وبَّخه)).
قال الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ: تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه وإن خالفتني وعصيت قولي فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
وقال الإمام ابن حزم رَحِمَةُ اللَّهُ: - لا تنصح على شرط القبول. - ولا تشفع على شرط الإجابة. - ولا تَهَب على شرط الإثابة. - ولكن على سبيل استعمال الفضل، وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف. وإنا لنشهد الله! أننا ما كتبنا ولا نشرنا في (الصحيفة) إلّا النصح، وما أردناها إلّا أن تكون لله خالصة، ومن القلب (صادقة)
عن تميم الداري رَضِ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي ◌َّ؛ قال: ((الدين النصيحة)) قلنا : لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)). [أخرجه مسلم (٥٥)].
رئيس التحرير
ضعيفة الَّدَارقى
في مسيرة السالكين إلى الله، الملتزمين منهج السلف الصالح، المتمسكين بسبيل المؤمنين: عقبات كأداء، وخصوم ألداء، ولأواء وأدواء؛ لا يخلص منها إلا من أراد الله له الثبات. في هذه الأجواء المشحونة: بكثرة الفتن، وتوالي المغريات ما أحوجنا إلى النداء
النبوي الحاني: ((يا عباد الله اثبتوا)). إن الثبات يعني: عدم التمييع والتلون. إن الثبات يعني: الاستمرار على الحق ولو كنت وحدك.
لقد كانت مسألة الثبات على منهج السلف الصالح، والتمسك بدين الله هي
الشغل الشاغل للنبي ولأهل العلم والصالحين: