فنزول الأنعام على ظاهره وهو نزولها من بطون أمهاتها، ومن أصلاب آبائها، وهذا نزول من علو إلى سفل، وذكر بعض أهل العلم أنه كما أنزل أصل الإنسان وهو آدم من السماء للأرض، فما المانع أن يكون أصل الأنعام أنزل مع أصل الأنام كذلك. وأما نزول السكينة والإيمان فهو أيضا على حقيقته، فإن الله ينزلها من عنده إلى خلقه، وتنزل بها الملائكة على قلوب بني آدم. وأما نزول القرآن فهو أيضا على حقيقته فإن جبريل نزل به على النبي وَل. وأما نزول الحديد فهو كذلك على ظاهره، لأنه ينزل من رؤوس الجبال كما هو معلوم، وقد أثبتت الحقائق العلمية اليوم أن أصل معدن الحديد ليس من كوكب الأرض بل من الفضاء الخارجي، وأنه من مُحلّفات الشهب والنيازك. وأما إنزال اللباس والريش فإنه ينزل من ظهور الأنعام، والأنعام أيضا منزلة من البطون والأصلاب، فهو منزل من علو إلی سفل من الجهتين، وقيل: هو ما نزل من اللباس مع آدم وحواء ليكون مثالاً لغيره.
الشبهة الخامسة: أن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول فقد یکون عند قوم أول اللیل، وعند آخرین نصفه، وعند آخرين ثلثه الآخر، وعند قوم لازال النهار طالعا، فکیف ینزل عند هؤلاء وعند هؤلاء؟.
وهذه الشبهة هي أكبر شبه القوم التي يدندنون عليها، ويحومون حواليها، والقوم إنما جاءتهم هذه الشبهة، لأنهم تخيلوا أن نزول الله -عز وجل- من جنس نزول خلقه، فكما أنك لو نزلت من على السطح إلى الأرض فإن السطح يصير فوقك، ويصبح السطح خاليا، فكذلك ظنوا أنه يلزم من نزول الله عز وجل للسماء الدنيا أن يكون العرش خاليا، وكما أنه لا يستطيع الإنسان أن يكون في البيت وفي السوق وفي المسجد وفي العمل في وقت واحد، ظنوا أن الله - عز وجل- لا يمكنه أن ينزل عند هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، كل في ثلث ليلهم الآخر، وهو مع ذلك فوق عرشه في وقت واحد. وإن عجبت أخي الفاضل فحق لك أن تعجب ... كيف ساغ لهؤلاء القوم أن يقيسوا ربهم العلي القدير بالمخلوق الضعيف الحقير؟! كيف جوزت لهم عقولهم أن يقيسوا الخالق بالمخلوق؟ وأن يقيسوا رب الأرباب بالتراب؟ وأن يقيسوا خالق الأرض والسماوات بغيره من المخلوقات؟! إن هذا لشيء عجاب. لقد نسي هؤلاء القوم أو تناسوا أنه الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. لقد نسوا أو تناسوا أنه على كل شيء قدير. لقد نسوا أو تناسوا أنه تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. وأما عن جواب هذه الشبهة مفصلا فأوجزه لك في هذه النقاط: أولًا: اعلم أخي وفقك الله أن الله -عز وجل- هو الذي خلق هذا الكون، وهو الذي خلق الأزمنة والأمكنة والقوانين المنظمة التي تحكم البشر وتسيرهم، أما هو -عز وجل- فلا تحكمه هذه الأزمنة والأمكنة، ولا تحکمه هذه النظريات والأنظمة فهو خالقها وواضعها
ومنشئها -عز وجل-، فهو يحكم عليها ولا تحكمه فتبارك الله أحسن الحاکمین.
ثانيًا: أن الله -عز وجل- لا يشبه خلقه في شيء من صفاته، ولا يعلم أحد کنه ذاته، ولا کیفیة صفاته، فهو سبحانه ينزل ولا نعلم كيف ينزل، ولكننا نعلم أن نزوله ليس کنزول البشر، کما أن سمعه لیس کسمعهم، وبصره ليس كبصرهم، وحياته ليست كحياتهم، وقدرته ليست كقدرتهم، وإنما تتأتى هذه الشبه إذا علمنا أن نزوله - عز وجل - كنزول المخلوقين، أما ونحن لا نعلم كيفيه نزوله، ونعلم أن نزوله غير نزول المخلوقين لأنه ليس كمثله شيء، فلا يمكننا أن نقول مثل هذه الأقوال، ولا أن نورد مثل هذا الإشكال.
ثالثًا: أن نزول الله عز وجل ليس من جنس نزول عباده، ولا یعلم کیفیته إلا هو، فهو ینزل للسماء الدنيا وهو فوق عرشه، ولا يمتنع في حق الله -عز وجل - وعظيم قدرته أن ينزل في وقت واحد لخلق كثير فينزل لهؤلاء وهؤلاء وأولئك، أليس الله على كل شيء قدير؟ !. ولتتضح لك الصورة أخي الموفق فهذه أمثله أضعها بين يديك توضح لك الصورة: أليس الله -عز وجل- يحاسب الخلق كلهم في ساعة واحدة، وكل منهم يخلو به ويكلمه في ساعة واحدة، لا يشغله حساب هذا عن ذاك ولا ذاك عن هذا؟. أليس الله -عز وجل- يرزق الناس في كل وقت وكل حين، فيرزق في الساعة الواحدة خلقًا كثيرًا لا يشغله رزق هذا عن رزق ذاك ولا رزق ذاك عن رزق هذا؟. أليس الله -عز وجل- يسمع ویری کل شيء حتی دبیب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فهو في الساعة الواحدة يرى جميع خلقه في السماوات والأرض، ويسمع كلام الخلق كلهم على اختلاف لغاتهم في آن واحد، لا يشغله سمع عن سمع، ولا نظر عن نظر؟. فكما يفعل الله عز وجل ذلك كله، فهو كذلك ينزل إلى سماء أهل كل بلد في ثلث ليلهم الآخر، لا يشغله شأن عن
عن عباد بن العوام، قال: قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحو من خمسين سنة، فقلنا له: يا أبا عبد الله، إنا عندنا قومًاً من المعتزلة، ينكرون هذه الأحاديث أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، وأن أهل الجنة يرون ربهم. فحدثني شريك نحو من عشرة أحاديث في هذا، ثم قال: أما نحن، فأخذنا ديننا، عن أبناء التابعين، عن الصحابة، فهم عمن أخذوا؟. [رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" (٢٧٣/١)، وابن منده في "التوحيد" (٨٩١)].
حدث أبو العباس السراج إملاء قال: من لم يقر بأن الله تعالى يعجب، ويضحك وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: من يسألني فأعطيه فهو زنديق كافر, يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. [ ذكره الذهبي في «العلو» انظر مختصره (ص ٢٣٢)].
شأن، ولا حال عن حال، سبحانه هو العظيم المتعال، وكما قال الفضيل بن عياض: ((إذا قال لك الجهمي: أنا كفرت برب ينزل. فقل له: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء)) (١).
رابعًا: ونضرب هنا بعض الأمثلة مما خلقه الله عز وجل من مخلوقاته يتضح بها المقال، ویزول بإذن الله الإشکال: المثال الأول: الروح لا تزال في بدن العبد ليلا ونهارًا، ولا تخرج من جسد الإنسان إلا بعد موته، ومع ذلك فهي في وقت النوم تعرج إلى السماء وهي في الوقت نفسه لم تفارق البدن لأنها لو فارقته لمات فهي في السماء وفي البدن في وقت واحد، وكذلك فهي أيضا تصعد من الساجد في وقت سجوده، وتقرب من الله عز وجل مع بقاءها في جسده. المثال الثاني: أرواح الشهداء تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي مع ذلك تسمع سلام المسلم عليها عند قبرها، وتدنو حتى ترد عليه السلام. المثال الثالث: النبيِ وَّل يقول: ((ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد عليه)(٢) ففي هذا الحديث أن الله یرد علیه روحه کل ما سلم علیه مسلم، ویرد النبي ◌َّ على كل من سلم عليه، ولك أن تتخيل كم هم الذين يصلون على النبي ◌َّ في الوقت الواحد، والساعة الواحدة، بل وفي الدقيقة الواحدة، ومع هذا فهو يرد على الجميع لا يشغله الرد على هذا عن الرد على غيره. المثال الرابع: كل إنسان يجد نفسه تقرب من نفوس كثير من الناس وتميل إليها في الوقت نفسه من غير أن يصرفها قربها لهذا عن قربها لهذا. المثال الخامس: الشمس جسم واحد متحرك بحركة واحدة متناسبة لا تختلف، وبهذه الحركة الواحدة تكون طالعة على قوم، وغاربة عند آخرين، وقريبة من قوم، وبعیده عن آخرین، ویکون عند قوم منها ليل (١) رواه البخاري في خلق أفعال العباد (٤٦) وابن بطه في الإبانة الكبرى (٢٠٥/٣). واللالكائي في شرح الاعتقاد (٥٠٢/٣). (٢) رواه أبو داود في سننه (٢٠٤٣).
وعند قوم نهار، وعند قوم شتاء، وعند قوم صيف، وعند قوم حر، وعند قوم برد، فهذه حركة واحدة من مخلوق واحد یکون عنها ليل ونهار في وقت واحد وشتاء وصيف وحر وبرد في وقت واحد. فإذا كانت هذه المخلوقات قادرة على فعل مثل هذه الأمور المذكورة في وقت واحد، فكيف يمتنع على خالق كل شيء الواحد القهار أن ينزل على قوم في ثلث ليلهم الأخير، وينزل على آخرين في ثلثهم الأخير، ولا يشغله شأن عن شأن، سبحانه هو الواحد القهار؟ !. ولكن صدق الله عز وجل عندما قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
خامسًا: إنما زين الشيطان لهؤلاء القوم هذه الشبهة لأنهم أقحموا عقولهم القاصرة في الغيبيات، وكان الواجب على المؤمن أن يصدق بما جاء به الله ورسوله من أمور الغيب، ويسلم لها سواء أدركها العقل القاصر أم لم يدركها، وهذا هو موجب الإيمان بالله -عز وجل-،
قال إسحاق بن راهويه : دخلت على عبد الله بن طاهر أمير خراسان، فقال لي: ما هذه الأحاديث؟ تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قلت: نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام، فقال: ينزل ويدع عرشه؟ فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم، قلت: فلم نتكلم في هذا؟ [مختصر العلو (ص ١٩٢)].