الموضوع مختصر من كتاب ((نور اليقين في سيرة سيد المرسلين)) (ص:

٣٨ -٤٣).

وكان أبو جهل كثيرًا ما ينهى الرسول وَّر عن صلاته في البيت، فقال له مرّة بعد أن رآه يصلي: ألم أنهك عن هذا، فأغلظ له رسول الله وَله القول وهدّده، فقال: أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا، فأنزل الله تهديدًا له في آخر سورة العلق ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١٩) [العلق:

١٥-١٩]. أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح. ومن أذيته للرسول ما حكاه عبد الله بن مسعود ظه من رواية البخاري قال: كنا مع رسول الله وَله في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى فرث - أي: كرش - جزور بني فلان فيلقيه على محمّد وهو ساجد؟ فقام عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وجاء بذلك الفرث، فألقاه على النبي بَلِّ وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين الذين كانوا بالمسجد على القائه عنه لضعفهم عن مقاومة عدوهم، ولم يزل عليه الصلاة والسلام ساجدًا حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمته. فلّا قام دعا على من صنع هذا الصنع القبيح فقال: ((اللهمّ عليك الملأ من قريش وسمّى أقوامًا!))، قال ابن مسعود : فرأيتهم قتلوا يوم بدر، فألقوا في البئر. (رواه البخاري ٣١٨٥، ومسلم ١٧٩٤).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- ((فكيف بمن عادى الأنبياء؟ ومن حارب الله حُورِبَ، وإذا استقريت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء، وقابلوهم بقبيح القول أو العمل، وهكذا بنو إسرائيل إنما ضربت عليهم الذلة، وباؤوا بغضب من الله، ولم يكن لهم نصير لقتلهم الأنبياء بغير حق، مضمومًا إلى كفرهم، كما ذكر الله ذلك في كتابه، ولعلك لا تجد أحدًا آذى نبيًا من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولابد أن يصيبه الله بقارعةٍ، وقد ذكرنا ما جرَّبه المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله وَليّة، وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة، وهذا باب واسع لا يحاط به، ولم نقصده هنا، وإنما قصدنا بيان الحكم الشرعي. ونظير هذا: ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن، أو المدينة الشهر، أو أكثر من الشهر، وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله ێے، والوقيعة في عِرْضِه، تعجلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين، أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكان عَنْوَة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظًا علیهم بما قالوه فیه. وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي عباده المؤمنين)). انتهى. الصارم المسلول (ص: ١٦٥)

السنة والسيرة النبوية

ومما حصل لرسول الله مع أبي جهل، أنّ هذا ابتاع -أي: اشترى - أجمالًا من رجل يقال له: الإراشي، فمطله بأثمانها فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدة على أخذ ماله فدلوه على رسول الله وَله لينصفه من أبي جهل، استهزاءً؛ لما يعلمونه من أفعال ذلك الشقي بالرسول ◌َاللّة، فتوجّه الرجل إليه وطلب منه المساعدة على أبي جهل، فخرج معه حتى ضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال: ((محمّد)). فخرج منتقعًا لونه، فقال له الرسول وقوله: ((أعط هذا حقه))، فقال أبو جهل: لا تبرح حتى تأخذه، فلم يبرح الرجل حتى أخذ دينه، فقالت قريش: ويلك يا أبا الحكم، ما رأينا مثل ما صنعت !. قال: ويحكم! والله ما هو إلّا ضرب على بابي، حتى سمعت صوتًا فملئت منه رعبًا، وأن فوق رأسي فحلًا من الإبل ما رأيت مثله. ((السيرة النبوية)) (٣٨٩/١-٣٩١) لابن هشام.

ومن جماعة المستهزئين: أبو لهب بن عبد المطلب عم رسول الله وَخلقه، كان أشدّ عليه من الأباعد، فكان يرمي القذر على بابه لأنه كان جارًا له، فكان الرسول وَلّ يطرحه ويقول: يا بني عبد مناف! أيّ جوار هذا، وكانت تشاركه في قبيح عمله زوجه أمّ جميل بنت حرب بن أمية، فكانت كثيرًا ما تسبّ رسول الله ◌َله، وتتكلّم فيه بالنمائم، وخصوصًا بعد أن نزل فيها وفي زوجها سورة أبي لهب.

ومن المستهزئين: عقبة بن أبي معيط، كان الجار الثاني لرسول الله وَّه، وكان يعمل معه كأبي لهب، صنع مرة وليمة، ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله ◌َّة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله))، فتشهّد، فبلغ ذلك أبي بن خلف الجمحي القرشي، وكان صديقًا له فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال لا شيء، دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له. قال أبيّ: وجهي من وجهك حرام، إن لقيت محمّدًا فلم تطأ عنقه، وتبزق في وجهه، وتلطم عينه، فلمّا رأى عقبة رسول الله بَّ فعل به ذلك فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ قُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان:

٢٧ -٢٩]. ومن أشد ما صنعه ذلك الشقي برسول الله ◌ّية، ما رواه البخاري في صحيحه قال: بينما النبي يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنق رسول الله وَ ل﴾ فخنقه خنقا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي وقّ، وقال:

﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].

ومن جماعة المستهزئين، العاص بن وائل السهمي القرشي والد عمرو بن العاص، كان شديد العداوة لرسول الله، وكان يقول: غرّ محمّد أصحابه أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلّ الدهر، فقال الله ردًا عليه في دعواه في سورة الجاثية: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا هُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤]. وكان عليه دين لخبّاب بن الأرتّ ومِنفعنه، أحد رجال المسلمين، فتقاضاه إياه فقال العاص: أليس يزعم محمّد هذا الذي أنت على دينه، أن في الجنة ما يبتغي أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى هذا اليوم فسأوتى مالا وولدًا وأقضيك دينك، فأنزل الله فيه: ﴿فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطََّعَ الْغَيْبَ أَمِ اَّخَذَّ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدَّا (٧٩) وَنَرِئُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِيْنَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم:

٧٧ -٨٠].

ومن جماعة المستهزئين: الأسود بن عبد يغوث الزهري القرشي، من بني زهرة أخوال رسول الله وَليّة، كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول قد جاءكم ملوك الأرض استهزاءً بهم لأنهم متقشفین: ثيابهم رثة، وعيشهم خشن، وكان يقول لرسول الله وَله سخرية: أما كلمت اليوم من السماء؟.

ومنهم: الأسود بن عبد المطلب الأسدي، ابن عم خديجة كان هو وشيعته إذا مرّ عليهم المسلمون يتغامزون وفيهم نزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَالَّونَ (٣٢)﴾ [المطففين:

٢٩-٣٢].

ومن المستهزئين: النضر بن الحارث العبدري من بني عبد الدار بن قصي كان إذا جلس رسول الله وَلي مجلسا يحدّثهم ويذكّرهم ما أصاب مَنْ قَبلهم، قال النضر: هلمّوا يا معشر قريش فإني أحسن منه حديثا ثم يحدّث عن ملوك فارس، كان يعلم أحاديثهم، ويقول ما أحاديث محمّد إلّا أساطير الأولين وفيه نزل في سورة لقمان ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي هُوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهَّ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ هُمْ عَذَّابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٦، ٧].

ومنهم: الوليد بن المغيرة، عم أبي جهل، كان من عظماء قريش وفي سعة من العيش سمع القران مرة من رسول الله وَّة، فقال لقومه بني مخزوم: والله لقد سمعت من محمّد آنفًا كلامًا، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة، وأن أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق، وأنه يعلو وما يعلى، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، لتصبأنّ قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فتوجه وقعد إليه حزينًا وكلمه بما أحماه، فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمّدا مجنون، فهل رأيتموه يهوّس؟ .. وتقولون أنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ .. وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قطّ؟ .. وتزعمون أنه كذّاب، فهل جرّبتم عليه شيئًا من الكذب؟ .. فقالوا: في كل ذلك اللهمّ لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر قليلاً ثم قال: ما هو إلّا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فارتج النادي فرحا. فأنزل الله في شأن الوليد في (سورة المدثر) مخاطبًا لرسوله ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَا تَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأَصْلِيهِ سَقَر (٢٦)﴾ [المدثر:

١١- ٢٦]، وأنزل فيه أيضًا: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ كثير الحلف وكفى بهذا زاجرًا لمن اعتاد الحلف ﴿مَهِينٍ﴾ حقير، وأراد به الكذاب لأنه حقير في نفسه ﴿هَمَّارٍ﴾ عيّاب طعان ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيم) ينقل الأحاديث للإفساد بين الناس ﴿مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيم عُثُلٌ﴾ (غليظ جاف) ﴿بعد ذلك زنيم﴾ (دخيل) ﴿أَنْ كَانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلِى عَلَيْهِ آياتنا قالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الحُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٠، ١٦]، كناية عن الإذلال والتحقير لأن الوجه أكرم عضو والأنف أشرف ما فيه ولذلك اشتقُوا منه كل ما يدلّ على العظمة كالأنفة وهي الحمية فالوسم على أشرف عضو دليل الإذلال والإهانة. وكل هؤلاء انتقم الله منهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهَّ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ [الحجر: ٩٦،٩٥]. وقد وضع الله جلّ ذكره الوعد في صورة الماضي للتحقّق من وقوعه، لأن الاية مكية وهلاك هذه الفئة كان بعد الهجرة، فمنهم من قتل كأبي جهل. والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، ومنهم من ابتلاه الله بأمراض شديدة فهلك منها، كأبي لهب، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ■

وظيفة

نعم ... يقرب رب العزة من عباده ليغفر للتائبين النادمين، ويعطي السائلين المحتاجين، ويستجيب لعباده المؤمنين. نعم ... إنه الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فهو أرحم بعباده من أهليهم ووالديهم، بل وحتى من أنفسهم. يتفقد عباده، ويقرب منهم، ليجيب دعائهم، ويكشف كربتهم، ويفرج همهم، ويقبل توبتهم. يقول نبينا وَله: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له))١. في هذا الحديث العظيم، يبين لنا النبي الكريم وَّ صفة عظيمة من صفات الله -عز وجل -وكل صفاته عظيمة كريمة - ألا وهي: صفة النزول: ولنقف أيه الأحبة مع هذا الحديث الشريف، ومع هذه الصفة الكريمة لنعرف معناها وأدلتها وأقوال سلف الأمة فيها، ونكشف خطأ وضلال من أولها، أو حرفها، فضلًا عمن أنكرها، أو جحدها، من أهل الزيغ والضلال. معناها: اعلم أخي الحبيب أن النزول في اللغة كما يعرفه أهل العلم واللغة: هو حقيقة في إتيان الشيء ومجيئه من علو إلى سفل، ولا تعرف العرب غير هذا المعنى من لفظ النزول ٢.

والقرآن والسنة إنما جاءا بلسان العرب ولغتهم، فلم يأتي النزول فيهما إلا بهذا المعنى، وهذا المعنى هو الذي يعرفه الناس بفطرتهم، ويرتكز في نفوسهم، وهو أول ما يتبادر إلى أذهانهم عند إطلاق هذا اللفظ. إذا علمت هذا؛ فاعلم أن نزول الله عز وجل الذي جاء في القرآن والسنة إنما هو نزول حقيقي يليق بجلالته وعظمته، وهو صفة من الصفات الفعلية التي يتصف الله عز وجل بها، ويفعلها كيف شاء، ومتى شاء، فهو سبحانه فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير. ثبوتها: أخي المسلم قد ثبتت صفة النزول في الأخبار النبوية المتواترة القطعية التي لا يبقى معها أي مجال للشك أو التردد، وقد جاءت في أصح كتابين بعد كتاب الله عزَّ وجل، ألا وهما صحيح البخاري ومسلم اللذان أجمعت الأمة على قبولهما. وقد روى أحاديث النزول نحو ثمان وعشرين صحابيا٣، قال الإمام أبو بكر بن أبي داود - رحمه الله -: روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا وقد أجمعت الأمة على إثبات هذه الصفة، وقد نقل الإجماع عليها أكثر من تسعة عشر إمامًا منهم: الأوزاعي، والترمذي، والدارمي، وابن سريج، والكرماني، ومحمد بن الحسن الشيباني، والصابوني، وابن عبد البر، وأبو نعيم وغيرهم الكثير. أنواع النزول الواردة: ثبت نزول الله عز وجل بأنواع مختلفة، منها النزول للسماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير من الليل، والنزول للسماء الدنيا عشية عرفة، وليلة النصف من شعبان، والنزول لفصل القضاء وغيرها من الأنواع الثابتة في الكتاب والسنة. ٣ كما في "مختصر الصواعق" (٣ / ١١٠٨).

١- حين يبقى ثلث الليل الأخير، وهو الذي عليه أکثر الروايات.

٢- إذا ذهب ثلث الليل الأول١.

٣- إذا مضى ثلث الليل الأول أو نصف الليل٢.

٤- إذا مضى شطر الليل ٣ - أي نصفه -.

٥- النصف أو الثلث الأخير ٤.

٦- الإطلاق بدون تقييد بزمن معين٥. وأما عن توجيه هذه الروايات فإننا نقول: أن المطلق منها يحمل على المقيد، وأما الروايات التي جاءت بصيغة ((أو)) التي هي للشك فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه. وأما بقيه الروايات فقد اختلف في الجمع بينها اختلافًا كثيرًا وأولى ما قيل فيها هو أن تسمية النزول في الثلث الأول نزولا إنما هو من باب تسمية الشيء بمقدماته، فسمي نزولًا لأنه من مقدمات النزول، ولأنه متصل به، كما أطلق سبحانه على وقت الزلزلة والرجفة المتصلة بيوم القيامة أنها يوم القيامة، فمقدمات الشيء ومبادئه کثیرا ما يسمى الشيء بها، قال ابن القيم رحمه الله بعد ذكره هذا القول: ((وهذا الوجه أقوى الوجوه)) (٦). النبي ◌َّ يقول: ((ينزل ربنا !! )). وهم يقولون: لا ينزل

ربنا.

(٨٠)] من طريق محفوظ بن أبي توبة، ومحفوظ ذكره العقيلي في [الضعفاء (٤ / ٢٦٧)]. وضعفه أحمد. انظر [الميزان (٣/ ٤٤٤)]. (٦) مختصر الصواعق ص (٣/ ١١٣٥).

إن من العجيب أخي المؤمن أن يوجد هناك كثير ممن ينتسبون للإسلام ويتسمون باسم الإيمان، وهم مع ذلك ينكرون كثيرًا مما أثبته الله لنفسه، ويعطلونه عن معناه. نعم لقد قدم أهل الكلام عقولهم على كلام ربهم، وقدموا أهواءهم على سنة نبيهم، فجعلوا عقولهم القاصرة حكمًا على كلام من خلقهم، وخلق عقولهم، فلم تتصور عقولهم تلك الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ولم يستطيعوا إدراكها النقص في عقولهم، وضعف في إدراكهم مع تلبيس الشيطان عليهم، وإغوائه لهم، فقاموا بتأويل النصوص وتحريفها، وتعطيلها وتفويضها كما قال شاعرهم: وأي نص أوهم التشبيها

أوله أو فوضه رم تنزيها وإن من أعظم الصفات التي أغاظت القوم، وضجت مضاجعهم صفة النزول، ورحم الله الإمام الدارمي عندما قال عن حديث النزول أنه: ((أغيظ حديث للجهمية، وأنقض شيء لدعواهم»(٧). وذلك لأن إثبات هذه الصفة يعني هدم كل أصول الجهمية، وقواعدهم الفاسدة، وبراهينهم المتهاوية. وقد أنكر القوم هذه الصفة بشبهات زائفة، وأدلة متهاوية، وحجج داحضة، وسأذكر بإذن الله أبرز هذه الحجج التي يحتج بها القوم وأبين فسادها باختصار :-

مجمل الشبهات والرد عليها: الشبهة الأولى: أن إثبات النزول لله -عز وجل - يلزم منه إثبات الحركة، وهي من صفات الأجسام. وهذه شبهة باطلة لأن ليس كل ما يتحرك فهو جسم، فالهواء يتحرك وليس بجسم، والأرواح تتحرك وليست

(٧) [نقض الدارمي على بشر المريسي (١ / ٥٠٠)].