40
الصبر والحر!
مما يضاعف ثوابه في شدة الحر من الطاعات: الصيام؛ لما فيه من ظمأ فقلت: من أنت؟ ومن أين أنت؟ أو ما ترى أين نحن؟ وهل نستطيع
الهواجر:
ولهذا كان معاذ بن جبل رضيته يتأسف عند موته على ما يفوته من ظمأ على نفسه؟ قال: قلت: بلى أخبرنا، قال: ((فإنّ الله - تعالى- قضى على
الهواجر. وكان أبو بكر الصديق رضيعنه يصوم في الصيف، ويفطر في الشتاء.
20
نفسه أنّه من عطّش نفسه لله عزّ وجلّ في يوم حارّ كان حقّا على الله أن يرويه يوم القيامة))، قال: فكان أبو موسى رضُبه يتوخّى ذلك اليوم
ووصى عمر صيعنه عند موته ابنه عبد الله؛ فقال له: عليك بخصال الحارّ الشّديد الحرّ الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان فيصومه.
الإيمان، وسمى أولها: الصوم في شدة الحر في الصيف !.
(الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن البغدادي الدمشقي الحنبلي أبو الفرج الشهير بابن رجب - المتوفى ٧٩٥هـ)
قال القاسم بن محمد: كانت عائشة مطوّهعنها تصوم في الحر الشديد؛ قيل قال الحسن البصري - رحمه الله - : ((تقول الحوراء لولي الله -وهو
له: ما حملها على ذلك؟ قال: كانت تبادر الموت !.
وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي في ((شعب الإيمان)»، وأبو نعيم في ((الحلية)) - واللفظ له-، عن أبي موسى الأشعري رضُبه، قال: خرجنا غازين في البحر، فبينما نحن والرّيح لنا طيّة، والشّراع لنا مرفوع، فسمعنا مناديًا ينادي: يا أهل السّفينة، قفوا أخبركم، حتّى والى بين سبعة أصوات، قال أبو موسى رضُولُاللّه: فقمت على صدر السّفينة، مضيفة
20
100
10
40
30
وقوفًا؟ قال: فأجابني الصّوت: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله عزّ وجلّ
متكىء معها على نهر الخمر في الجنة تعاطيه الكأس في أنعم عيشه -: أتدري أي يوم زوجنيك الله؟ إنه نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين، وأنت في ظمأ هاجرة من جهد العطش؛ فباهى بك الملائكة؛ وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي؛ اشهدوا أني قد غفرت له، فغفر لك يومئذ، وزوجنيك)».
ولما سار عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام، كان معاوية رضيالله يسأله أن يرفع إليه حوائجه فيأبى، فلما أكثر عليه، قال: ((حاجتي أن ترد علي من حر البصرة، لعل الصوم أن يشتد علي شيئًا؛ فإنه يخف علي في بلادكم!)). ونزل الحجاج في بعض أسفاره بماء بين مكة والمدينة؛ فدعا بغدائه، ورأى أعرابيًا، فدعاه إلى الغداء معه؛ فقال: دعاني من هو خير منك؛ فأجبته! قال: ومن هو؟ قال: الله -تعالى- دعاني إلى الصيام؛ فصمت. قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت لیوم أشد منه حرًا. قال: فافطر وصم غدًّا. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك إلي. قال: فكيف تسألني عاجلًا بآجل لا تقدر عليه.
وخرج ابن عمر فيها في سفر معه أصحابه، فوضعوا سفرة لهم، فمر على مسروق : في يوم صائف وهو صائم، فقالت له ابنته: أفطر. قال: ما
بهم راع؛ فدعوه إلى أن يأكل معهم؛ قال: إني صائم. فقال ابن عمر ظىهما: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم؟ فقال: أبادر أيامي هذه الخالية. فعجب منه ابن عمر ظِيهمها، فقال له ابن عمر ظِىَ: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك، ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه، ونعطيك ثمنها؟ قال: إنها ليست لي إنها لمولاي. قال: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت: أكلها الذئب؟ فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله؟! فلم يزل ابن عمر ظنها يردد كلمته هذه، فلما قدم المدينة بعث إلى سيد الراعي؛ فاشترى منه الراعي، والغنم؛ فأعتق الراعي، ووهب له الغنم !.
ونزل روح بن زنباع منزلًا بين مكة والمدينة في حرِّ شديد، فانقض عليه راع من جبل، فقال له: يا راع هلم إلى الغداء قال: إني صائم. قال: أفتصوم في هذا الحر؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلًا؟ فقال روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع !.
وكان ابن عمر ظىنها يصوم تطوعًا فيغشى عليه فلا يفطر. وكان الإمام أحمد - رحمه الله- يصوم حتى يكاد يغمى عليه؛ فيمسح على وجهه الماء، وسئل عن من يصوم؛ فيشتد عليه الحر؟ قال: لا بأس أن يبل ثوبًا يتبرد به، ويصب عليه الماء؛ كان النبي ◌َّ بالعرج، يصب على رأسه الماء وهو صائم.
وكان أبو الدرداء رضي الله يقول: ((صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور)).
وفي ((الصحيحين)) عن أبي الدرداء رضي عنه؛ قال: ((لقد رأيتنا مع رسول الله ◌َّه في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر، وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله وَله وعبد الله بن رواحة ضواعنه)). وعند مسلم عن أبي الدرداء رضي ◌ّـ
ظل الله: ((أن ذلك كان في شهر رمضان!)).
فإن كان قلبك لم يخشع !.. فتدبر هذا الخبر الذي يذكرنا بِحَرِّ یوم القيامة، وكيف نُلَطّف حرّه، ونتقي شرَّه .. فعن الشعبي؛ قال: غشي
أردت بي؟ قالت: الرفق؟ قال: يا بنية إنما أطلب الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.