إن مفهوم الاتباع اليوم بات فارغًا من مضمونة، مشوهة حقيقته، ممسوخًا معناه، لا حلاوة وتسري فيه، ولا طلاوة تعتريه، ولا ثمرة له، فالجميع يتمسح بالاتباع على ما هو عليه من الهوى والزيغ والبدعة، والاتباع منهم براء !! لكن .. هل ترك الوحي هؤلاء يعيثون في مفهوم الاتباع فسادًا وإفسادًا بلا رقيب ولا حسيب؟!

لقد ادعی قوم الاتباع فأنزل الله علیهم ما یفضحهم، ویبین زیغهم وحيدتهم عن السبيل: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المُغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمُؤْتِ فَأَوْلَى هُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَّلَكَانَ خَيْرَا هُمْ (٢١)﴾ [محمد: ٢٠ و٢١]. سَكَرَقّة ٨٢

لقد جعل الله -عز وجل - لكل قول دليلًا: من عملٍ يصدّقه، ومن عملٍ يكذبه. وإذا قال قولًا حسنًا، وعمل عملًا حسنًا، رفع الله قوله بعمله، وإذا قال قولا حسنًا، وعمل عملًا سيئًا، ردَّ الله القول على العمل، وذلك في كتابه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (١٠)﴾ [فاطر: ٠١]. إن مفهوم الاتباع عند أهل السنة والجماعة، يعني: التقيد بالوحيين بفهم السلف الصالح. أما عند أهل الزيغ والهوى؛ فالأمر واسع هلامي، لا يكاد يحدُّ بحد، ولا يقيد بنص، لذلك تراهم متخبطين، ومتناقضين، بل ومتشاكسين.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : مجيبًا على سؤال عن حديث الافتراق وعن تلك الفرق: ((الحمد لله، الحديث صحيح مشهور في السّنن

والمسانيد؛ كسنن أبي داود، والتّرمذي، والنّسائيّ وغيرهم ولفظه: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً كلّها في النّار إلا واحدةً، وافترقت النّصارى على اثنتين وسبعين فرقةً كلّها في النّار؛ إلا واحدةً، وستفترق هذه الأمّة على ثلاثٍ وسبعين فرقةً كلّها في النّار؛ إلا واحدةً)). وفي لفظ: ((على ثلاثٍ وسبعين ملّةً)). وفي رواية: قالوا:

يا رسول الله من الفرقة النّاجية؟ قال: ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)). وفي روايةٍ قال: ((هي الجماعة)). ثم قال: ولهذا وصف الفرقة النّاجية بأنّها أهل السّنّة والجماعة، وهم: الجمهور الأكبر، والسّواد الأعظم. وأمّا الفرق الباقية؛ فإنّهم أهل الشّذوذ والتّفرّق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبًا من مبلغ الفرقة النّاجية فضلًا عن أن تكون بقدرها بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلّة.

وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسّنّة والإجماع. فمن قال: بالكتاب والسّنّة والإجماع كان من أهل السّنّة والجماعة، فإنّ أهل الحقّ والسّنّة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله وَ ل الّذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؛ فهو الذي يجب تصديقه في كلّ ما أخبر؛ وطاعته في كلّ ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمّة بل كلّ أحدٍ من النّاس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله والهم

فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله وَّةٍ من أحبّه ووافقه، كان من أهل السّنّة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة - كما يوجد ذلك في الطّوائف من اتّباع أئمّةٍ في الكلام في الدّين وغير ذلك-، كان من أهل البدع والضّلال والتّفرّق:

ثم قال: وبهذا يتبيّن: أنّ أحقّ النّاس بأن تكون هي الفرقة النّاجية أهل الحديث والسّنّة؛ الّذين ليس لهم متبوع يتعصّبون له إلا رسول الله وَّة، وهم أعلم النّاس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمّتهم فقهاء فيها وأهل معرفةٍ بمعانيها واتّباعًا لها: تصديقًا وعملًا وحبًّا وموالاةً لمن والاها، ومعاداةً لمن عاداها، الّذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة؛ فلا ينصّبون مقالةً ويجعلونها من أصول دينهم بل يجعلون ما بعث به الرّسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الّذي يعتقدونه ویعتمدونه))(١). انتهى كلامه رحمه الله. (١) (مجموع الفتاوى)) (٣٤٦/٣ -٣٤٧).

أقول: إن ربنا تعالى لم يترك الاتباع هكذا ینتحله کل أحد، بل بينه وحدده ووضحه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنَْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي ◌َخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللهَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].

وما مات رسول الله وَل حتى ترك أمته على البيضاء: ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام: ٥٥]؛ إذن .. فلا حجة لأحد على الله تعالی بعد الرسل.

هذا الأصل أصيل، والركن الركين، لا محيد عنه ولا عدول، ولا استثناء ولا محاباة، وقد تواتر على ذلك الأدلة وتضافرت الدلالات، منها: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَّ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِ الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللهَّ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهَ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].

وقوله - جل جلاله -: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِعُبَيِّنَ هُمُ الَّذِيِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤].

وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّاللهَّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال رسول الله وَّ: ((أَلا إِنِّ أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ؛ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامِ؛ فَحَرِّمُوهُ)(٢).

(٢) أخرجه أبي داود (٤٦٠٤) بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معدي کرب.

طيف

وهذا الأصل عام لا ينبغي -ولا يجوز- تخصيصه بشيء من الشبه التي يتمسك بها المبتدعة؛ يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَتَخْبَابِي وَتَتِي لَّ رَبِّ الْعَالمِينَ ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. وبنصوص الوحيين تكون كل مفردات الحياة ومتعلقاتها منتظمة في نظامها المتين. إن وجوب الأخذ بالنصوص ودلالتها بإطلاق يكون في العبادات، كما يكون في المعاملات -أيضًا، وليس كما يزعم بعض الناس اليوم -إلا من رحم ربي- حيث يفصلون بين هذا وذاك، فيأخذون في المعاملات، ويعطلون أو يؤولون أو يردون النصوص في العبادات والعقائد !. لقد كان الصحابة يأتون النبي وُالله -ومن بعدهم إلى العلماء- في أمور الدين والدنيا، وهذه سنة الله تعالى في بني آدم؛ كما قال تعالى: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَّكُمْ مِنِّي هُدَّى فَمَنِ اتََّعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) [طه: ١٢٣ و١٢٤].

فالله -عز وجل - أنزل آدم وزوجه إلى الدنيا، وأمره باتباع أمره، ونهاه عن اتباع الشيطان؛ كما أمر ذريته بذلك؛ فمن امتثل شائع الله؛ فلن يضل، ولن يشقى، وتأتيه الدنيا راغمة، ومن خالف ذلك صارت معيشته همًا وبوارًا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤].

وهنا ارتباط بين الوحي والمعيشة، وعليه نفسر تقهقر المسلمين في أمور المعاش؛ إنه الخروج عن شرع الله ومنهجه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى أَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٦٩].

وهذا ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم وطبقوه : عن عبد الله بن الزّبير ب: أنّ رجلًا من الأنصار خاصم الزّبير عند النبي ◌َّهُ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي بَـ فقال رسول الله مَّ للزبير أسق: (يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك)) فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك! فتلوّن وجه رسول الله بِّهِ، ثمّ قال: ((اسق يا زبير ثمّ احبس الماء حتّى يرجع إلى الجدر)) فقال الزّبير: والله إنّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥]٣.

وعن رافع بن خديج قال: كنّا نحاقل الأرض على عهد رسول الله وَّة؛ فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ◌َّةٍ عن أمر كان لنا نافعًا وطواعية الله ورسوله أنفع، لنا نهانا أن نحاقل بالأرض؛ فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك٤.

وقد ابتدع منتحلو الاتباع قديمًا قواعد فاسدة لترويج بضاعتهم الكاسدة: * كرد أحاديث الآحاد الصحيحة بدعوى: أنها ظنية.

* وكذلك عرض الأحاديث النبوية على القرآن، فما وافقها أخذوا به، وما عارضها في -زعمهم - ردوه.

* وكذلك تقديم العقل على النقل؛ وغيرها مما أدى علماء أهل السنة والجماعة إلى نسفها ونقضها.

* وعلى الرغم من ذلك؛ فلا يزال قوم يسعون إلى إحيائها، وترويجها من جديد !: فإذا نظرت إلى أفكار الخوارج، وجدتها قد تناثرت في أفكار الجماعات الحزبية، والحركات التكفيرية.

* وإذا نظرت إلى أراء المرجئة، والأشعرية، وجدتها قد تغلغلت في أکثر علماء الأزهر.

* وإذا نظرت إلى المعتزلة، وجدت العلمانيين قد كفوا غيرهم مئونة إحياء أفكارهم.

وأما مدّعو الاتباع المعاصرون؛ فقد وضعوا قواعد ظاهرها الرحمة، وباطنها من قبلها الابتداع والاختلاف، وتمییع الدین، والتلون فيه؛ بقولهم: ((نتعاون فيما اتفقنا فيه، ویعذر بعضنا بعضًا فيا اختلفنا فيه)). ولقد أصبحت هذه القاعدة کتابًا محكمًا يتلى عند أتباعه !! ، يعارضون بها كل دعوة للاجتماع على كلمة سواء، أو بيان سني لأهل الأهواء.

ولو طُبِّقت هذه القاعدة؛ لنُقِضَت عرى الإسلام عروة عروة؛ للوجوه الآتية:

١ - أن الاختلاف وقع حتى في الأصول والعقائد، ولذلك تفرقت الأمة فِرَقًا، وتشتت إلى جماعات وأحزاب، فالذي يعذر هؤلاء في اختلافهم وتفرقهم يكون مقرًّا لما نهى اللَّ عنه، وذمّه، وحذر منه !!.. وهذا باب خبيث من الإرجاء - عياذاً باللهَّ -.

٢ - أن هذه القاعدة منبتة؛ ليس لها صلة بالكتاب والسنة وفهم سلف الأمة من الصحابة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، بل كان منهج السلف نقيضها.

٣- لو طبقنا هذه القاعدة؛ لانفتح باب شر كبير، وكان لزامًا: أن نعذر دعاة وحدة الوجود، والخوارج التكفیریین، وشارب النبيذ الذي لا يحرم إلا الشربة الأخيرة، ومن تزوج متعة، والذي يطوف حول القبور، ويتوسل بالأولياء، ويعطل الصفات، ويقول بالجبر، وينفي رؤية اللَّ ... إلخ. وعندما طبّق أتباع هذه المقولة المرذولة أقرّوا كلَّ ما سبق ذكره، واعتذروا لأصحابها بأعذار باردة أقبح من أفعال من اعتذر لهم، وذبّوا عنهم.

٤ - وثمرة هذه القاعدة عكس مراد دعاتها؛ لأن من وُكِلَ إلى نفسه کان کسبه في تدمیر تدبيره، ونقض أمله وتفكيره، فإن مراد قائلها: هو حسم مادة الخلاف بين أهل القبلة، ولكن الواقع يشهد أنها كانت سببًا رئيسيًا في زيادة التفرق والاختلاف وانقسام المذاهب والملل والنحل.

وأخيرًا، .. لقد أفتى أهل العلم المعاصرون ببطلان هذه القاعدة، وبيّنوا تناقضها(٥)، ونحن بدورنا نحذر المسلمين من قاعدة التعاون -زعموا-، وندعو أصحابها إلى التوبة إلى الله، وترك قواعدهم الحزبية التي ما زادت إلا فتكًا بالأمة، وخدمة لحزبیتهم .. والحمد لله رب العالمين. ■

(٥) انظر جملة من فتاويهم في ((زجر المتهاون بضرر قاعدة المعذرة والتعاون)) لحمد العثمان (ص ١٢٣ - ١٣٣).