ولذلك؛ فمن ثمرات الشكر والصبر: انشراح الصدر، وفرح القلب، واطئئنان النفس: أخرج الإمام مسلم عن أم سلمة جدها؛ قالت: سمعت رسول الله وَلا يقول: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة؛ فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها؛ إلا أخلف الله له خيرًا منها)). قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة!؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله؟ ثم إني قلتها؛ فأخلف الله لي رسوله؛ فتزوجها.
وها هو عمران بن الحصين حين أصابه مرض لبث معه ثلاثين عامًا، ما ضجر منه، ولا قال: أفّ! بل كان مثابرًا على عبادته قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا !. وكان إذا هوّن عليه إخوانه وعوّاده أمر علَّته بكلمات مشجعة، ابتسم، وقال: ((إن أحبّ الأشياء إلي نفسي أهبها لله)).
و کانت وصیته لأهله وإخوانه حین أدر كه الموت: ((إذا رجعتم من دفني، فانحروا، وأطعموا)).
ومن الصبر: عدم الشكوى للآخرين، وجزع القلب، وتبرم اللسان. قال الأحنف بن قيس: شكوت إلى عمي وجعًا في بطني؛ فنهرني؛ وقال : ((إذا نزل بك شيء؛ فلا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن اشكِ لمن ابتلاك به؛ فهو قادر على أن يفرج عنك، يا ابن أخي إحدى عيني هاتين ما أُبصر بها من أربعين سنة؛ وما أخبرت امراتي بذلك، ولا أحدًا من أهلي)).
فمن تقلب في منازل الصبر، وترقى مدارج الشكر؛ فإن نفسه تسخو بالبذل، والإيثار، والإحسان؛ فلا تنتظر مقابل الأعمال الزاكيات التي تقدمها للغير، فهذه الدنيا دار عمل، والآخرة دار قرار واستقرار؛ لذلك لا تنتظر جزاء ولا شكرًا من البشر، بل ليكن عملك خالص لوجه الله: ﴿إِنََّا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الهَ لَا تُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]، عند ذلك ستجد ثمرة ذلك توفيقًا من الله في الأعمال، وبركة في المال، وعصمة من الزلل، وتسديد الرأي وبعدًا عن الخلل؛ كما أن المعروف لا يعدم عند كل الناس.
قال ابن عباس يَدعها: ((لا يزهدك في المعروف كفر من كفره؛ فإنه یشکرك علیه من لم تصطنعه إلیه)).
وصدق من قال: من يعمل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب المعروف بين الله والناس
ولذلك سنضع بين يديك معالم من طريق السعادة:
١ - مراجعة النفس ومحاسبتها على ما اقترفت، والحرص على تصحيح المسار باستمرار، وتجديد التوبة دون انتظار: قال ابن القيم في ((مفتاح دار السعادة)): ((أن تنظر فيما قد تكون وقعت فيه، فما أصاب العبد من مصيبة قطَّ دقيقة ولا جليلة إلا بما كسبت يداه، وما يعفو الله عنه أكثر، وما نزل بلاء قطَّ إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة، ولهذا وضع الله المصائب والبلايا والمحن رحمة بين عباده، يكفِّر بها من خطاياهم؛ فهي من أعظم نعمه عليهم وإن كرهتها أنفسهم)).
٢- للسعادة منازع؛ أعظمها وأعلاها وأغلاها، منزلة حب الله؛ باتباع ما شرع لنا، وإخلاص النية والصدق؛ قال ◌َله: ((إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا؛ فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض؛ فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ هُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، وإذا أبغض الله عبدًا، نادى جبريل: إني أبغضت فلانًا، فينادي في السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض)) [متفق عليه].
فمن أحب الله: أحب نفسه وغيره، وأحب الخير، وسعى لتحقيق السعادة بالبذل، والعطاء، والمساعدة، والصدقة، وكان همه دينه وأمته، وأن يترك من ورائه عملًا صالحًا، وعلمًا نافعًا ينتفع به. قال ابن القيم في ((الجواب الكافي)): ((البغض والكراهة أصل كلِّ ترك ومبدؤه، وهاتان القوَّتان في القلب أصل سعادته وشقاوته، ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحبِّ والإرادة)). انتهى.
٣- استغل قدراتك في الخير: لكل منا مهارات وإمكانيات معنوية ومادية؛ فليسع العبد كلّ منا حسب استطاعته في بناء صرح يفيد أمته، وينشر دينه: صاحب العلم بحرفه وبیانه. وذو المال بالصدقة، ومساعدة المحتاج، وتفريج الكربات.
٤ - اعرف غايتك، وحدد هدفك: وجودنا ليس عبثًا بل لهدف يحتاج لتحول وحصيلة من القبول والمقدرة التي تصعد بنا تدريجيًا للوصول للنفس المطمئنة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. لذلك؛ فاحرص على تغيير نفسك ودافعك نحو الأفضل؛ ﴿إِنَّ الله لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
٥- لیکن لك رسالة، واشغل نفسك بقضية: من یحمل همَّ الدین، ويسعى لتحقيق رضا الرب العظيم؛ یفکر دائمًا حتى بما ينفعه بعد الموت؛ لأنه يجد سعادته متحققة بطاعته؛ ونجاحه مرهون بتوفیق ربه: فها هي فاطمة بنت محمد ◌َّ﴾ تحمل همَّ ما بعد الموت: كيف سیری الرجال حجم جسدها؛ فلما مرضت فاطمة جوّعها مرض الموت الذي توفیت فیه، دخلت عليها أسماء بنت عميس موقعها تعودها وتزورها، فقالت فاطمة لأسماء: ((والله إني لأستحي أن أخرج غدًا -أي: إذا مت- على الرجال فيروا جسمي من خلال هذا النعش !! )). وكانت النعوش آنذاك عبارة عن خشبة مصفحة يوضع عليها الميت، ثم يطرح على الجثة ثوب، ولكنه كان يصف حجم الجسم، فقالت لها أسماء: أو لا نصنع لك شيئًا رأيته في الحبشة؟ ! . فصنعت لها النعش المغطى من جوانبه بما يشبه الصندوق، ودعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت على النعش ثوبًا فضفاضًا واسعًا، فكان لا يصف! فلما رأته فاطمة حيّعها؛ قالت لها: (سترك الله كما سترتني !! )).
نسأل الله أن يجعلنا من السعداء الراضين بما قسمه لنا، الشاكرين على نعمه، الصابرين على بلائه، وأن يستر عوراتنا، ويأمن روعتنا، ويصرف الناس عن عيوبنا، ويغفر ذنوبنا: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّ لَوْلًا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]. ■
عن أبي هريرة نصّهعنه عن رسول الله وَّةٍ؛ قال: ((بينما رجل يتبختر في بردين خسف الله به الأرض؛ فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)). فقال له فتى: يا أبا هريرة! أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خُسف به؟ ثم ضرب بيده؛ فعثر عثرة كاد يتكسَّر منها.
عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودِّعه بحجٍّ أو عمرة، فقال له: لا تبرح حتى تصلَّى؛ فإنَّ رسول الله وَّه قال: ((لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق، إلا رجل أخرجته حاجة وهو يُريد الرجعة إلى المسجد)). فقال: إنَّ أصحابي بالحرَّة. فخرج، فلم يزل سعيد يذكره، حتى أُخِرِ أنه وقع من راحلته؛ فانكسرت فخذه١ . قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل التيمي في شرحه (الصحيح مسلم)): قرأت في بعض الحكايات .. أنَّ بعض المبتدعة حين سمع قول النبي وَاجلة: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده) ٢
قال ذلك المبتدع على سبيل التهكم: أنا أدري أين باتت يدي، باتت في الفراش! فأصبح وقد أدخل يده في دُبره إلى ذراعه !!. قال التيمي: فليتَّق المرء الاستخفاف بالسُنن ومواضع التوقيف، فانظر كيف وصل إليه شؤم فعله ٣.
وعن أبي يحيى الساجي؛ قال: كنا نمشي في أزقَّة البصرة إلى باب بعض المحدثين، فأسرعنا المشي ومعنا رجلٌ ماجنٌ مُتَّهمٌ في دينه، فقال مستهزِئًا: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها. فلم يزل من موضعه حتى جفّت رجلاه، وسقط ٤. قال النووي: قال الحافظ عبد الحافظ: إسناد هذه الحكاية كالوجد أو كرأي العين؛ لأنَّ رواتها أعلام أئمّة. وقال القاضي أبو الطيب: كنا في مجلسٍ بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة، فطالب بالدليل، حتى استدلَّ بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال (وكان حنفيًا): أبو هريرة غير مقبول الحديث. فما استتمَّ كلامه حتى سقطت عليه حيَّة عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب منها، وهي تتبعه، فقيل له: تب، تب. فقال: تبت، فغابت الحية، فلم يُرَ لها أثر ..! قال الذهبي: إسنادها أئمة٥ .
وقال قطب الدين اليونيني: بلغنا أنَّ رجلاً يُدعى ((أبا سلامة))، من ناحية بصري، كان فيه مجون واستهتار، فذُكِر عنده السواك وما فيه من الفضيلة؛ فقال: والله لا أستاك إلاَّ في المخرج - يعني دبره - فأخذ سواكًا فوضعه في مخرجه ثم أخرجه .. فمكث بعده تسعة أشهر وهو يشكو من ألم في البطن والمخرج ..!. فوضع ولدًا على صفة الجرذان: له أربعة قوائم ورأسه كرأس السمكة، وله دُبر كدُبر الأرنب، ولمَّا وضعه صاح ذلك الحيوان ثلاث صيحات، فقامت ابنة ذلك الرجل فرضخت رأسه فمات، وعاش ذلك الرجل بعد وضعه له يومين، ومات في الثالث، وكان يقول: هذا الحيوان قتلني، وقطّع أمعائي. وقد شاهد ذلك جماعة من أهل تلك الناحية وخطباء ذلك المكان، ومنهم من رأى ذلك الحيوان حيًّا، ومنهم من رآه بعد موته ٦.■