وقال آخر: لا بد أن نهتم بغذائنا، ونمارس الرياضة ؛ لتصح أبداننا، ويبتعد عنا الهرم والشيخوخة. قال الثالث -وكان حكيماً اطلع على حضارات الأمم، واعتبر بما جرى لها، وأنها دالت وزالت، وسادت ثم بادت -: لا يمكن للإنسان أن يعيش إلى الأبد؛ لكنه يستطيع أن يبقى حياً وهو في قبره ! قال الآخران: وكيف ذلك؟! قال الملك الحكيم: يستطيع أن يعمل عملاً صالحاً، ويقدم مشروعاً نافعاً، يجعل ذِكْرَاه باقية إلى الأبد. انفض المجلس .. وذهب كل ملك إلى جناح ضيافته لينام .. وفي الصباح استعد کل منهم للرجوع إلى بلده. عاد الملوك الثلاثة إلى ممالكهم ؛ لكن ما جرى بينهم من حديث شغل تفكيرهم .. فأخذ كلّ منهم يفكر: ماذا يجب عليّ أن أفعل حتى أبقى خالداً إلى الأبد؟! أما الملك الحكيم: فأمر ببناء الجامعات العلمية .. وفتح المعاهد الدينية .. وبنى المشافي لمعالجة المرضى .. وأوجد مشاريع لكل من يبحث عن العمل، ونشر الفضائل بين شعبه . . وانفق على ذلك أموالاً كثيرة .. حتى أنه بنى منارة مرتفعة، وجعل على قمتها سراجاً كبيراً ينير للمسافرين والتائهين وأبناء السبيل في الليل البهيم، فلم يبق في دولته فقير ولا محروم . . وأضحى شعبه متعلماً .. وصار الشباب في دولته يعلمون بجد واجتهاد .. فصار الناس يتحدثون عن إنجازاته حتى أضحى حديث القوافل والركبان .. فالقادمون والتائهون يتجهون نحو ضوء السراج .. فيجدون ما يعينهم على سفرهم، ويهديهم إلى الطريق. شعر الملك الحكيم بدنو أجله، وساعة لقاء ربه، فجمع أبناءه، وأوصاهم: أن يسيروا على طريقته في نشر العلم النافع، والفضيلة، والعمل الصالح، والقرب من الناس، وإعانة المحتاج، وهداية التائه. مات الملك الحكيم .. لكن سيرته الطيبة وأعماله الصالحة بقيت حديث الأجيال، وتحدثت عنها كتب التاريخ ولا زال حياً في ذاكره الأجيال.
أما الملك الثاني: فأصبح كثير التواصل مع رعيته .. وحكمهم بالعدل .. وأقام على الطرق التي يسلكها المسافرون آبار الماء .. وبنى الخانات التي يستريحون فيها .. وبنى المدن في الأراضي المقفرة؛ فأصبحت تنبض بالحياة بعد ما كانت خراباً يباباً، ومكاناً للموت والخوف، فشاعت أخبار هذا الملك العادل بين الناس، فلا يذكر إلا بالخير والعرفان على أعماله الطيبة وسيرته الحميدة .. وصارت دولته محط أنظار الشعوب: يأتون إليها من كلِّ فج عميق .. ولا تزال سيرة هذا الملك العادل في ذاكرة الأيام، وأعماله خالدة في سجل التاريخ. أما الملك الثالث: فبدأ يجمع الأموال من شعبه بطرق ظالمة .. ضرائب كثيرة .. ارتفاع في الأسعار .. ظن أنه إذا جمع أموالاً كثيرة، وكنز ثروة ضخمة يعجز عن عَدِّها الحاسبون؛ فإنه سيكون من الخالدين .. ولذلك زاد ظلماً .. وعامل الناس بالقسوة .. فذاق الناس مّ العذاب؛ فهرب كثيرون من مملكته .. وشكا الناس ظلمه إلى الله تعالى .. واستغل أعداؤه ما وصل إليه الحال في دولته .. فأثاروا عليه الفتن، وألبوا الشعب .. فعاش بقيه عمره قلقاً خائفاً .. ولما مات لم يبق من كنوزه شيء .. حتى قصره الضخم تهدم واندثر، ولم يبق غير ذكرى ظلمه، وإيذائه للناس .. ثم نسيه الشعب، ومحت السنون ذكراه ! .
حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين شاملة لجميع حاجاته، وقد جاء الإسلام بمنظومة ربانية شرعية متكاملة كفلت لنا السعادة فيها توافق فطري بين سمو الروح وسكيولوجيا الجسد بحيث يشكل سموًا أخلاقيًا، وتكافلا اجتماعيًا.
فنحن لا نستطيع أن نَهَب أحدًا قسمة عقل؛ أو قطعة قلب تنبض وتبصر وتعقل، ولكن الإرادة الفعالة الجادة، والاجتهاد، وقبل ذلك کله: حسن الظن بالله، وجميل التوكل عليه من جهة، والنصح والمشورة والقدوة من جهة أخرى؛ هي: مآل السعادة، والتي هي سفينة مشحونة بالرضا عن كل ما کتب علینا، وقدر لنا.
إن استشعار نعم الله التيلا تعد ولا تحصى من أعظم أسباب السعادة، فكم من متعب متخبط بأمواج التقلبات يلهث خلف ما يراه سرابًا؛ فلا يجد شيئًا، ولا يرجع منه بشيء.
قال ابن القيم في ((الفوائد)): ((من الآفات الخفية العامَّة؛ أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بها عليه، واختارها له، فيملها العبد، ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله: أنه خير له منها، وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة، ويعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه، حتى إذا ضاق ذرعًا بتلك النِّعمة وسخطها، وتبرَّم بها، واستحكم ملكه لها؛ سلبه الله إياها، فإذا انتقل إلى ما طلبه، ورأى
التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه؛ اشتدَّ قلقه وندمه، وطلب العودة إلى ما كان فيه، فإذا أراد الله بعبده خيرًا ورشدًا أشهده أنَّ ما هو فيه نعمة من نعمه عليه، ورضاه به، وأوزعه شكره عليه، فإذا حدَّثته نفسه بالانتقال عنه؛ استخار ربَّه استخارة جاهل بمصلحته، عاجز عنها، مفوِّض إلى الله، طالب منه حسن اختياره له، وليس على العبد أضر من ملله لنعم الله؛ فإنه لا يراها نعمة، ولا يشكره عليها، ولا يفرح بها، بل يسخطها، ويشكوها، ويعدها مصيبة! هذا وهي من أعظم نعم الله عليه، فأكثر الناس أعداء نعم الله عليهم، ولا يشعرون بفتح الله عليهم نعمه، وهم مجتهدون في دفعها وردّها جهلًا وظلمًا، فكم سعتْ إلى أحدهم مِن نعمةٍ، وهو ساعٍ في ردِّها بجهده! وكم وصلت إليه وهو ساعٍ في دفعها وزوالها بظلمه وجهله!)).
إن الله -عز وجل- لا يبتلي المؤمنين ليعذبهم ويشقيهم، ولكنه يريد أن يختبرنا ليعلم مدى صبرنا وتعلق قلوبنا به ، وكم أعد لنا من الأجر العظيم ؛ قال تعالى : ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرَّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١].
وحال المؤمن إذا ابتلى بالضراء صبر، وإذا ابتلى بالسراء الشكر، والرضا مصداقًا لقوله ◌ِّ: ((عجبًا لأمر المؤمن: إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له)) [صحيح مسلم].
قال الشاعر : دع المقادر تجري في اعنتها
ما بين طرفة عين وانتباهتها
ولا تنامن الاخالي البال
يغير الله من حال إلى حال