ضي أنه قال: اضطجع رسول الله وَّه على حصير
رواه أحمد (٣٧٠٩)، والترمذي (٢٣٧٧)، وقال: حسن صحيح.
أما أن الحمق الجلي اعتمادك على كرم الله تعالى وعفوه، من غير التفات إلى مكره واستدراجه واستغنائه عن عبادتك، مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من الخبز أو حبة من المال أو كلمة واحدة تسمعينها من الخلق، بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل، وبهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة من رسول الله وَليلةٍ حيث قال: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)). [رواه الترمذي، وضعفه الألباني].
ويحك يانفسُ، لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا، ولا يغرنك بالله الغرور (الشيطان)، فانظري لنفسك، فما أمرك بمهم لغيرك، ولا تضيعي أوقاتك، فالأنفاس معدودة، فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها.
يا نفسُ، أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته، فكما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجُبَّةِ والنار وسائر الأسباب، فلا يندفع حر النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات، وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك طريق التحصن ويسر لك أسبابه، لا في أن يندفع عنك العذاب دون حصنه، كما أن كرم الله تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النار وهداك لطريق استخراجها من بين حديدة وحجر حتى تدفعي بها برد الشتاء عن نفسك.
ويحك يانفسُ، ما أراك إلا ألفت الدنيا وأنست بها، فعسر عليك مفارقتها، وأنت مقبلة على مقاربتها، وتؤكدين في نفسك مودتها. ويحك يا نفس أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها مع أن الموت من ورائه فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة، وإنما يتزود من السم المهلك وهو لا يدري، أو ما تنظرين إلى الذين مضوا، كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبوا وخلوا، وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم، أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويؤملون ما لا يدركون، يبنى كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء، ومقره قبر محفور تحت الأرض.
ويحك يا نفسُ، مالك إلا أيام معدودة هى بضاعتك إن اتجرت فيها، وقد ضيعت أكثرها، فلو بكيت بقية عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك، فكيف إذا ضيعت البقية وأصررت على عادتك، أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك والقبر بيتك والتراب فراشك والدود أنيسك والفزع الأكبر بين يديك.
أما تعلمين يا نفسُ، أن عسكر الموتى يتمنون الرجعة إلى الدنيا يومًا ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم، ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لا شتروه لو قدروا عليه، وأنت تضيعين أيامك في الغفلة والبطالة.
ويحك يانفسُ، أما تستحيين، تزينين ظاهرك للخلق، وتبارزين الله في السر بالعظائم، أفتستحين من الخلق ولا تستحيين من الخالق، ويحك أهو أهون الناظرين عليك، أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل، تدعين إلى الله وأنت عنه فارة، وتذكرين بالله وأنت له ناسية، أما تعلمين يا نفس أن المذنب أنتن من العذرة،
وأن العذرة لا تطهر غيرها، فلم تطمعين في تطهير غيرك، وأنت غير طيبة في نفسك. ويحك يانفسُ، لو عرفت نفسك حق المعرفة لظننت أن الناس ما يصيبهم بلاء إلا بشؤمك، ويحك يا نفس قد جعلت نفسك حمارا لإبليس؛ يقودك إلى حيث يريد، ويسخر بك، ومع هذا فتعجبين بعملك، وفيه من الآفات ما لو نجوت منه رأسا برأس لكان الربح في يديك، وكيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك وزللك، وقد لعن الله إبليس بخطيئة واحدة، وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع کونه نبيه وصفيه.
ويحك يانفسُ، ما أغدرك، ويحك يا نفس ما أوقحك، ويحك يا نفس ما أجهلك، وما أجرأك على المعاصى. ويحك كم تعقدين فتنقضین، ويحك كم تعهدین فتغدرین، ويحك يا نفس أتشتغلين مع هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنك غير مرتحلة عنها، أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا، جمعوا كثيرا، وبنوا مشيدا، وأملوا بعيدا، فأصبح جمعهم بورا، وبنيانهم قبورا، وأملهم غرورا.
عن أنس بن مالك ◌ُنه قال: أَهْدِيَ للنبيِّ وَّ جُبَّةً سندسٍ، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: ((والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ، لمناديلُ سعد بن معاذ في الجنة، أحسن من هذا)) .
رواه البخاري (٣٢٤٨).
فاتعظي يانفسُ، بهذه الموعظة، واقبلي هذه النصيحة، فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضى بالنار، وما أراك بها راضية، ولا لهذه الموعظة واعية، فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة، فاستعيني عليها بدوام التهجد والقيام، فإن لم تزل فالمواظبة على الصيام، فإن لم تزل فبقلة المخالطة والكلام، فإن لم تزل فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام، فإن لم تزل فاعلمي أن الله قد طبع على قلبك وأقفل عليه، وأنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على ظاهره وباطنه، فوطني نفسك على النار، فقد خلق الله الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا، فكل ميسر لما خلق له.
وانظري، الآن هل يأخذكِ حزن على هذه المصيبة التي ابتليتِ بها، وهل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على نفسك، فإن سمحت فمستقى الدمع من بحر الرحمة، فقد بقى فيك موضع للرجاء، فواظبي على النياحة والبكاء، واستعيني بأرحم الراحمين، واشتكى إلى أكرم الأكرمين، وأدمني الاستغاثة، ولا تملى طول الشكاية، لعله أن يرحم ضعفك ويغيثك، فإن مصيبتك قد عظمت، وبليتك قد تفاقمت وتماديك، ولا مذهب ولا مطلب ولا مستغاث ولا مهرب ولا ملجأ ولا منجا إلا إلى مولاك، فافزعي إليه بالتضرع، واخشعي في تضرعك على قدر عظم جهلك وكثرة ذنوبك، لأنه يرحم المتضرع الذليل، ويغيث الطالب المتلهف، ويجيب دعوة المضطر، وقد أصبحت إليه اليوم مضطرة، وإلى رحمته محتاجة، وقد ضاقت بك السبل، وانسدت عليك الطرق، وانقطعت منك الحيل، ولم تنجح فيك العظات، ولم يكسرك التوبيخ، فالمطلوب منه كريم، والمسئول جواد، والمستغاث به بر رءوف، والرحمة واسعة، والكرم فائض، والعفو شامل، وقولي: يا أرحم الراحمين، يا رحمن يا رحيم يا حليم يا عظيم يا كريم، أنا المذنب المصر، أنا الجريء الذى لا أقلع، أنا المتمادي الذى لا أستحي، هذا مقام المتضرع المسكين، والبائس الفقير، والضعيف الحقير، والهالك الغريق، فعجل إغاثتي وفرجي، وأرنى آثار رحمتك، وأذقني برد عفوك ومغفرتك، وارزقني قوة عظمتك يا أرحم الراحمین. ■
قال سفيان بن عيينة - رحمه الله -: ((كان أهل الصلاح يكتب بعضهم إلى بعض بهذه الكلمات: ((من أصلح سريرته؛ أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله؛ أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته؛ كفاه الله أمر دنياه)). ((صفة الصفوة)) (٣/ ١٠٣).