أبوحامد الغزالي-رحمه الله- المتوفى ٥٠٥ هـ بلاد خراسان (مدينة مشهد، إيران)
اعلم أن أعدى عدوك، نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمّارة بالسوء، ميّالة إلى الشر، فرّارة من الخير، وقد أُمرتَ بتزكيتها وتقويمها، وقَودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها، ومنعها عن شهواتها، وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها، جمحتْ وشردتْ ولم تظفر بها بعد ذلك، وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة، كانت نفسك هى النفس اللوامة، التى أقسم الله بها، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة، المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها.
وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها فتقول لها: يا نفس ما أعظم جهلك؛ تدعين الحكمة والذكاء والفطنة، وأنت أشد الناس غباوة وحمقًا.
أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار، وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب، فما لك تفرحين وتضحكين، وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم، وعساك اليوم تختطفين أو غدا، فأراك ترين الموت بعيدا، ويراه الله قريبا.
أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب، وأن البعيد ما ليس بآت. أما تعلمين أن الموت يأتى بغتة، من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة ومواطأة، وأنه لا يأتى في شيء دون شيء، ولا في شتاء دون صيف، ولا في صيف دون شتاء، ولا في نهار دون ليل، ولا في ليل دون نهار، ولا يأتى في الصبا دون الشباب، ولا في الشباب دون الصبا، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة، فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة، ثم يفضى إلى الموت، فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب، أما تتدبرين قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِِّمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. [الأنبياء ١ -٣].
ويحك يانفسُ، إن كانت جراءتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك، وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك، ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهينه، كيف كان غضبك عليه ومقتك له، فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه. أفتظنين أنك تطيقين عذابه، هيهات، هيهات، جربي نفسك فاحتبسي
ساعة في الشمس أو قربي أصبعك من النار ليتبين قدر طاقتك. أم تغترين بكرم الله وفضله واستغنائه عن طاعتك وعبادتك.
فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات دنياك من غير سعي منك ولا طلب، أفتحسبين أن الله كريم في الآخرة دون الدنيا، وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها، وأن رب الآخرة والدنيا واحد، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.