منهم رغيفين، فلما تيقن أن ذلك لم يحدث، وألح عليه الفقير، أعرض عنه، ولم يعطه شيئًا.
هنا أخذ العابد التائب الرغيف الذي أخذه، وأعطاه للفقير؛ فأصبح ميتًا؛ فعرضت أعماله على الله -عز وجل - فوزنت عبادة السبعين سنة بالسبع ليال التي قضاها في معصية الله، فرجحت السبع ليالي؛ لأنه استهان بالمعصية، وتجرأ على مقام ربه.
ولذلك قال السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظم من عصيت. ثم وزنت السبع ليال بالرغيف؛ فرجح الرغيف؛ لأنه رحم عباد الله فرحمه الله، قال وَلة: ((الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)).
فوائد الحديث :
١ - أهمية القصص الحق في التربية الربانية، والثبات على الحق، وأنها من جند الله: أنزلها في كتابه الكريم، واستعملها الرسول العظيم وَلَه في تثبيت المؤمنين على الطاعات، وعدم القنوط من رحمة رب العالمين، ولذلك ذكَّرَ بها أبو موسى الأشعري نضيعته بنيه وهو في سياق الموت.
٢- لا ينبغي للعبد أن يغتر بعمله، ولا يأمن مكر الله، فهذا الرجل عبد الله سبعين سنة، ومع ذلك تعرض لفتنة الشهوات؛ فالحي لا تؤمن عليه الفتنة.
٣- شدة خطورة فتنة النساء على الرجال، فأعظم فتنة على الرجال هي النساء: ((فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة في بني إسرائيل كانت في النساء)). وهذا واضح في سقوط هذا العابد في فتنة النساء، بعد ما زين الشيطان في عينيه تلك المرأة وحلآها.
٤ - المعصية لها حجاب يحول بين القلب ونور الله، ولها غطاء يغطي على العقل، ولذلك وصفت الليالي التي قضاها الرجل في المعصية بالغطاء. ((ثم كشف عن الرجل غطاؤه)).
٦ - من تمام التوبة أن: يتبع العبد المخطئ السيئات الحسنات، فإن الحسنات يذهبهن السيئات، ولذلك كان الرجل التائب يصلي ويسجد.
٧- من تصدق بصدقة یبتغي بها وجه الله قبلت منه، وإن وقعت في ید غير محتاج لها، فصاحب الرغيف أعطى الرجل التائب وهو یظنه مسکینًا، وهو ليس كذلك. ويدل على ذلك جملة أحاديث، منها قصة الرجل الذي تصدق على الزانية، والغني، والسارق.
٨- لا تحقرن من المعروف شيئًا؛ فإنك لا تعلم أي خير ينفعك ويقيك عذاب يوم عظيم، وتأمل كيف وزن الرغيف الذي تصدق به التائب بالسبع الليالي التي عصى الله فيها؛ فرجح الرغيف مع أن السبع الليالي رجحت سبعين سنة طاعة.
٩- لا ينبغي أن يقنط العبد من رحمة الله، فهذا العبد التائب وقع في المعصية، ثم خرج تائبًا، ثم أطاع؛ فصلى وسجد، ثم تصدق؛ فختم له على طاعة، لأنه لم يقنط من -رحمة الله -.
١٠ - فيها تحقيق دقيق لقول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَّ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:
٨٨-٨٩].
١١ - تَصَدَّق قليلًا وِأُجِرَ كثيرًا؛ ففي ذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ◌ْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتٌَّ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجُنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦].
١٢ - هذا العبد الذي عبد الله سبعين سنة، ثم عصى الله سبع ليالي، ثم خرج تائبًا صدق الله في توبته؛ فصدقه الله، فمات تائبًا وغفر له.
١٣ - وهذه الأحاديث التي تضمنت هذه القصص فيها حض على الخير، وترغيب في الصدقة، ومحاربة شح النفس، وليس طريقًا للذين يحبون الشهوات يقدمون بسببها على الكبائر والموبقات، مغترين برحمة الله، فمن الذي يضمن حسن الخاتمة، ويأمن سوء العاقبة. وفي هذا القدر الكفاية، وبنعمة الله تتم الصالحات.
روميفيه
هل ثمة فرق بين العلماء والدعاة؟
الدكتور / ناصر بن عبد الكريم العقل السعودية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه. فإن الحديث عن الدُّعاة وعن العلماء، أصبح في ظروفنا المعاصرة أمرًا ضروريًا؛ خاصة حينما انتشر مفهوم خاطئ عند الناس، يتسم بالتفريق بين العالم والدَّاعي، وبين العلم والدعوة، ثم بين الفقه في الدين والفقه في الدعوة. وقد نتج عن هذا المفهوم ظواهر خطيرة في الدِّين، وفي السلوك، وفي الأفكار، وفي المفاهيم، وفي التعامل والمواقف، والولاء والبراء. من هم العلماء؟ العلماء هم العالمون بشرع الله، والمتفقهون في الدين، والعاملون بعلمهم على هدى وبصيرة، على فَقَدْ أُوِيَ خَيْرً ا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 962]. والحكمة: العلم والفقه. فعلى هذا فالعلماء بهذا التعريف:
سنَّة رسول الله ◌َّهِ، وسلف الأمة، الداعون إلى الله بالحكمة التي وهبهم الله إياها: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
هم الدعاة بدَاهة، والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم الدعاة، فأجدر من يتصدر الدعوة بعد الأنبياء هم العلماء،؛ ذلك أنهم حُجة الله في أرضه على الخلق، و أهل الحل والعقد في الأمة، والمؤتمنون على مصالح الأمة العظمى، وأهل الشورى الذين ترجع إليهم الأمة في جميع شئونها ومصالحها، وكذلك هم أفضل الناس، وأزكاهم وأخشاهم، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَّ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 82].
وإذا كانوا هم كذلك، فهم الأجدر أن يكونوا هم الدعاة على هذه الصفات، وهم الأجدر أن يكونوا هم القادة والرُوَّاد في
ما هو مفهوم الدعوة ؟ الدعوة هي السعي لنشر دين الله -عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا، وبذل الوسع في ذلك، ويتحقق هدف الدعوة إلى الله بالعلم والعمل والقدوة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح والاستقامة والإخلاص والتجرد، وهذه الأركان أكثر ما تتوفر في العلماء.
هل الدعوة مقصورة على العلماء؟ ابا لطبع لا، بل على كل مسلم عرف شيئًا من الدين، وتبصر به: أن يدعو إليه بعد التبصر وفقْه المسألة التي يدعو إليها. ولكن الذي عليه عمل السلف أن قيادة الدعوة، وريادتها، وتوجيهها لا بد أن يكون من العلماء وفي العلماء، فلابد أن يتصدروا الدعوات في كل أمر ذي بال، ولا بد أن نجعلهم القادة، وهم المرجع، والموجهين في الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - ولا يكونوا مجرد مستشاري عند الحاجة كما يفعل كثير من (أصحاب الدعوات).
قال ابن رجب - رحمه الله -: (وقد قُتن كثيرٌ من المتأخّرين بهذا، فظنُّوا أنَّ من كثُر كلامُه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم يِّن ليس كذلك، وهذا جهلٌ محضٌّ، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكرٍ، وعمر، وعليٍّ، ومعاذٍ، واٍن مسعودٍ، وزيد بن ثابتٍ، كيف كانوا؟ كلامُهم أقلّ من كلام ابن عبّاسٍ وهُم أعلم منه. وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة والصحابةُ أعلم منهم، وكذلك تابعو التابعين، كلامُهم أكثر من كلام التابعين والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال، ولكنَّه نورٌ يُقذف في القلب، يفهم به العبد الحقَّ، ويميِّز به بينه وبين الباطل، ويعبِّر عن ذلك بعباراتٍ وجيزةٍ مُحصِّلةٍ للمقاصد)). ((فضل علم السلف على علم الخلف)) (٥٧ -٥٨).
هل يجب على العالم أن يرفع راية الدعوة ؟ العامة والولاة والعامة، كل منهم حسب ما يستطيع، وحسب ما يرى من أساليب يتأدى بها الواجب. ولكن يجب أن لا نتوقع منهم الإشادة بجهودهم أو الدعاية لأنفسهم؛ ذلك أن الأصل في أهل العلم: (أنهم يُسعى إليهم لأخذ العلم عنهم، ولا يسعون إلى الناس)، فالأصل في أهل العلم: أن يكون لهم سمت أساسه التواضع، وأن يكون لهم حق على الأمة، كما أن الأصل في العلماء أن لا يرفعوا فوق رءوسهم رايات، ولا يرفعوا شعارات، ولا يطلبوا الانتماءات إليهم، ونحو ذلك مما هو من لوازم بعض الدعوات المعاصرة. فالعلماء هم الذين يُقْصَدون، ويجب أن يلتف حولهم العامة والخاصة، فمن رفعه الله بالعلم والتقوى وجب على الأمة أن ترفع له قدره.
أبرز نتائج الفصل بين العالم وبين الداعية: بسبب فصل بعض الدعاة بين الشيخ (العالم) وبين الداعية، ظهرت أمور سلبية نراها جلية في كثير من الدعوات الإسلامية، من هذه الأمور:
أولًا: اتخاذهم رؤوسا جهالًا، أغلبهم لا يفقهون من الدين إلا ما يحلو لهم، وغاية ما يملك بعضهم من العلم، إنما هو مجرد أفكار وثقافات أشتات، زاد كثير منهم مجرد العواطف والحركة، حتی کاد أن يكون مصطلح الداعية عندهم من ليس بعالم، وأن العالم ليس بداعية، وأحيانًا يقولون: فلان داعية - أي ليس بعالم - وفلان شیخ من المشايخ؛ أي ليس بداعية! وهذا وقوع فيما حذر منه الرسول وَل من اتخاذ (رؤوسا جهالًا)، يفتون بغير علم، فيَضلوا ويُضلُّوا فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص وفِىّها أن النبيِ وَّه قال: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا))(١) .
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٢٣٤) کتاب العلم، باب کیف يقبض العلم، وفي (١٣ / ٢٩٥) كتاب الاعتصام، باب ما يذكر من ذم الرأي ... ، ومسلم في صحيحه (٢٠٥٨، ٢٠٥٩) كتاب العلم باب رفع العلم وقبضه.
ثانيًا: قلة وجود العلماء والمشايخ، والمتفقهين في الدين، المتضلعين في العلوم الشرعية بينهم، في أكثر الدعوات المعاصرة مع أن وجود أهل العلم المتفقهين في الدين شرط من شروط الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - خاصة في الدعوات الكبرى، التي ينضوي تحت لوائها جماعات وفئام من الناس.
ثالثًا: قصور النظرة في فهم قدر العلماء والمشايخ، وبمنزلتهم عند كثير من أتباع هذه الدعوات. فمن هنا وجد من بعضهم اتهام للعلماء بالقصور أو التقصير أو قلة الوعي، أو أي نوع من أنواع التنقيص لتبرير عدم صلة الدعاة بالعلماء. بل إن بعض الدعاة يرفع نفسه ودعوته على حساب الكلام في أعراض العلماء، وهذا الأمر - وإن كان كشفه مؤلمًا - لكن لا بد من ذكره، ولا بد من السعي لعلاجه.
رابعًا: توريط بعض شباب الأمة بالانتماء للشعارات والقيادات الدعوية، وليس لأهل العلم والعلماء، بل أصبح الانتماء للشعار والجماعة الدعوية أكثر منه للسنة والجماعة وأهل العلم ١.
خامسًا: فصل الشباب عن مشايخهم وعن علمائهم، ومن ثم حجبهم عن النظرة الشرعية الشمولية للدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى - وغاياتها ومناهجها، وحجبهم عن الاهتداء بهدي أئمة السنة قديمًا وحديثًا. بل إن بعض الجماعات تربي شبابها على جوانب من مناهج السلف تخدم أهدافها، أو تخدم الجماعة وشعاراتها، وتغفل الجوانب الأخرى والسنة والعلم وسير أهل العلم، وهذه من أساليب أهل الأهواء وأهل البدع، يأخذون من الأئمة ما يحلو لهم من قول أو فعل، ويتركون الباقي، وهذا خلل في النظرة وخلل في المنهج.
سادسًا: نتج عن الفصل بين الدعاة والعلماء كثرة الشعارات والأهواء والانتماءات والافتراقات والعصبيات للجماعات أو للأشخاص مع العلم بأن الأمة لا يجمعها على السنة والخير إلا علماؤها.
(١) اقرأ كتاب (حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية) للشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد؛ فهو مفيدجداً.
سابعًا: نتج عن العزل بين العلماء وبعض الدعوات المعاصرة أن نشأت لبعض الدعوات مناهج وأفكار وكتب ومؤلفات معزولة عن السنن، وعن العلوم الشرعية بشموليتها، بل وحتى بتفصيلاتها. وصارت كل طائفة تأخذ من العلوم الشرعية ما يناسب أوضاعها، حتى نشأ للدعوة في العالم الإسلامي علم يشبه علم الكلام لدى الجماعات في ارتباطه بالأهواء والأشخاص، لا بارتباطه بالسنة وبالأئمة.
وقد برزت في الآونة الأخيرة نتيجة لهذا الفصل بين الدعاة والعلماء دعوات كبرى، قوامها وركائزها رؤساء ليسوا بعلماء، وتعتمد على أفكار وحركات محدثة تخالف هدي الإسلام، وعلى عواطف لا تضبطها القواعد الشرعية ولا المصالح المعتبرة.
ثامنًا: كما نتج عن هذا التفريق الحيلولة دون تحصيل العلم من المشايخ؛ بل كثيرًا ما ترد إشكالات من بعض الشباب في شتى بلاد العالم الإسلامي، ناتجة من صرف بعض الدعاة لأتباعهم عن العلماء بذرائع شتى، حتى أن بعضهم قد يعاقب الشاب الذي ينتمي إليه لماذا جلس يطلب العلم الشرعي على الشيخ فلان !!.