وارحموا الضعيف ..!
عن أبي بردة صيته ؛ قال: لما حضر أبا موسى نصيبه الوفاة؛ قال : يا بني اذكروا صاحب الرغيف.
قال: كان رجل يتعبد في صومعة - أراه قال: سبعين سنة - لا ينزل إلا في يوم أحد. قال: فنزل في يوم أحد، قال: فشبّه الشيطان في عينه امرأة، فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال، قال: ثم كشف عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبًا، فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد، فآواه الليل إلى دكان عليه إثنا عشر مسكينًا، فأدركه الإعياء، فرمى بنفسه بين رجلين منهم. وكان ثمَّ راهب يبعث إليهم كل ليلة أرغفة، فيعطي كل إنسان رغيفًا، فجاء صاحب الرغيف فأعطى كل إنسان رغيفًا، ومرَّ على ذلك الذي خرج تائبًا، فظن أنه مسكين، فأعطاه رغيفًا، فقال المتروك لصاحب الرغيف: مالك لم تعطني رغيفًا، ما كان إليّ عنه غنى؟ فقال: أتراني أمسكته عنك؟ سل هل أعطيت أحداً منكم رغيفين؟ قالوا: لا. قال: تراني أمسكته عنك؟ والله لا أعطيك الليلة شيئًا، فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه، فدفعه إلى الرجل الذي ترك. فأصبح التائب ميتًا، فوزنت السبعون سنة بالسبع ليالي فلم تزن، فوزن الرغيف بالسبع ليالي فرجح الرغيف. فقال أبو موسى نضيعته.
توثيق الحديث: أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٣٥٣) بإسناد رجاله ثقات. وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود رضينه بنحوه؛ أخرجه ابن أبي شيبة (٩٩٠٦ و٣٥٣٥٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٤٨٨) بإسناد رجاله ثقات. فالأثر ثابت إن شاء الله.
غريب الحديث: الصومعة: المكان الذي يتعبد فيه رهبان أهل الكتاب. لا ينزل إلا في يوم أحد: ينزل في كل أسبوع مرة، وظاهر الحديث يدل على أن هذا العابد من رهبان النصارى. شبه الشيطان في عينيه امرأة: أي: زينها وحلّاها. فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال: أي: خلا بها سبعة أيام بلياليهنَ، واقترف معها الفاحشة. كشف عن الرجل غطاؤه: أي: أدرك خطأه، وندم على فعلته، وعزم على التوبة. فآواه الليل: أي: أدركه المبيت. أدركه الإعياء: لحقه التعب. ما كان إليّ عنه غنى: أي: لا استغني عنه؛ لأنني بحاجته؛ لشدة جوعي وفقري. أتراني أمسكته عنك:
أي: هل منعتك حقك؟ فوزنت السبعون سنة بالسبع ليالي فلم تزن: أي: أجور عبادة السبعين سنة مع وزر السبع ليال؛ فرجحت أوزار السبع ليال. فوزن الرغيف بالسبع ليالي فرجح الرغيف: أي: أجر التصدق بالرغيف رجح على وزر السبع ليال. المعنى الإجمالي: في هذا الأثر يقص أبو موسى الأشعري فيه على أولاده قصة عابدٍ من أهل الكتاب، تفرغ لعبادة الله سبعين سنة معتزلًا الناس، فنزل في يوم أحد - وهو عيد النصارى - فرأى امرأة جميلةً؛ فوقع حبها في قلبه، وشغله عن حب مولاه؛ فوقع في المعصية. ثم ندم على فعله، وعزم على التوبة، فكان يكثر من الصلاة؛ لأن الصلاة من مكفرات الذنوب؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفَا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحُسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وبينما هو يسير آواه المبيت إلى دكان على بابه إثنا عشر فقيرًا؛ يأتون كل يوم يأخذون مخصصاتهم من الطعام، فدخل بين إثنين منهم، فأعطاه الرجل حصة غيره، فلما انتهى توزيع الطعام طلب الفقير الأخير حقه؛ فاستغرب صاحب الرغيف، وظن أنه أعطى رجلًا