الدكتور/ خالد بن عبد العزيز الجناحي البحرين
جرت سنّة الله تعالى في خلقه أنه يمتحنهم بالملذات، ويختبرهم بالشهوات، فلا يتماسك أمام هذه الإغراءات؛ إلا من ثبته الله -عزّ وجل-، فتذکرَ مقامه أمام ربه، ونهى النفس عن الهوى، واعتبر من أسباب هلاك الأمم السابقة ..
لقد نبهنا القرآن العظيم، الذي فيه خبر الأولين والآخرين، إلى حقيقة خطيرة، وسمة مشتركة، في تاريخ الأمم السالفة، مفادها: أنَّ هلاك مجتمعاتهم كان دائمًا ما يسبقه انتشار الترف والبَطْر والإسراف بين (علية القوم)، الذي يصحبه طغيان وفساد وإفساد .. حتى أصبحت هذه سنة كونية، وقاسم مشترك، بين الأمم التي آذنت أنفسها أشد آيات العذاب، وأبلغ صنوف العقاب !.
وليست أخبار سقوط مجد هذه الأمة عنّا ببعيد! بعد أن بلغت أطرافها سور الصين شرقًا، وجبال الألب الفرنسية غربًا، .. فما الذين أدّى إلى تهاوي الدولة الأموية؟ !.. وما هو السبب في انهيار الدولة طيف
العباسية؟ !.. وكيف تهيأ للمغول غزو بلاد المسلمين، وارتكابهم أبشع المجازر التاريخية؟ !.. وما الذي أسقط دولة المسلمين في الأندلس؟ !.. وكيف سقطت القدس في أيدي الصليبيين؟ !.. إنها (سوسة التفاح) التي نخرت في المجتمع المسلم، فأفسدت أعلاه، وأثّرت على أوسطه، وبدی أدناه ذابلا متآكلا.
فهل بدأ التاريخ يعيد نفسه عبر (الطبقة المخملية) في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة؟ .. وهل شرع (المترفون) من هذه الأمة في تتبع سَنَن الأمم الهالكة؟ .. وهل أذِنَ (علية القوم) -بأنفسم والأمة- بالنتيجة الحتمية، والعقوبة الربانية، - بسبب فسادهم وإفسادهم-؟ .. قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. سألت زينب موقعها، رسول الله وَّةٍ فقالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم! إذا كثُرَ الخبث!)) ]متفق عليه [. قال الإمام القرطبي: ((قد تنزل المصائب بذنوب الغير!)).
حبذا وقفة تأمل! إِنَّ المتأملَ في (خارطة الفساد) في مجتمعاتنا ومظان تواجده وتكتله، ليرَ عين اليقين: أن الفساد يعشعش ويتركز بين (الطبقة العليا) التي تستأثر لنفسها بالثروة والسلطة، ثم يتبعهم بالتقليد (الطبقة المتوسطة)، التى عادةً ما تعيش قريبًا من ذوي الثراء والسلطان، والتى تسترزق بتسخير نفسها فى خدمتهم، وتحقيق مصالحهم وأهوائهم، فهؤلاء فسادهم على أنفسهم، وهم تبعًا لفساد كبرائهم، ثم يؤدي ذلك إلى وصول عدوى الفساد إلى العامة من (الطبقات الدنيا)، وهؤلاء هم المستضعفون المهمّشون والمستعبدون المهضوم حقهم .. وبذلك يستشري الفساد فى المجتمع بأسره، .. هذه- باختصار- (الخارطة السرطانية للفساد) التي تسري في مجتمعاتنا، والتى مصدرها وبؤرتها (علية القوم)، وما هم بعلية للقوم !.
وبالرجوع إلى الإحصائيات السنوية التي تعدها المؤسسات العالمية والإقليمية والمحلية لمكافحة الفساد، تتأكد لنا هذه الحقيقة، ويتأكد حجم الفساد الواقع بين (الطبقة المخملية)، سواء السياسيون منهم أصحاب النفوذ وصناع القرار السياسي، أو التجار أصحاب الثراء وأرباب السوق، أو مدّعي الثقافة منهم، ومدى تأثير فسادهم على المجتمع بأكمله !. (علية القوم) .. فساد تحت المجهر !! لقد بيّنَ لنا الشارع الحكيم أنَّ (الترف) مصدر كل بلاء، ورأس المصائب التي تقع على الأمم والمجتمعات. والإنسان بطبيعته - إلا من رحم الله- مفتونٌ بالدنيا وملذاتها، محدقٌ بنعيمها وبهرجها، متربصٌ لشهواتها ومتاعها، مستترٌ بالدنيا على الآخرة، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحُيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧].
وبما أن (كبراء القوم) هم المستحوذين على السلطة والمال، فقد استأثروا على بقية الناس؛ لما عندهم من جشع غطى على عقولهم وشكَّ سائر حواسهم، وبخلوا بها مَنَّ الله عليهم من الخيرات، فأصبحوا في أبراجهم مترفين بما حولهم من الملذات، عبيدًا لصنوف الشهوات، أسارى لطغيان أنانيتهم، متمادين في غرورهم، جنودًا لما يمليه عليهم شيطانهم، لو أعطي الواحد منهم وادٍ من ذهب لتمنى واديًا آخر .. لقد أنستهم شهواتهم وأطماعهم أنّ الدنيا ما هي إلا
﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وتغافلوا عن حقيقة ﴿وَمَا هَذِهِ الْحُيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا هوٌ وَلَعِبٌّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَيَ الْحْيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، .. ولهذا صوّرَ لنا القرآن العظيم (المترفين) بأبشع الصور، ووصفهم بالظلم والإجرام، وحذر من سلوكياتهم، بسبب ما عندهم من (فساد وإفساد) .. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُثْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود: ١١٦].
الجشع يزداد يومًا بعد يوم من قِبَل التجار وبدعاوى كاذبة! حذر سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية سماحة الشيخ (عبدالعزيز آل الشيخ) - في خطبة القاها - التجار من الجشع الزائد في بيع السلع، وأضاف سماحته قائلًا: أحذر من التواصي على ظلم العباد، فالظلم ممنوع في شريعة الإسلام، ووصف فعل وتصرف بعض التجار الموردين المتسبب في الغلاء، بأنه ناتج عن جشعهم وطمعهم، ورغم ما يصدر لهم من تسهيلات، كان التجار يتحملون تكلفتها، فقد أخذ عنهم عبء كبير إلا أننا لا نرى بارقة أمل في التحول، ونرى الجشع يزداد يومًا بعد يوم. وقال سماحته: إنه يجب على هؤلاء تقوى الله في أنفسهم، ونحن نقول العدل مطلوب، والربح مطلوب، ولاشك في ذلك، لكن ربح بعدل، ومنفعة بعدل، وبيع بعدل. وأضاف: إن الواجب على هؤلاء ((الجشعين)) أن يقفوا عند حدهم، كما يجب تسعير السلع كلها تسعيرًا دقيقًا مع إعطاء كل ذي حق حقه، وبالعدل، لكي لا يبقى التجار على هذا التنافس في رفع الأسعار من غير مبالاة، وبدعوى باطلة وكاذبة، فكثير منها عند التمحيص ليس لها أصل بل افتعال من تلقاء انفسهم. وأضاف سماحته أن الله -سبحانه وتعالى- يأمر بالعدل والاحسان، ومن العدل أن يوقف كل متجاوز عند حده، ويجب أن يكون الأمر واضحًا والربح واضحًا.
ومن جانب آخر، فإننا نشاهد في مقابل الترف وحياة البذخ التي يعيشونها، نجد أن هذه الطبقة تتصف أيضًا بالشُّح، وقطعهم لكل نعمة تصل لغيرهم من الناس.
وشُحّهم بسبب حرصهم على الدنيا، وطمعهم في الاستحواذ على كل شيء ثمين يمر تحت أيديهم، وهذه الصفة جعلتهم يضيّقونَ على الطبقة الوسطى والدنيا، فما يجوز لهم يجب يمنع منه غيرهم، وما يصل لهم يجب أن لايصل إلى مَنْ سواهم، .. وهكذا، حتى أنهم استأثروا لأنفسهم كل شيء يشترك فيه الناس، على جميع طبقاتهم وأجناسهم .. فهل وعى (علية القوم) التحذير النبوي؛ حيث يقول وَلَهُ: (إياكم والشُّحّ، فإنما هلك من كان قبلكم بالشُّحِّ، أمَرَهم بالبُخلِ، فبخِلوا، وأمَرَهم بالقطيعةِ، فقطعوا، وأمرهم بالفجورِ، فَفَجَرُوا)). [رواه أبو داد: ١٦٩٨، وصححه الألباني].
لم تعد (سوسة التفاح) مخبئة عن الأنظار !.. (فسادٌ واضح، وإفساد فاضح) !!
كان (علية القوم) في الأزمان السابقة يتسترون على فسادهم بسطوتهم ونفوذهم، ويخفون ترفهم خلف أسوار قصورهم، والشيء اليسير الذي تسرب إلينا من صور بذخهم وترفهم، كان كافيًا لمعرفة مدى الفساد الذي وصلوا إليه.
ولمّا وصل فسادهم إلى عامة الناس وتأثروا به، وأصبحت الرذيلة صفة ظاهرة في مجتمهاتهم، استحقوا بعدها آيات العقاب الرباني،
والجزاء الإلهي .. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّوَ الْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ◌ِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
أما اليوم !.. ومع وجودهذه التقنيات المتطورة، وانتشار وسائل الاتصال الحديثة، وتنوع قنوات التواصل الاجتماعي، لم يعد هناك أسرار مخفية، ولا أسوار قصور محمية يصعب اختراقها، فمشاهد حياة البذخ التي تنقل لنا -حيّة ومباشرة- من مجتمعات (الطبقة المخملية)، وصور الترف التي نراها عندهم، وطرائق الفساد التي يتبعها (سادات القوم)، لهي كفيلة لنشر الفساد بين باقي طبقات المجتمع بعامة، و(الطبقة الدنيا) بخاصة؛ بسبب افتتانهم بما يرونه من أساليب الترف والفساد، وكذلك حرمانهم من أدنی حقوقهم المعيشية، فضلًا عن ما یترفهون به.
صور من فساد (سوسة التفاح) !!
.. تعد ظاهرة فساد (علية القوم) سمة منتشرة بين جميع أنواع الدول، سواء كانت هذه الدول والمجتمعات غالبها من الطبقة الغنية أم الفقيرة، متعلمة أم جاهلة، دكتاتورية أم ديمقراطية، قوية أم ضعيفة.
أما في مجتمعاتنا المسلمة المعاصرة، فإن صور الفساد بين (كبراء القوم) قد تعددت، وصنوف الإفساد قد تنوعت، فكل بحسب نفوذه وتسلطه، وهاك بعضًا من صور فساد هذه الطبقة:
الفساد السياسي .. (سياسو جيوبهم!) هم أصحاب النفوذ السياسي، وحاشية الحكام من أصحاب القرار، فهؤلاء يستحدمون نفوذهم والسلطة العامة -الحكومية- التي بأيديهم لغاياتهم غير المشروعة، وعادة ما تكون هذه الأهداف سرية، لتحقيق مكاسبهم الشخصية. ومن أشكال الفساد السياسي: المحسوبية، والرشوة، والابتزاز، وممارسة النفوذ، والاحتيال، ومحاباة الأقارب.