المسلم بالنخلة ء الأستاذ: هلال الشريف (سوريا)
عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنّا عند رسول الله ◌َّه فقال: ((أخبروني بشجرة تشبه أو كالرّجل المسلم، لا يتحاتّ ورقها، ولا، ولا، تؤتي أكلها كلّ حين)). قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنّها النّخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلّمان فكرهت أن أتكلّم، فلمّا لم يقولوا شيئًا قال رسول الله ◌َله: ((هي النّخلة)). فلمّا قمنا قلت لعمر: يا أبتاه! والله لقد كان وقع في نفسي أنّها الّخلة. فقال: ما منعك أن تكلّم؟ قال: لم أركم تكلّمون؛ فكرهت أن أتكلّم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحبّ إليّ من كذا وكذا(١). - شرح المفردات: - لا يتحاتٌ ورقها: لا يتناثر ويتساقط. - ولا مكرّر: لا يصيبها كذا ولا كذا، ذكر النّفي ثلاث مرّات على طريق الاكتفاء، وتفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فيؤها، ولا يبطل نفعها. (١) أخرجه البخاري (٦١و ٦٢ و ٧٢ و ٤٦٩٨)، ومسلم (٢٨١١)
- أوجه الشبه بين المؤمن والنخلة: قال الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في ((مفتاح دار السعادة)) (١١٦/٢-١٢١): ((ثم تأمل هذه النخلة التي هي إحدى آيات الله تجد فيها من الآيات والعجائب ما يبهرك؛ فإنه لما قدر أن يكون فيه إناث تحتاج إلى اللقاح جعلت فيها ذكور تلقحها بمنزلة الحيوان وإناثه، ولذلك اشتد شبهها من بين سائر الأشجار بالإنسان خصوصا بالمؤمن - كما مثله النبي ◌َّله - وذلك من وجوه كثيرة:
أحدها: ثبات أصلها في الأرض واستقراره فيها، وليست بمنزلة الشجرة التي ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ اْلْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَار﴾ (إبراهيم: ٢٦).
الثاني: طيب ثمرتها وحلاوتها وعموم المنفعة بها، كذلك المؤمن: طيب الكلام، طيب العمل، فيه المنفعة لنفسه ولغيره.
الثالث: دوام لباسها وزينتها، فلا يسقط عنها صيفا ولا شتاء، كذلك المؤمن لا يزول عنه لباس التقوى وزينتها حتى يوافي ربه - تعالى -.
الرابع: سهولةٍ تناول ثمرتها وتيسره، أما قصيرها؛ فلا يحوج المتناول أن يرقاها، وأما باسقها؛ فصعوده سهل بالنسبة الى صعود الشجر الطوال وغيرها، فتراها كأنها قد هيئت منها المراقي والدرج إلى أعلاها، وكذلك المؤمن خيره سهل قريب لمن رام تناوله لا بالغر ولا باللئيم.
الخامس: إن ثمرتها من أنفع ثمار العالم؛ فإنه يؤكل رطبه فاكهة وحلاوة، ويابسه يكون قوتا وادما وفاكهة، ويتخذ منه الخل والناطف والحلوى، ويدخل في الأدوية والأشربة. السادس من وجوه التشبيه: إن النخلة أصبر الشجر على الرياح والجهد، وغيرها من الدوح العظام تميلها الريح تارة وتقلعها تارة، وتقصف أفنانها ولا صبر لكثير منها على العطش كصبر النخلة، فكذلك المؤمن صبور على البلاء لا تزعزعه الرياح.
السابع: إن النخلة كلها منفعة لا يسقط منها شيء بغير منفعة، فثمرها منفعة، وجذعها فيه من المنافع مالا يجهل للأبنية والسقوف وغير ذلك، وسعفها تسقف به البيوت مكان القصب، ويستر به الفرج والخلل، وخوصها يتخذ منه المكاتل والزنابيل وأنواع الآنية، والحصر وغيرها، وليفها وكربها فيه من المنافع ما هو معلوم عند الناس.
الثامن: إنها كلما طال عمرها ازداد خیرها وجاد ثمرها، و کذلك المؤمن إذا طال عمره ازداد خیره وحسن عمله.
التاسع: إن قلبها من أطيب القلوب وأحلاه وهذا أمر خصت به دون سائر الشجر، وكذلك قلب المؤمن من أطيب القلوب.
العاشر: إنها لا يتعطل نفعها بالكلية أبدًا، بل إن تعطلت منها منفعة؛ ففيها منافع آخر، حتى لو تعطلت ثمارها سنة لكان للناس في سعفها وخوصها وليفها وكربها منافع وآراب، وهكذا المؤمن لا يخلو عن شيء من خصال الخير قط، إن أجدب منه جانب من الخير أخصب منه جانب، فلا يزال خيره مأمولًاً وشره مأمونًا، عن النبيِوَد ◌ِّ: ((خير كم من يرجى خيره ويؤمن شرّه، وشرّكم من لا يرجى خيره ولا یؤمن شرّه))(٢)ا.هـ. - فوائد الحديث: قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٤٦/١ - ١٤٧):
١- فيه التّحريض على الفهم في العلم.
٢- وفيه استحباب الحياء ما لم يؤدّ إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنّى عمر أن يكون ابنه لم يسكت.
٣- وفيه دليل على بركة النّخلة وما تثمره.
٤- وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذّهن، ولتحديد الفكر في النّظر في حكم الحادثة.
٥- وفيه إشارة إلى أنّ تشبيه الشّيء بالشّيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإنّ المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله.
٦- وفيه توقير الكبير، وتقديم الصّغير أباه في القول، وأنّه لا يبادره بما فهمه وإن ظنّ أنّه الصّواب.
٧- وفيه أنّ العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه؛ لأنّ العلم مواهب، والله يؤتي فضله من يشاء. (٢) أخرجه الترمذي (٢٢٦٣)، وأحمد (٣٧٨/٢ و ٣٦٨) بسند جيد.