أخرج الإمام البخاريّ في: )) صحيحه)): بسنده عن حميد بن أبي حميد الطّويل أنّه سمع أنس بن مالك رَضِ لُلَهُ يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ ◌َّ؛ يسألون عن عبادة النّبيّ وَلَّهِ، فلمّا أخبروا كأنّهم تقالوها؛ فقالوا: وأين نحن من النّبيّ ◌َّ قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر؛ قال: أحدهم، أمّا أنا؛ فإنّي أصلّي اللّيل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدًا. فجاء رسول الله ◌َّ إليهم؛ فقال: ((أنتم الّذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنّي لَأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء؛ فمن رغب عن سنّتي؛ فليس منّي)).

13

الأستاذ النميري بن محمد الصبار السودان

وفي رواية مسلم: ((أنّ نفرًا من أصحاب النّبيّ ◌َلِّ سألوا أزواج النّبِيّ وَِّ عن عمله في السّرّ، فقال بعضهم: لا أتزوّج النّساء. وقال بعضهم: لا آكل اللّحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله، وأثنى عليه. فقال: ((ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكتّي أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي؛ فليس منّي)). إنّ القارئ للحديث بروايتيه المتنوعتين قراءة واعية؛ ليجدنّ فيه أصولاً عظيمة الشأن، وقواعد جليلة القدر؛ تستوجب تسليط الضّوء عليها، ومن ثمّ استخراجها؛ لتكون منهاج حياة، يضيء للمسلم الطّالب للنّجاة دربه في ظلّ هذه الحياة المتلاطمة بأمواج الفتن الفكرية والمنهجية المنحرفة الزّائغة عن سواء السبيل. ومن هذه الأصول وتلك القواعد ما يلي:

١- السياسة النبوية الحكيمة في التّعليم والتربية؛ إذ إنّه وَّلَه عالج الخطأ العمليّ السلوكيّ الّذي كاد أن يقع فيه أولئك الصّحابة عٌُ من جذره الكامن في ظنهم: أنّ عبادة التّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانت قليلة؛ لكونه عليه الصّلاة والسّلام [email protected]

قال أبو قلابة -رحمه الله -: ((لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم))

قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر؛ فلا يحتاج بعدئذ إلى مزيد من العبادة؛ أمّا هم فليس الشأن فيهم كذلك؛ ولذا ينبغي عليهم أن يشمّروا عن ساعد الجدّ، ولو كان ذلك على حساب مجاوزة الهدي النّبويّ اجتهادًا منهم؛ رجاء أن يغفر الله لهم؛ فصحّح لهم النّبيّ ◌ِلّ هذا الخطأ من خلال بيان أنّ هديه في العبادة التي حسبوها قليلة لم يكن نتيجة لغفران ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر؛ اتّكالا على ذلك -وحاشاه حَخاليه من ذلك؛ وإنّما الحقيقة الشّرعية التّي تستوجب اليقظة والانتباه: أنّ ما قام به حِ لّه هو سنته المبنية على الوسطية التي يحبّها الله، وهذا من كمال خشيته الله -عزّ وجلّ- وتقواه له سبحانه؛ بخلاف المتشدّد الغالي الّذي ما يلبث أن يفضي به سلوكه هذا إلى إملال النّفس القاطع لها عن أصل العبادة. وهكذا الشّأن في سائر الأخطاء العملية السلوكية؛ إذ هي ناتجة في عمومها عن الخطإ في الفهم والتّصوّرات؛ فإذا تمّ الإصلاح في جانب الفهم والتّصوّرات؛ عولج الخطأ- بإذن الله- في جانب العمل والسلوك.

٢- الحديث أصل في أنّ الشّريعة الإلهية مؤسّسة على

التّوازن والعدل والتّوسّط في كافة شؤون الحياة.

٣-قاعدة العبادة المحكمة الرّصينة المتمثلة في وجوب التّقيّد بالكتاب والسنة بفهم الصحابة ◌َُّ في قضية التّعبد لله -عزّ وجلّ - والتّقرّب له، وأنّ الإخلال بذلك مزلق خطیر قد يؤدّي حتما بالإنسان للضّلال والابتداع.

٤- في الحديث إبطال لسنن أهل الجهل والھوی؛ كما في المناهج الهندوسية الكافرة، وكذا الحال في سنن القسيسين والرّهبان، الّتي لم تهتد بنور النبوة، فيما كانت تضعه لأتباعها من قوانين وأنظمة وتراتيب لم تراع حاجة النفس البشرية وما جبلت عليه من حبّ متع الحياة الدّنيوية الّتي أباحها الله جلّ وعلا؛ وإنما تضع النّفس تحت

أسواط التّعذيب؛ إذ كان المنخرط في سلك تلك والشّوء في أحوالنا؛ إنّه سبحانه جواد برّ كريم ■

المناهج الهندوسية يعالج كسله وفتوره عن العبادة بالقيام طوال اللّيل. كما كان من سنة القسيسين والرهبان: المبالغة في الزّهد والتّرهبن في الحياة، وذلك بالانقطاع عن التّزوّج وعن أكل اللحوم.

٥- البراءة من أهل التنطع في الدّين والغلوّ فيه؛ لرغبتهم عن سنّة إمام المرسلين؛ ولأنّ في ذلك اعتداءً على الحدود الشّرعية المأذون بها من ربّ العالمين. هذا؛ وأسأل الله العليّ الأعلى أن يهدينا لشريعته المحكمة التي بها نحقّق التّوازن الضّروريّ في حياتنا؛ وأن يعيذنا من سنن أهل الجاهلية الجالبة للشّرّ