الإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله-
صاحب السنة حي القلب مستنيره، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه، وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع، وجعلهما صفة أهل الإيمان، وجعل ضدهما صفة من خرج
عن الإيمان.
فإن القلب الحي المستنير؛ هو: الذي عقل عن الله، وفهم عنه،
وأذعن وانقاد لتوحيده ومتابعة ما بعث به رسوله وعد له.
والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله، ولا انقاد لما بعث به رسول الله، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم في جميع جهاتهم؛ فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة
"
هي التي خلق فيها الخلق أولًا فمن أراد الله سبحانه وتعالى به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها؛ وكان النبي يسأل الله تعالى أن يجعل له نورًا في قلبه، وسمعه، وبصره، وشعره، وبشره، ولحمه، وعظامه، ودمه، ومن فوقه، ومن تحته، وعن يمينه، وعن شماله، وخلفه، وأمامه، وأن يجعل ذاته نورًا؛ فطلب النور لذاته ولا بعاضه ولحواسه الظاهرة والباطنة ولجهاته الست. قال أبي بن كعب رضيالله: المؤمن مدخله من نور، ومخرجه من نور، وقوله نور؛ وعمله نور. وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر لصاحبه يوم القيامة؛ فیسعی بین یدیه ومینه؛ فمن الناس من یکون نوره كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة السحوق، وآخر دون ذلك حتى أن منهم من يعطى نوراً على رأس إبهام قدمه: يضيء مرة، ويطفئ أخرى؛ كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا، كذلك فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان.
روى الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو عيّ عن النبي أنه قال: ((إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره ؛ فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل)). قال عبد الله بن عمرو: فلذلك أقول: جف القلم على علم الله.
صَ لىالله وسلم
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أُوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] فسمى وحيه، وأمره روحًا؛ لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، وسماه نورًا؛ لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل. ولهذا ترى صاحب أتباع الأمر والسنة قد كسي من الروح والنور وما يتبعهما
عليهم ظلمة، وإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليه من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حرمه غيره؛ بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم، وهذه الظلمة كما قال الحسن - رحمه الله -: إن المؤمن من رزق حلاوة
ومهابة . وقال الله تعالى: ﴿اللهَ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلْمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلْمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم؛ وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه؛ منعهم أولياؤهم منه، وصدوهم، فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات. وقال تعالى: ﴿أُوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأُحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ ◌ُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلْمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فإحياؤه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه، وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له نورًا يمشي به بين أهل الظلمة؛ كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الليلة الظلماء؛ فهو يرى أهل الظلمة في ظلامتهم، وهم لا يرونه؛ كالبصير الذي يمشي بين العميان ■