وفخ «تحرير المرأة»
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .. حرر الإسلام المرأة من ظلم الرجال وتحكمهم، فقد كانت المرأة في العالم كله في منزلة بين الحيوانية والإنسانية، بل هي إلى الحيوانية أقرب، تتحكم فيها أهواء الرجال، وتتصرف فيها الاعتبارات العاديَّة المجرَّدة منِ العقل، فهي حينًا متاعٌ يُتخطّف، وهي تارة كرة تُتلقّف، تعتبر أداة للنسل، أو مطيّة للشهوات . وربّما كانت حالتها عند العرب أحسن، ومنزلتها أرفع، يرون فيها عاملا من عوامل ترقيق العواطف، وإرهاف النفس، ودواءً لكثافة الطبع، وبلادة الحسّ، ويجدون فيها معانيَ جليلة من السموّ الإنساني، وأشعارهم - على كثرتها - عامرة بالاعتراف بسلطان المرأة على قلوبهم، وبشرح المعاني العالية التي يجدونها فيها .
فضيلة الشيخ العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله الجزائر
ولا عبرة بما شاع عنهم من وأد البنات؛ فإنه لم يكن عامًّا فاشيًا فيهم، وتعليله عند فاعليه يُشعر أنه نتيجة حبِّ طغى حتى انحرف، وأثر عقلٍ أسرف في تقدير العواقب، لا نتيجة كراهية النوع الأنثى. وعلى كلِّ حال فالوأد خطأ كبير، وجريمة شنيعة،
ونِحْلَةَ مسوَّغة، وتستحق عليه نفقتها ونفقة أولادها منه
قال حكيم: لم تخلق المرأة من ء راس الرجل؛ لئلا تتعالى عليه، ولا من رجله؛ لئلا يحتقرها، بل استلها الله من ضلعه؛ لتكون تحت جناحه؛ فيحميها، وقريبة إلى قلبه، فيحبها؛ وتكون مساوية له شقيقة.
وحسبه تسفيه قوله -تعالى -: ﴿أَلا سَأْءَ مَاْ يَحْكُمُوْن﴾. وجاء الإسلام فنَّه على منزلتها، وشرفها، وكرم جنسها، وأعطاها كلَّ ما يناسب قوَّتها العقلية، وتركيبها الجسمي، وسؤَّى بينها وبين الرجل في التكاليف الدينية، وخاطبها بذلك استقلالاً؛ تشريفًا لها، وإبرازًا لشخصيتها، ولم يجعل للرجل عليها سبيلًا في كلّ ما يرجع إلى دينها وفضائلها، وراعى ضعفها البدني بالنسبة للرجل، فأراحها من التكاليف المادية في مراحل حياتها الثلاث: من يوم تولد إلى يوم تموت: بنتًا وزوجًا وأمًا، فأوجب على أبيها الإنفاق عليها وتأديبها ما دامت في حِجْره إلى أن تتزوَّج، وهذا حقٌّ تنفرد به البنت على الابن الذي يسقط الإنفاق عليه ببلوغه قادرًا على الكسب، فإذا وعدمًا. تزوَّجت انتقل كلُّ ما لها من حقِّ أدبي أو مادي من ذمة
إلا باختيارها.
cc
ووصايا القرآن والسنَّة وأحكامها في برِّ الأمهات معروفة، وهي أظهر من الشمس؛ فالإِسلام أعطى المرأة وأولادها من الإعزاز والتكريم ما لم يعطها إياه دينٌ آخرٌ، ولا قانونٌ وضعيٌّ، وأعطاها حقَّ التصرفِ في أموالها، وحقَّ التملك من دون أن يجعل للزوج عليها
وشذوذ في أحكام الرجال خارج عن نطاق الإنسانية، من سبيل، وأحاطها بالقلوب الرحيمة المتنوّعة النوازع،
المتلوّنة العواطف: قلب الأب وما يحمل من حنان، إلى قلب الزوج وما يحمل من حب، إلى قلب الولد وما يحمل من برِّ ورحمة؛ فهي لا تزال تنتقل من حضن كرامة وبر إلى حضن كرامة وبر إلى أن تفارق الدنيا، وبين المهد واللحد تتبوَّأ المراتب الكاملة في الإنسانية. نرى من هذه المعاملة الصريحة للمرأة في الإسلام أنه سلَّحها بأحكام قطعية، وحماها بتشريع سماوي عادل، ولم يكلها إلى طبائع الآباء الذين يلينون ويقسون، ولا إلى أهواء الأزواج الذين يرضون ويغضبون، ولا إلى نزعات الأبناء الذين يَبرُّون ويعقُّون، وإنما هي أحكام إلهية واجبة التنفيذ، لا تدور مع الأهواء والعواطف والنزعات وجودًا
ولا يَنْقُضُ علينا هذه الأصول شذاذ العصور
الأب إلى ذمة الزوج، فتأخذ منه الصداق فريضة لازمة، المتجاوزون لحدود الله الخارجون عن الفطرة الصحيحة
كمسلمي زماننا الذين منعوا المرأة المسلمة كلَّ أو جُلَّ
بالمعروف، فإذا خلت من الزوج ولها أولاد مكتسبون حقوقها، وحسب هؤلاء أنهم ظلموا أنفسهم قبل أن وجبت الحقوق على أولادها، ولا تنفق شيئًا من مالها يظلموا المرأة، وأنهم هدموها، فهدمتهم من غير قصد
في أبنائهم، وأفسدوا كونها، فحُرموا عونها.
وفي موضوع ((المرأة في الإسلام)) يتدخّل علماء ولم تفهموا أَنَّ الإسلام نظر إلى المرأة ككل، ونظر الغرب ملاحدةً ومتألَّهين، ويتعاطون ما لا يُحسنون من إلى مراحل حياتها الثلاث كمنظومة متناسقة، فإذا نقص القول في هذا الموضوع، ويجعلون منه ذريعةً للنيل من لها في جزئية جبر لها في جزئية أخرى، ولنجر معكم
الإسلام. ولقد ناظرنا جماعة منهم في الموضوع، فافحمناهم، وألقمناهم حجرًا، قلنا لهم: هاتوا مثالاً نتناقش فيه، فقالوا: الميراث، قلنا: من أي جهة؟ فإنَّ المرأة ترث بعدة أسباب، فنظر بعضهم إلى بعض، هل يراكم من أحد، وكادوا يتسلَّلون، وكأنهم كانوا لا يعرفون إلا أنَّ المرأةَ مظلومة في القرآن الذي يقول: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الْأَنْثَيْنِ﴾، فقال لنا أحدهم: نعني ميراثَ البنت مع أخيها، فقلت: أنتم قوم تبنون الحياة كلّها على الحساب، فهلمَّ ((نتحاسب))، ولنفرض أنَّ مورّثًا مسلمًا مات وترك ابنًا، وبنتًا، وثلاثمائة نقدًا، قال الإسلام: للابن مائتان،
وللبنت مائة، فقلتم: هذا ظلم، هذا غبن، هذا إجحاف، تربية الناشئة وإعدادها للحياة ■
على مثالنا ولا نخرج عنه، ولنفرض أنَّ الأخوين الذكر والأنثى تزوَّجا في يوم واحد، وليس لهما من المال إلا ذلك الميراث، فالذكر يدفع لزوجته مائة صداقًا، فيُمسي بمائة واحدة، وأخته تأخذ من زوجها مائة صداقًا فتصبح ذات مائتين، والذكر مطلوب بالإنفاق على نفسه وزوجته وأولاده إن ولد، وأخته لا تنفق شيئًا على نفسها ولا على أولادها. فهذا هو الميزان العادل في الإِسلام يتجلَّى من هذا المثال، وتتجلَّى منه رحمة الله في هذا المخلوق الذي ركبه الله على ضعف، ورشّحه لحمل أعظم أمانة، وهي